...واتضح أنها كانت أنثى، هذا عندما توقفت أمامه وبدا له ما بدا منها! كانت نحيلة الجسد متوسطة القامة لا هي بطويلة أو بقصيرة، شعرها أسود حريري كثيف، ثوبها القماشي الطويل الأبيض يزيد من هيبة إطلالتها، وحتى الآن يبدو كل ذلك طبيعياً حتى تنظر إلى...كيف عساي أقول وجهها، فهي تقريباً لا وجه لها! نعم، هذا كان موطن الغرابة والخوف كله؛ رأسها موجود لكن وجهها مطموس في عيني من يراه، ملامحه ضبابية مشوشة لا يبدو منها أي شيء يجعلك تجزم على الأقل ما إن كانت جميلة أم قبيحة، كانت أنثى بلا وجه، بلا جمال بارز...! الآن بات صاحبنا يعلم سبب خوف الناس ورعبهم! لكنه رغم ذلك لم يفر هارباً كما قد يفعل أي شخص طبيعي في موقف كهذا، بل تسمر في مكانه وهو يحدق فيها، وفاجأه صوتها البشري الأنثوي الطبيعي جداً وهي تقول له من خلف وجهها المطموس بنبرة أسف حقيقي: "آسفة حقاً إن كنت أخفتك، لكن علي أن أشكرك على لطفك بأية حال؛ على الأقل أنت الوحيد الذي لم يفر هارباً كغيره قبل أن أجد فرصة لأكلمه حتى!" وكان صوتها الرقيق الفاتن موسيقى لأذني صاحبنا، لدرجة أن رقته أزاحت عنه قدراً عظيماً من خوفه بعد أن اقتحمت سمعه وقلبه، وسألها بكلمات خرجت من فمه بصعوبة: "من أنتِ؟ ولماذا...تبدين هكذا؟! وما الذي...فعلتِه لمن أتوا إلى هنا كي...يخشونكِ إلى هذا الحد؟!" نزلت الدرج ثم اتخذت مجلسها بحركات ثقيلة على كرسي بجانب الدرج، وردت بنبرة حزينة توشك أن تصبح باكية: "لم أفعل شيئاً، لم يترك لي أحد فرصة لأفعل أي شيء، كل من يجلبه فضوله إلى هنا يراني فيخاف ويرحل، لم يفكر أحدهم حتى في محاولة التحدث إلي، حتى أنت الآن تخشى الاقتراب مني!" وهنا لان قلبه وقل خوفه؛ فاقترب منها ببطء وهو يرد: "أتلومينني؟! لا أقصد الإساءة حقاً إذ أني لا أفهم أو أعلم شيئاً عنك، لكن دعينا نتحدث بواقعية ومنطق: أرى أن الخوف من حقهم!" =وأنا لا ألومهم بالمناسبة، لكني مستاءة من الأمر وحسب! -...إذن، ألن تخبريني...من أنت و...كيف...كيف؟! =ألن تخبرني أنت لماذا أتيت؟! -سألتكِ أولاً! =لكنك من أتيت إلي! وعلى أية حال لا أظن أن إجابتك ستختلف عن أحد، بالطبع ألقى فضولك بك هنا مثلهم، ربما أنت فقط أشجع قليلاً منهم! -لن أكذب، هو بالفعل فضول...يصحبه كثير من الملل والفراغ، حياتي مملة جداً لو تعلمين! =لا يمكن لها أن تكون أكثر مللاً من حياتي! -كيف سأعرف إن كنتِ لا توين إخباري شيئاً عنها؟! صمتت لبضع ثوان راود خلالها صاحبنا شعور غريب أنه ربما توهم رؤية شبح ابتسامة على وجهها الضبابي؛ شعور حذا بها أن يسألها بعفوية: "أتبتسمين الآن؟!" ردت بنبرة فيها العجب والتصديق على كلامه: "إني حقاً أبتسم! لكن كيف عرفت؟ أتراني؟!" -كلا...لا أدري لكن...بدا الأمر كأني...شعرت به داخلي أو توهمت أن الضباب انقشع لجزء من الثانية من على وجهك...لا أدري كيف أشرح الأمر حقاً... =لا بأس، لا بأس، لا تشغل بالك به! ولكن...ألا يعقل أن...تكون قد خمنته وحسب؟! -...نعم، هذا جائز أيضاً...اسمعي، ربما لا تودين الحديث عن حياتك وأتفهم هذا، و...أظنني سأرحل إذ أنك لا تبدين معتادة على وجود أحد... =ولم لا يمكن للمرء أن يغير بعضاً من عاداته فيكسر ملله ورتابة حياته؟! -...نعم، لم لا؟! =أنت تقول أن حياتك مملة، فهل ترى ما يحدث الآن مملاً؟ أظنك تفعل إذ أنك أشبعت جزءاً من فضولك واكتشفت أني لا أعض أو أقتل، ولا أستطيع إيذاء نملة حتى! -جزءاً منه! و...لا أدري، سأقول نعم ولا، ولا أعلم كيف أشرح! =بأية حال، لا داعي لرحيلك، سنتحدث طالما أنك تستمع ولا تهرب مثلهم، لكن أولاً أود معرفة اسمك! -اسمي (برينان)، وأنتِ؟ =(سوليداد). -واو...اسم رائع! =لا أظن ذلك! -أفهمكِ؛ ربما لا يكون سهلاً في نطقه لكن... =دعك الآن من اسمي وقص علي حكايتك، لربما تكون حياتك مملة لكنك على الأقل قادر على التجول في العالم بحرية أكثر مني، لكني حبيسة هذا المنزل لسنوات ولا أخرج منه إلا لضرورة؛ ما يجعل حياتي مملة أكثر منك؛ ما يعطيني بدوره الحق لأسمع حكايتك أنت أولاً! -يبدو هذا عادلاً، لكن ليس بها ما يسلي بأية حال... =وليس بحكايتي أيضاً ما يسلي، ورغم ذلك ما زلت أود سماعك أولاً! -...لا بأس إذن، اسمعي. =كلي آذان صاغية!
محمد تامر