ومجدداً، استلقى برينان على سريره وهو يحدق في السقف، وراح يفكر في أحداث تلك الليلة، ووجد نفسه يعقد في عقله مقارنة بين حاله وحال سوليداد. إنه لا يشعر بانتماء إلى العالم، لكنها تبدو مؤمنة بكونها جزءاً هاماً لا يتجزأ منه حتى لو كان ضئيلاً، حتى لو كانت مجرد إنسانة من بين ملايين فهي ترى لنفسها قيمة ووجوداً، وإن كان لا يرى للحياة معنى وهو وحده فإنها قد عاشت أحداث حياتها العجيبة وآمنت بنفسها وحدها، على النقيض منه لم تنتظر أحداً يمنحها سر وجودها على طبق من فضة وإنما صنعت لنفسها واحداً وعاشت به، واعتادت، وقاومت شكوكها واعتراضات نفسها، في أول الأمر بدا منها بعض الاستياء إثر خشية الناس إياها وعدم محاولة أحد للتحدث معها أو فهمها، ومع استمرار حديثهما وجدها تحاول كبت هذا داخلها والاحتماء بما تؤمن به، أيضاً لاحظ أن عودته قد فاجأتها؛ هذا دليل أنها، مثله، تشعر في أعماق نفسها أن لا قيمة لها، وأنها هي الأخرى تتوق إلى من يراها ك"شخص"، لكنها تقاتل كل ذلك باستماتة، بإيمانها الذي، رغم كونه قابلاً للزعزعة، تقدره وتجاهد نفسها لإعلاء كلمته ورايته داخل روحها. كل هذا وهي تحيا وتمضي أيامها ككابوس حي حرفياً بل وتبدو فخورة بذلك ومتقبلة إياه، هذا ضد حاله وهو الذي لا يستطيع الامتنان لحياته اليسيرة والبسيطة، ولا حتى لمنزله الثمين المريح بعد رؤيته منزل سوليداد الذي يبدو كمنزل من القرون الوسطى، بل وليس له باب! تمنى لو أن أهله كانوا قد تركوا له أي إرث معنوي يعينه على خلق هويته وانتمائه إلى هذا العالم، كما ورثت سوليداد من أمها مثلاً قدراً من طيبتها ونقاء قلبها وفهمها للناس – على حد قولها – وثقتها وهدوئها واهتمامها بابنتها رغم ما أحاط بهما من معاناة وأحزان. إنه يحتاج ويريد إيماناً كإيمان سوليداد! وقد تأكد أنه يرى في سوليداد شخصاً عظيماً، وليس الأمر أنه يشعر تجاهها بفضول رخيص، هي أعظم قدراً من أن يراها هكذا. وأيضاً، لم يشعر بملل يذكر رغم أن فضوله قد زال، أو أنه اعتاد الأمر فأراد أن يعزف عن زيارتها مجدداً، لم يشعر بأي من هذا...على الأقل حتى الآن! إلى متى سيظل وجوده يؤلمه هكذا، وحده؟! ما المشكلة في أن تساعده سوليداد، أو أن يتركها على الأقل تحاول؟ إنها، رغم كونها حبيسة منزلها، تبدو ذكية وألمعية، تفهم تقريباً كل شيء وكل أحد؛ فقد فهمته وهذا أمر شأنه عظيم بالنسبة له، ربما تستطيع حقاً أن تغير فيه شيئاً ما إن تركها تحاول، ما المانع من أن ينتهز فرصة رفقتها؟ ربما هو من يضيع الفرص طوال عمره بسبب خوفه، لكن ما الذي يخشاه الآن؟! إنه بالتأكيد يود أن يجد لحياته معنى صادقاً، لكنه الآن يرى أنه بنفسه يتهرب من ذلك؛ ربما يخشى صدمة اكتشافه لهذا المعنى، وربما يخشى أن تكون مسؤوليته ثقيلة عليه؛ فرضي بحاله وعمد إلى انتظار نهايته دون جهد مضنٍ! وربما لا يخشى شيئاً بل يرى وحسب أن حالها الداخلي أفضل وأثرى بكثير من حاله، ولا يريد أن يبث في روحها من سلبيته كيلا تصبح مثله، ويود لها أن تظل هكذا أفضل منه، ولكن ما المشكلة إن حاول هو أن يصبح أفضل، ليس منها بل مثلها؟ وما المانع أيضاً من أن يساعدها هو الآخر لئلا يتزعزع إيمانها الذي تتقوى به على حياتها، وتزعجها شكوكها بأن لا قيمة لها؛ بأن يعاود الذهاب إليها ويكرر زيارتها فيثبت لها أنها أفضل مما تظن نفسها؟ ما المانع أن يذهب مجدداً؛ فيستمع إلى ثرثرتها عما تحب حتى لو لم تكن بمغيرة شيئاً بداخله؟ ألا تستحق ذلك؟ ألا تستحق أن يزورها مجدداً في أقرب وقت؟
محمد تامر