بالفعل زار برينان سوليداد مجدداً في الليلة التالية، واستقبلته بعد أن نزلت الدرج ببعض من الاستياء الذي فضحته نبرتها الباردة تلك المرة؛ فاعتذر محاولاً تلطيف الأجواء: "أنا لم أقصد جعلك مستاءة هكذا يا سوليداد، آسف، بالطبع ليس لطيفاً أن أفعل ما فعلت مع أحد يريد مساعدتي، على الأقل ينبغي أن أمتن له...أريدك أن تضعي نفسك مكاني وحسب!" ردت وقد زال عنها بعض استيائها: "هذا ما فعلتُ بعد أن رحلتَ؛ فوجدت أنك قد تكون محقاً..." وهنا قاطعها برينان وقد وضع يديه على كتفيها معترضاً بنبرة عالية أثارت دهشتها ومفاجأتها: "كلا، لن تفكري حتى في ذلك!" وعندما شعر بقلقها وتوترها سحب يديه، ثم استطرد: "أنتِ لست أنا، وحالك ليس حالي؛ أنتِ شجاعة وأنا مجرد جبان لا يدري ما يفعل ويخشى ما قد يترتب على معرفته ما ينبغي أن يفعل...دعكِ من هذا كله وحدثيني عن أي شيء؛ وسأصغي هذه المرة!" =...أمتأكد أنك استبعدت مشاعر الشفقة من نفسك؟! -أقسم على ذلك، وأيضاً استبعدت الفضول، وما أريده الآن حقاً هو مجالستك والاستماع إلى حديثك وحسب، لا أجد في عقلي أي دافع غير نقي وراء ذلك، وأنتِ ورثتِ فهم الناس من أمكِ ولا بد أنكِ لا تحتاجين لإجابتي! =وهل هنالك إذن دافع نقي؟! -هه! ربما...لأن صحبتك حلوة وصوتك عذب! لم ترد، لكن راوده شعور أنها تبتسم! سارت متوجهة نحو غرفة أخرى وتبعها برينان، وعندما دخلها بعدها رأى جهاز جرامافون عتيقاً وبضع أسطوانات موسيقى قديمة؛ فقال متعجباً: "أنتِ حقاً عدوة للحداثة!" ضحكت سوليداد وردت: "ليس حقاً، إني فقط أحب كل ما له رونق وجمال وبساطة تميزه، وأظن الحداثة تتخلى تدريجياً عن الرونق، ورغم أن الجماد أو الآلة لن يغدو أكثر مما هو عليه سواء أكان في الماضي أو الحاضر أو المستقبل إلا أن القديم له روح غريبة لا نفهمها وإنما نشعر بها، أما الجديد فهو جماد حقيقي، جماد مُطلق لا روح فيه!" -وما الفارق؟ الموسيقى التي يشغلها الجرامافون هي نفسها التي يمكن لهاتف محمول أن يشغلها، الموسيقى هي الموسيقى! =أعلم، لكن ما أقوله بصراحة ليس قابلاً للتحليل أو الشرح، إنه مجرد شعور وتجربة، لا منطق له، وإن وُجد له منطق ضاعت روحه وسحره! -الجلي أنك تعيشي مع الموسيقى حقاً بشكل مختلف! =بالطبع؛ فهي مزاج رائع وشاعرية خالصة، وخمر للروح! -...و؟ =...لا أود أن أكون ثرثارة... -هيا الآن، لا تفعلي هذا، هذا منزلك وتلك حياتك وهذه أغراضك وأنا مجرد ضيف عندك... =فليس علي إذن أن أزعجك! -لن تفعلي! =... -سوليداد، أقسم لك، فقط تحدثي...لا ضرر من التجربة! =...أؤمن أن الموسيقى صوت الروح، وأنها أكثر صنف عالمي حقاً من الفن؛ لا تحتاج إلى ترجمة فتفقدها روحها كتراجم الشعر والأدب، ولا تقبل تحليلاً أو تفسيرها تعسفياً يجردها من سحرها، وإنما هي صوت الروح الذي لا تفهمه إلا الروح...ما أروعها يا برينان وهي قادرة على خلب لبك وتعديل مزاجك، بل وتغيير نظرتك إلى نفسك والعالم؛ إن سيمفونية أو مقطوعة يمكنها جعلك حزيناً تناجي شجونك وتتحسر على ماضيك وتكره كل ما ينبغي أن يُحب ويُعشق، وأخرى تبث فيك غراماً بالعالم وهياماً به وتزرع فيك رغبة إنقاذ العالم وحدك...إنها معجزة يا برينان! ألك ذوق معين فيها؟ -لست من المهتمين كثيراً بالموسيقى بصراحة، ولا ذوق لي فيها، لكني منفتح للاستماع أي شيء. =لن نستمع وحسب...سنجرب شيئاً من المفترض أنه رائع، لا أدري ما إن كنت ستقبله أم لا لكن...لا ضرر من المحاولة! -أحب استخدامك لهذا التعبير! =ليتك تخاطب نفسك به! -هه، نعم...مفهوم! سحبت سوليداد أسطوانة لباخ واقتربت من الجرامافون لتضعها في مكانها، ثم اقتربت من برينان بخطوات مترددة وقالت بنبرة يشوبها قلق واضح: "ما سأطلبه منك الآن...لك حرية قبوله أو رفضه بالطبع، وأؤكد لك أنه لن يزعجني...فقط لا تظن بي ظن السوء!" عقد برينان حاجبيه ورد بفضول شَابَهُ قلق بديهي: "أهو طلب خطير إلى هذه الدرجة؟ حسناً، اطلبي و...لنأمل أنه لن يكون طلباً يستحق كل هذه الدراما!" سألت بتردد أكثر: "أترقص معي؟!" لم يدر برينان بم شعر أو كيف له أن يصف حال عالمه الداخلي عندما طلبت منه سوليداد ذلك، لكنه رد ضاحكاً بتوتر بعد أن بدأ محاولة استيعاب الموقف: "أرقص؟ لا أظن الأمر استحق هذه المقدمة لكن..." =إن كنت لن تقبل فلا بأس! -بل سأقبل لكن...الأمر غريب وحسب! =أعلم! -...دعينا نقل...أنه لا ضرر من المحاولة! ضحكت سوليداد بخجل، واقتربت منه بمرح وهي تضع يديها على كتفيه؛ ففعل برينان المِثل، ثم راحا يتحركان ويتراقصان ببطء في الغرفة، وخالجهما توتر شديد أخذ في الزوال مع الوقت بالتدريج، وقال برينان ساخراً من حالهما: "يبدو أننا فاشلان في هذا الأمر؛ إننا تحرك وحسب في الغرفة زاعِمَين أننا نرقص، وأنا لا أظن أننا نفعلها بشكل صحيح حتى!" ردت بمرح مماثل: "وما المشكلة؟ هذه ليست مسابقة رقص، ولا أحد يشاهدنا، ولا ينبغي حتى أن نأبه إن كان ثمة من يشاهدنا فلا يحق لأحد الحكم علينا، لا يهم أن نفعلها بكيفية صحيحة، المهم أن نستمتع!" استمرا بالرقص بينما كانت أنغام سيمفونيات باخ تقتحم سمعيهما وروحيهما، رغم أنها لم تحقق نجاحاً كبيراً مع برينان بالطبع، وقد تمنى برينان في تلك اللحظات، على سبيل الفضول، لو أنه يرى وجه سوليداد في تلك اللحظات، لو أن معجزة تحدث فينكشف وجهها، ويشاهد قسماته التي لا بد أن مرح سوليداد سيزيدها جمالاً، إن كانت حقاً جميلة كما تزعم في روايتها، وهو بأية حال يميل إلى تصديقها دون مجهود لأن ما يحدث نفسه لا يُصَدَّق! سألها وهما يتراقصان: "وددت أن أسألكِ كيف تجنين مالاً تحيين به، هذا سؤال فضولي جداً جداً بصراحة، لكني أعدكِ أنه لا يتداخل مع مشاعري!" ردت سريعاً: "كانت أمي ثرية جداً وكريمة جداً ولا تدع مظهر المنزل يخدعك، لكنها كانت متواضعة ولا تعطي للمال والمظهر قيمة إلا على قدر الضرورة، وورثت عنها كل ما ملكت، وأعمل مثلك في عمل بسيط ممل لأحافظ على هذا المال، ولا يستغرق ذلك من نهاري طويلاً، ولا يعرفني أحد بالطبع بفضل روح السحر التي تتكيف حسب حاجتي وتزول عندما أحتاجها أن تزول كما أخبرتك." وعادا إلى رقصهما، ومرت بضع دقائق قبل أن يقول برينان فجأة بنبرة واثقة وصادقة ما لم يكذب في حرف منه رغم قلبه البارد: "أشعر أني لا أريد لهذه الليلة أن تنتهي، لا أعلم كيف!" ردت سوليداد بسعادة: "تشعر؟ رائع!" -إني صادق! =أعلم، قصدتُ أني سعيدة لأنك "تشعر"! -هه! أنا حقاً لا أدري كيف أسمي ما يحدث أو كيف أصفه، لكن...وكأنه كان علي أن أقول ذلك، أردت حقاً أن أقوله! =وهذا شعور يا برينان، خطوة على طريق، لَبِنَةٌ في صرح! -أتظنين أني...قد أغدو "شخصاً" يوماً ما؟! =أنت بالفعل كذلك، لا تحقر من قدرك، أنت تحتاج وحسب أن تعيش بدل أن تقتل نفسك! -ألديك أمل في هذا؟ =أن تقتل نفسك؟! -هه! كلا...فِيَّ؟! =نعم، ولا أحتاج هذا الأمل حتى، أعلم أنك ستتغير يا برينان، ستحب وجودك وستتعلم عنه المزيد...فقط، لا تقلق، و...تمتع الآن باللحظة! -نعم...أتمتع باللحظة!
محمد تامر