على مدار الأعوام الماضية ترددت كثيراً إشاعات وحكايات ارتقت إلى مرتبة الأساطير عن منزل مهجور يقع في أرض فارغة إلا منه على حدود البلدة، وأن كثيرين كانت لديهم شجاعة الذهاب إليه لاستكشافه، وكان الشرط الأساسي ليثبت المرء منهم شجاعته بلا شك أن يذهب إلى هناك ليلاً؛ فمن الجبان الذي قد يود زيارة منزل مهجور نهاراً؟! لكن كل من ذهبوا إلى هناك لم يعودوا كما كانوا قبل زيارتهم للمنزل، بل منهم من عاد مجنوناً يهذي، ومن عاد يخاف الظلام أو المساحات الفارغة، وغير ذلك مما عاناه آخرون بسبب ما رأوه هناك...! وإثر هذا قرر شجعان آخرون الذهاب إلى هناك ولكن في النهار، ولم يتهمهم أحد بالجبن هذه المرة بعد ما حدث لمن ذهبوا في الليل، وكان ظنهم أن كل ما هو مخيف ومرعب ومُذهب للعقل موطنه الليل والظلمات وحسب، لكنهم رغم ذلك لم يعودوا بحال أفضل من سابقيهم... بسبب ما رأوه هناك! ولكن...ما الذي رأوه هناك؟! الله أعلى وأعلم؛ فلم يجرؤ على تفسير الأمر أحد ممن ذهبوا إلى هناك! وعندما تجددت حكايات ذلك المكان المشؤوم وجد صاحبنا يسأل نفسه هو الآخر: "ما الذي قد يكونوا رأوه هناك فأحالهم هكذا؟!" وبالطبع لم يكن لصاحبنا، الذي كانت حياته ميسورة لدرجة من المفترض أن تبقيه بعيداً عن المتاعب رغم سأمها ومللها وفراغها، أي دافع للسؤال أو التفكير في الأمر من الأساس، ولكن الفراغ قاتل، والوحدة سفاحة! والمصيبة أن الأمر تعدى السؤال كضرب من الفضول إلى رغبة مجنونة بتجربة الذهاب إلى هناك! ولِمَ؟! بل ولِمَ لا؟! هذا الخواء العظيم الذي يحياه بحاجة إلى حدث عظيم يملؤه، وهذا الروتين الممل يحتاج إلى تجديد، وأياً كان ما ينتظره هناك فما أسوأ ما يمكن أن يفعله به، أن يقتله مثلاً؟! إذن فلن يكون هذا سيئاً جداً؛ على الأقل سيلحق بأهله ويجد مهرباً من هذا الفراغ وراحة من هذه الوحدة؛ هو الرابح في الحالتين إذن! وإذن، لِمَ لا؟! وبالفعل اختار صاحبنا ليلة – وهو بالطبع ليس غبياً ليختار نهاراً والمسألة لا تتعلق بالجبن؛ فكل من ذهبوا بالليل وبالنهار ما أفلحوا، لكنه لم يرد أن يترك فرصة لاحتمال عدم مواجهته للخطر القابع هناك إن لم يذهب ليلاً – وذهب إلى ذلك المنزل المشؤوم دون خوف كبير أو تردد يذكران، ساوره بعض القلق الطبيعي لا أكثر؛ فأنى له الخوف أو التردد وهو يجر قدميه عمداً صوب ما يأمل في قرارة نفسه أن يكون تجديداً لسأم حياته أو مصيراً وختاماً لها؟! وعندما وصل إلى الأرض الفارغة رأى المنزل من بعيد، وظل يدنو منه بخطواته وعقله ينسج سيناريوهات وافتراضات بشكل لاإرادي عما يفترض أن يجده بالداخل ويكون قد سبب كل هذا الرعب لكل هؤلاء الناس، وعندما أصبح قريباً جداً منه لاحظ أنه منزل من الطراز القديم، ولم يكن كبيراً ولم يكن قصراً بالمناسبة كما يحدث في أغلب روايات الرعب المبتذلة، وإنما كان حقاً منزلاً قديماً بسيطاً جداً، وربما كمن سر رهبته في بساطته! وجد صاحبنا الباب مفتوحاً، أو للدقة لم يجد باباً حتى! يبدو أن ما أو من بالداخل يخيف، لكنه لا يخاف! ازدرد لعابه رغماً عنه ودخل؛ ليجد المنزل قد بُني بالحجارة الصلبة، وأن به مصابيح كهربية مغلقة جميعها، ورغم ذلك فلم تتعسر الرؤية كثيراً بسبب النوافذ الكثيرة متوسطة الحجم التي أفسحت المجال لضوء القمر الوهاج، ورأى درجاً يؤدي إلى طابق ثانٍ وغرفتين إحداهما جهة اليمين والأخرى جهة اليسار؛ فبدأ يصعد الدرج ليستكمل استكشاف المكان... وبعد أن صعد أول خمس درجات تقريباً فوجئ بأحدٍ ينزل الدرج من أعلى مقابلاً له، وعندما نظر ليرى من القادم فغر فاه من الدهشة والخوف، وتراجع دون إرادته إلى الخلف فسقط متدحرجاً عن الدرجات الخمس دون ألمٍ شديد يذكر؛ إذ أن درجات السلم كانت صغيرة نوعاً ما، وظل يحدق مذهولاً فيمن ينزل الدرج أمامه...! واجتاحه لأول مرة في حياته – تقريباً، على سبيل المبالغة – شعور بخوف حقيقي، وقابله بمكنون نفسه شعور دفين برضا وفرح بل بشوق وتلذذ إلى هذا الشعور الجديد وهذه التجربة الجديدة، وكتمت نفسه عنه تلذذها بهذا الخوف وانتشائها به، ومنحته بهذه اللذة سراً جرأة وثباتاً أمام ما يراه كتمويه وتغطية على هذه اللذة، و... ونزل هذا الذي كان ينزل الدرج كاملاً، وتوقف قبالة صاحبنا! و...!
محمد تامر