١١

١١

13 0

ذات ليلة بينما كانا يتسامران سوياً في غرفة استقبال عتيقة بالطابق الثاني من منزل سوليداد – والتي على حد قولها لم تر ضيوفاً قبله يدخلونها خلال حياتها مع أمها – سمعا أصواتاً جهورية متداخلة لجمع من الناس بدا أنه يقترب من المكان؛ فقطعا حديثهما ونظرا إلى بعضهما بقلق، ثم قاما لينظرا من شرفة كانت بالغرفة؛ فرأيا بالفعل جمعاً كبيراً من الناس يقترب من المنزل، منهم من حمل مشاعل نار وغيرهم حملوا أسلحة نارية وآخرون حملوا هواتف محمولة، ولا يحتاج فهم نواياهم إلى عقل عبقري! كان قلق برينان عظيماً، وتحول بالتدريج إلى خوف حقيقي بعد بضع ثوان، لكنه نظر إلى سوليداد فرآها قد تسمرت مكانها، واستنتج أن بصرها لا بد وأنه ما زال معلقاً بالناس بالأسفل، وسمع أنينها وهو ينظر إلى وجهها المشوش ويرى دموعاً تخرج من ضبابه فتسقط على الأرض، وكأنه أنين طفل خائف كان يود لو أن أمه معه لتحميه، أو على الأقل ليموتا معاً! لم يحتمل رؤية سوليداد على تلك الحال، أنينها هذا يشق قلبه الذي لم يعلم بوجوده حتى تلك اللحظة، ولأول مرة في حياته يشعر بهذا الجرح الغائر في روحه والخوف العظيم في قلبه، لكنه وجد أن خوفه هذا كان على سوليداد وأنه لم يفكر في نفسه قيد أنملة! إن سوليداد أسطورة، وهو لا يحتمل فكرة أن تنتهي بهذه السرعة وبهذا الشكل المهين... إنه، تقريباً، يحبها...! أو يشفق عليها، أو يحبها لمجرد ظنه أن الحب مخلصه... لكن خلاصه الآن يمكن أن يكون مثلاً في ادعائه أنها آذته وهروبه وأخذ صف الناس، بدل ذلك ها هو يقف معها! لم نبتعد إذن عن الموضوع، ما زال هنالك احتمال الشفقة... وكونه يرغب الآن أن يبقى ليحترق معها؟! ربما شفقة على موتها وحيدة! ولم قد يدل هذا على الحب أصلاً؛ أليس هو الذي تمنى الموت طوال عمره، وأليست تلك فرصة أتته الآن على طبق من ذهب؟! بالفعل، لا شيء أو فعل أو فكر يدل حقاً على الحب، لا شيء في العالم يدل على أي شيء... ولكن لم يجب عليه أن يدل من الأساس؟! ألا يكفي أن يفعل المرء منا ما يشعر بحدسه أن عليه فعله وحسب؟ ربما على عقله أن يكف عن هذا الهراء الآن لأن الوقت لا يبدو مناسباً على الإطلاق، وعليه هو أن يحاول فعل أي شيء حتى لو كان سخيفاً لإنقاذها من هذا المأزق، ولا بأس بإنقاذه هو أيضاً كرغبة ثانوية، أو على الأقل محاولة التفكير دون التصرف، المهم أن يموتا بشرف! لا يأبه الآن لدوافعه وأفكاره ووساوسه التي تتضارب داخله وتحيل عقله إلى ساحة حرب أهلية، أيشفق عليها؟ لا بأس! أيود الموت بشرف وحسب؟ لا بأس! أهي غريزة بقاء لعينة؟ لا بأس كذلك! كل ما يعرفه أنه لن يقف مكتوف اليدين منتظراً هؤلاء الناس ليفعلوا فعلتهم، لن يترك هذه المسكينة التي لا ذنب لها سوى أنها تحيا بسلام تقع ضحية لأناس يكرهون ويخشون ما لا يفهمونه، بل ولا يحاولون حتى فهمه! سوليداد الآن يراها أكثر من مجرد رفيقة ممتعة يقضي معها أمسيات لطيفة، هي أعظم قدراً في نفسه الآن ولا يمكنه أن يتخلى عنها، أو ألا يحاول من أجلها على الأقل! عليه فعل شيء...عليه إعمال عقله...لا بد من حل! وبعد دقيقتين من نظره إليها دون كلمة أو رد فعل من أي منهما اهتدى إلى فكرة مجنونة، لا يدري كيف راودت خاطره حقاً...وكأن الأمر سحري، وكأن صوتاً خفياً في عقله لا يعلم مصدره يلح عليه بتنفيذها مهما كانت العواقب! وهكذا شرع ينفذها رغم قلة يقينه بنجاحها، المهم أن يبعث في نفسها ولو قدراً ضئيلاً من الأمل لئلا تموت خائفة يائسة هكذا؛ فسحب يدها مسرعاً وقبلها بقوة وقد سالت دموع حارة قليلة من عينيه؛ وصدم فعله هذا سوليداد التي زادت ضربات قلبها بقوة وتهدت بقلق وهي لا تفهم شيئاً، ولا تدري كيف لها أن تعبر عما شعرت به في تلك اللحظة...! قال برينان بعد أن أفلت يدها ببطء وقد لاحظ أن ضباب وجهها انقشع قليلاً: "لست محترفاً في الشعور أو التعبير عنه، رغم ذلك شعرت أن علي فعل ذلك، وأني لا أطيق رؤيتك خائفة هكذا، وليس الأمر شفقة هذه المرة؛ بل أشعر أني أريدكِ وأريد أن أنتمي إليكِ وأبقى معكِ حتى اللحظة الأخيرة!" وببراءة لا تتناسب والعالم المشتعل من حولهما خارج المنزل نطقت اسمه بحنان جارف وصوت باكٍ، وكأن الدنيا خلت في تلك اللحظة سوى منهما! وبعد بضع ثوان وعندما اقتربت الأصوات أكثر؛ تنحنح برينان وتابع الحديث: "هذه القبلة وهذا الاعتراف هما من أجلك يا سوليداد، هذا في المقام الأول، أما في المقام الثاني فهما جزء من خطة!" قاطعته متعجبة: "خطة؟!" -نعم، خطة...أهناك سطح هنا؟ =نعم هناك، هذا الدرج، فقط استمر بالصعود... -قلتِ أن للسحر روحاً، أليس كذلك؟ =نعم، روح بدائية بعض الشيء... -بدائية لكنها روح؛ لا يمكن لها أن تكون غبية! =...برينان، إنك تقلقني، ما الذي تنويه الآن حقاً؟! -...ابقي هنا لبعض الوقت يا سوليداد، وإن أصررتِ على القدوم ورائي فاختفي عن أنظارهم والتزمي الصمت، لا بد لهذا أن ينجح! وأخبرها سريعاً بما ينويه، ثم تحرك مسرعاً نحو الدرج وبدأ يصعده قبل أن يسمع رد فعلها أو رأيها حتى! صعد إلى السطح بثقة ينوي تنفيذ خطته التي لا يضمن نجاحها بأية نسبة معقولة، كأنه تلذذ بطعم الإيمان الأعمى الذي لم يجربه قبلاً في حياته، أو سعيد بتهوره الذي يبدو نابعاً من قلبه؛ فهو إذن شعور...كل هذه مشاعر، وأصوات من داخل روحه، لا يمكنه تجاهل كل ذلك ببساطة وهو من سعى إلى مثل هذا منذ سنوات طوال! ولا يأبه إن كان مصيرهما الموت، فهو لن يضيع الفرصة ليتلذذ بكل ما يشعر به وتختبره نفسه الآن، لن يضيع الفرصة ليكون "شخصاً" كما تمنى دائماً!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الحُلوة

المؤلف محمد تامر
2025/11/15 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة