وقد ذهب برينان إلى سوليداد مجدداً بالفعل في الليلة التالية، ودلف إلى الداخل ثم ناداها باسمها إذ لم يجد أحداً بالطابق الأسفل؛ فسمع صوتها وهي ترد بنبرة بدا فيها تعجبها واندهاشها بينما كانت تنزل الدرج لتستقبله: "إني حقاً لا أصدق أنك أتيت! أمن فرط فراغك ستشغل لياليك بزيارة فتاة مثلي؟ ليتك حتى تملك ذوقاً في اختيار من تقضي لياليك معهم!" رد برينان: "لا أظن أن هنالك ما أفعله في حياتي الآن غير ذلك، وأشك في ظنك بأنه لا ذوق لدي؛ ربما لأن هذه تجربتي الأولى!" وعندما نزلت الدرج وأصبحت قبالته ردت: "ما زلت أؤكد لك أنك ستمل!" -لن تضر التجربة! =...لست مرتاحة وأنا أشعر أنك تعاملني كلعبة أو كمجرد تجربة... -كلا كلا، ليس الأمر كذلك، أعدكِ! =وما الضمان في هذا الوعد؟! -...لقد أنصتُّ إليكِ أمس، وغصتُ داخل لنفسي ولم أخرج إلا عندما تأكدت حقاً أني لا أشعر تجاهك بالشفقة، إن كان هذا من شأنه أن يريحك بعض الشيء! =ممم...بعض الشيء ربما! -...أستزعجك رفقتي حقاً؟! =من يدري...لن تضر التجربة! -هه! رائع، يبدو أننا الآن على قدر من الوفاق! =يبدو ذلك...ويبدو أيضاً أنك اهتممت بمسألة الشفقة بينما أهملتَ أموراً أخرى! -أخبرتكِ أني سأعود بأية حال! أظنني لم أقاوم سعادتي بتأكدي من هذا الأمر الأول وحده فأردت أن أحتفل به معكِ هنا! =تحتفل أنك لا تشفق علي؟! -لا، آسف يا سوليداد إذ أني لا أقصد ما فهمتِه... =رويدك، أمازحك وحسب! أتعلم؟ رغم أني لا أزال أستغرب رفقتك لكني لا أجرؤ على إنكار كونك شخصاً لطيفاً! -...أحقاً ترينني هكذا؟! =نعم، أنت حقاً لطيف! -لم أعنِ هذا، أقصد...أحقاً ترينني "شخصاً"؟! =...قل لي أنك لا تعني ما تقول! أحالك أصبح حقاً أعسر مما يمكن للكلمات وصفه هكذا؟! -التعبير الدقيق أن أقول أنه كذلك دائماً، لم يرني أحد أبداً ولم أشعر في حياتي على الإطلاق أن لوجودي قيمة! =...أتحب الفن؟ -الفن؟! =تعرف، اللوحات الفنية والموسيقى وغير ذلك. -...لا أدري كيف أصف الأمر، لا أقول أني لا أحبه لكن...لا آبه له وحسب؛ ربما يستطيع التعبير عني وعن كثيرين غيري لكنه لا يستطيع أن يلمسني أو يشفيني، وفي كل الأحوال بالطبع لا أشعر به...لا أدري ما إن كنت ستفهمينني أم لا! =أفهمك، أفهمك...وماذا عن الأدب؟ بالتأكيد ستقول عنه نفس الكلام! -بالفعل، ربما أهم دافع يجعل المرء يستمتع بالفن أو يشرع في قراءة كتاب كونه يبحث عن نوع من الرثاء لنفسه وحاله، وعما يعبر عنه وينصره حتى لو أمام نفسه على الأقل...إني متفاجئ من قولي هذا الكلام، هه! لكني جربت هذا بأية حال ولم يفلح معي، لم يشفني؛ فإذن لا جدوى منه. =ولكن لا يجب على الفن أو الأدب أن تكون له جدوى مادية ملموسة أو حتى نظاماً إلا في حدود خاصة، يكفيه أن يدغدغ الروح ويخاطبها ويلمسها ويتحدث باسمها، هذا ما أظنه. -أما أنا فأشعر أنه يجب أن يكون لكل شيء معنى، وأن تكون هنالك فائدة من وجوده أو تطبيقه. =أنت وضعي يا برينان أو في طريقك لتكون! -هه، أهذا سَبٌّ أم ماذا؟! =بالطبع لا، لا أسبك على الإطلاق، أقصد باختصار أنك تقدس الملموس أكثر من المعنوي بعض الشيء، وربما هذا سبب من كونك لا تزال أسيراً لما أنت فيه! -ليس الأمر هكذا، فأنا مثلاً أحلم بالحب كما تعلمين...ليس لدي فكر أو ظن عن أي شيء كما تعتقدين، أنا مجرد عدم يا سوليداد كما أخبرتكِ، ومعياري الوحيد لأي خطوة أخطوها الآن في حياتي أن أرى من ورائها نفعاً أو أثراً تحدثه في، لا آبه لكونها مادية أو معنوية حتى لو كنت سأقف في مصعد يحملني إلى السماء! =...لا بأس يا برينان، اعلم فقط أني أتفهمك...دعك من هذا، تعال نفعل شيئاً ما سوياً! اتخذت سوليداد خطوات سريعة نحو غرفة في الطابق السفلي الذي كانا فيه وتبعاه برينان، وعندما أصبحا بالداخل رأى برينان مكتبة بسيطة تحتل زاوية من الغرفة، وبدت عناوين الكتب التي تحتفظ بها غريبة عليه، لكنها دنت من المكتبة وراحت تبحث عن كتاب ما وهي تقول بحماس مفاجئ أدهش برينان: "أبحث عن كتاب نقرؤه سوياً، و سأحاول أن أجد واحداً به ما ينفعك!" ورغم الحماس الذي انتقل إليه من سوليداد لبضع لحظات قبل أن يفتر إلا أنه قال: "لا أظن شيئاً سينفعني..." قاطعته: "لا بأس، المهم ألا نضيع الليلة وألا يكون وجودنا سوياً بلا قيمة لك أو لي!" وأخيراً سحبت نسخة من كتاب "الإنسان يبحث عن المعنى" وأمسكته بين يديها وهي تنظر إلى برينان الذي قال باسماً: "لا أرى وجهك بالطبع لأستشف تعبيراته لكني متأكد أنك متحمسة!" اقتربت من سرير كان في الغرفة وجلست عليه وهي ترد بمرح: "لكنك لا تبدو متحمساً!" وأشارت له كي يجلس بجانبها؛ ففعل بعد بضع ثوان من التردد، ثم شرعت هي في الحديث: "مؤلف هذا الكتاب قاسى كثيراً في معسكرات الاعتقال النازية، لكن تجربته هناك ألهمته ليضع أسساً لنظرية نفسية جديدة رائعة: العلاج بالمعنى..." -سوليداد...هذا لا يهمني أو يلهمني أو...لن يغير شيئاً في! =ومن قال أن الهدف مما نفعل هو أياً من ذلك يا برينان؟ إننا فقط نفعل سوياً ما نمضي به ليلتنا وحسب، وربما تشعر بشيء جديد إن جربت القراءة مع شخص آخر...لن تضر التجربة! -هه! حسناً يا سوليداد، أنت تربحين! =لا تقلق بأية حال إذ أننا لن نقرأ الكتاب كله، أذكر أني حددت بقلمي بضعة اقتباسات من صفحاته في أول قراءة لي، ولا أنكر أنها أحدثت في فرقاً ليس بقليل...العلاج بالمعنى يقوم على جعل معنى الحياة هو أهم دافع لدى الإنسان كي يخوضها ويتقبلها بكل شوائبها، وعلى الإنسان أن يجد لنفسه معنى حتى لو كان سيخلقه بنفسه يا برينان، لكن حياتك فارغة كما تقول وليس بها أحد أو سبب تعيش من أجله، وأنا أتفهم ذلك وأتفهم لم تتمنى أن تجد من تحبها وتحيا معها، أنت تبحث عن معنى لكل هذا وهو حقك، تبحث عن سبب ودافع لأنفاسك التي تلتقطها، ولا تريد أن يمر عليك الزمان مرور الكرام وأنت متفرج من وراء ستار، أنا أفهمك! -...وماذا عنك يا سوليداد؟ كيف أثر كل هذا فيكِ؟ كيف وجدتِ معنى لحياتك هنا وحيدة بهذه الحال؟! =كلا يا برينان، لم أجد فخلقت واحداً لنفسي؛ أردت أن أكون شاهداً أخيراً صامتاً على عظمة أمي، وأن أبث الخوف فيمن يأتون إلى هنا إذ أن أغلبهم ليسوا إلا متهورون قساة القلب يريدون أن يُوسَموا بأوسمة الشجاعة والعظمة وحسب، ومن الرائع أن أظل حية كأسطورة مخيفة تجعلهم يدركون حجمهم الحقيقي، وأن أساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تربيتهم وتهذيبهم وتغييرهم للأفضل! -لا يعقل أنكِ تصدقين هذا الهراء الذي تقوليه! =ماذا لدي لأصدق سواه يا برينان؟! من سيخبرني سواي لماذا أنا حقاً موجودة؟! لا يعقل أن تكون حياتي حقاً بلا جدوى وفارغة دون معنى أو هدف إلى هذا الحد، يُجن الإنسان إن غدت حياته كذلك، أو يبرد قلبه وتخفت روحه كما حدث معك أنت، لولا هذا الهراء الذي أؤمن به لكنت أحيا مثلك! -...لم أقصد إهانة يا سوليداد، ما أقصده أن الحديث سهل لكن...تفهمين بالتأكيد كم من الصعب أن تطرقي أبواب نفسك فتحدثيها في أمر ما وتطلبي منها تغيراً للأفضل؛ فتفاجئك بسؤالها المنطقي جداً: لماذا؟! والمشكلة أن الحق يكون معها! =وهذه مشكلتك؛ أنك تنتظر الإجابة بدل أن تصنعها، نعم يا برينان بالفعل؛ لماذا قد يفعل أي أحد أي شيء؟! من يدري، لكننا موجودون، ولا يمكن أن يرضى عاقل بأن تصبح حياته بلا جدوى وألا يستغل هذا الوجود، اصنع إجاباتك بنفسك ولو مؤقتاً على الأقل...لأنك لن تعلم الإجابة الحقيقية أبداً، ولن يخبرك أحد حقاً لم أنت موجود مهما انتظرت، لن يخبرك أحد سواك! -وما جدوى أن أكذب على نفسي؟! =أن تجد ما تفعله في حياتك بدل أن تقتل نفسك! -...بأية حال، أريني ماذا يقول رجل المعنى هذا! أستطيع القراءة بالطبع لكني أود سماعك تقرئين! =حسناً إذن، سنقلب الصفحات عشوائياً وأقرأ عليك بعض ما حددته. وعندما شرعت تقرأ لم يشعر برينان وحسب أنه يجد نفسه بين مختارات السطور التي حددتها سوليداد، ولم يكن شعوره هذا مهماً إذ أنه يعلم سهولة أن يعبر قولٌ ما عنك، وصعوبة أن يشفيك، لكن ما جد على ترسانة مشاعره هو أنس غريب وراحة لسماع صوتها وهي تقرأ، يبدو الكلام رغم صدقه عادياً لكن مع مرور اللحظات التي تعتاد أذنه فيها صوت سوليداد يصبح الكلام مميزاً ويثير فكره ولو حتى قليلاً، هذا أمر جديد وهو يحب التجديد ولكن...هو أيضاً يعلم أن هذا الشعور من الصعب أن يثيره مجدداً إن تكرر، ماذا لو اعتاده؟ وهو يعلم أنه سيعتاده ويمل منه! وعندما لمحت سوليداد شروده توقفت عن القراءة وقالت له بنبرة شابها سوء حاولت إخفاءه: "آسفة لو كنت قد أثرت مللك يا برينان رغم أن هذا حالك الطبيعي أصلاً، لكن أقسم أني حاولت أن أزيح عنك بعض الضيق وحسب!" رد برينان بنبرة خلت من التعبيرات والمشاعر: "لا شيء على الأرض أو في الكون كله يمكن له أن يشفيني يا سوليداد، لا شيء، لا أريدك وحسب أن تشعري بالسوء حيال ذلك!" صمتا لبضع ثوان قطع برينان الصمت فيها عندما تحدث مجدداً: "لكني لن أنكر أن بعضاً مما قرأتِهِ سيكون رفيقاً لفكري قبل أن أنام الليلة؛ لأنه حقاً يستحق التفكير...وصوتك حلو يستحق الإطراء!" ضحكت سوليداد ضحكة قصيرة خفيضة، وقالت بنبرة حاولت أن تضفي عليها المرح بكل ما أوتيت من قوة: "تذكر أننا لا يجب أن نجد حل المشكلة لمجرد أننا بحثنا عنه أو أننا بحثنا في ظروف مميزة عن الظروف الطبيعية، هذا لا يعطينا الحق في أن يأتي الحل إلينا، ربما لا يأتي أبداً بأية حال لكننا نكتشف أن مطاردته كانت ممتعة، وأحياناً كثيرة يكون أمامنا ونحن لا ندري أو نلاحظ...لا تقسُ على نفسك؛ فأنت موجود، وأنت مدين لهذا الوجود بأن تسعى لمعرفة سره، حتى وإن كنت ستعرفه فقط في آخر يوم من عمرك!" -...ولِمَ لا يكون عدمي أفضل؟! =لأنك لم توجد نفسك فأنت إذن لم تصنعها لتكون عليماً بأسرارها أو بقيمتها، أنت فقط تبحث عن السر حتى إن كنت لن تجده. -وما جدوى البحث إن كان هنالك احتمال أني لن أجده في هذه الحياة؟! =الأمر أنه لا يجب أن تكون أنانياً في بحثك هذا، وإنما تعلم أن هذه الجدوى أو غاية الوجود لا تعرف زماناً أو مكاناً؛ كلمة أو جملة يقولها شخص ويموت وهو يظن نفسه من حق التراب والعدم قد تنقذ حياة شخص بعد مئة سنة، ليس من المهم أن يعرف! -وليس من العدل! =وليس أيضاً من الممتع! -العدالة أهم من المتعة! =وأن تكون البشرية كلها في خدمة بعضها على مر الزمان أهم من الاثنين! -ما الذي تظنين أنه قد يحدث معي فيغير حياة شخص ما يا سوليداد؟! =لا ندري يا برينان! -...إن هذا يؤلمني يا سوليداد، أني حقاً لا أعرف كثيراً عن وجودي...هذا يؤلمني، كل نفس أتنفسه يؤلمني ولا أراه من حقي! ولا أستطيع حتى أن أخدر نفسي بأي مخدر كما تفعلين أنتِ، أنت تعبثين مع نفسك وأنت تعلمين! =...أنا حقاً آسفة إذ أني سأطلب منك أن نتجاهل هذا الحديث يا برينان! -لا شيء يدعو للأسف؛ كنت سأقوم لأرحل على أية حال... =إذن...أفترض أنك ستأتي مجدداً؟! -...نعم...حتى لو لم نجد حلاً يا سوليداد فلن ألومك، يكفيني أني استطعت أخيراً أن أنطق وأبوح بما يعتمل في صدري وأجد من يتفهمني على الأقل!
محمد تامر