كانت مكةُ تغفو على ظلامٍ ثقيل، كأنها تنتظر شيئًا من السماء يكسر سكون الجاهلية.
في بيتٍ صغيرٍ من بيوت عبد المطلب، جلست خديجة بنت خويلد رضيّةَ القلب، وقد أحاطت بها نساء قريش، وبعضٌ من نورٍ لم يُعرف مصدره، يملأ الزوايا كأنّ جدران البيت تُسبّح.
كانت خديجة تشعر في قلبها أن مولودتها ليست كبقية الأطفال.
فمنذ أن حملت بها، كانت تسمع همسًا في الليالي:
> "السلام عليكِ يا خديجة، إنكِ حملتِ بسيدة نساء العالمين، وبضعةٍ من سيد المرسلين."
وحين جاء وقت المخاض، ابتعدت عنها نساء قريش خوفًا، لأنهنّ سمعن أن خديجة تؤمن بمحمد. صلى الله عليه وآله وسلم.فقالت إحداهنّ:
> "لن ندخل بيتًا هجرت فيه آلهتنا!"
لكن خديجة لم تكن وحيدة.
ففي تلك اللحظة، نزلت نساءٌ من نورٍ، لا يُشبهْن نساء الأرض، فامتلأ البيت بطيبٍ عجيبٍ يفوح كالمسك.
قالت الأولى:
> "أنا سارة، زوج إبراهيم الخليل، جئت أُسعفك."
وقالت الثانية:
"وأنا آسية بنت مزاحم، آمنت بموسى ولم أره."
وقالت الثالثة:
"وأنا مريم بنت عمران، أمّ المسيح روح الله."
وقالت الرابعة:
"وأنا كلثم أخت موسى، جئت أفرح بولادة النور."
ابتسمت خديجة، ودموعها تختلط بخشوعها، وقالت بصوتٍ مبحوحٍ من البكاء:
> "ومن أنا حتى تُكرموني بهذه الزيارة؟"
فقالت مريم:
"أنتِ أمّ الطهر، سيدة بيت النبوّة، وستضعين الليلة طاهرةً مطهّرةً، تكون سيدة نساء العالمين."
وما هي إلا لحظات حتى أشرقت فاطمة الزهراء عليها السلام إلى الدنيا.
وما إن خرجت، حتى أضاء البيتُ بنورٍ امتدّ من مكة إلى المشرق.
رأى الناس في تلك الليلة ضياءً في السماء لم يُرَ مثله من قبل.
فتحت فاطمة عينيها، وإذا بابتسامةٍ هادئةٍ تلوح على وجهها الطاهر.
وضعتها خديجة في حجرها، وإذا بها تسمع طفلتها تقول بلسانٍ ناعمٍ:
> "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن أبي رسول الله."
تجمّدت الدموع في عين خديجة، وضحكت وهي تبكي، وقالت:
> "لقد نطقتِ قبل الكلام، فسبحان من جعلكِ آيةً على الطهر."
في تلك اللحظة، دخل محمد. صلى الله عليه وآله وسلم.وقد أشرق وجهه كالقمر.
نظر إلى ابنته الصغيرة، فضمّها إلى صدره وقال:
> "يا خديجة، إنّها الطاهرة المطهّرة، المحدثة الملهمة. ستنجب من يكون سيدا شباب أهل الجنة، وستكون حجة الله على نساء العالمين."
ثم رفعها بيديه، وقبّل جبينها، وقال بصوتٍ خاشعٍ كأنه يحدّث الملائكة:
> "اللهم هذه فاطمة، اجعلها نور عيني، واجعل ذريتها مفاتيح رحمتك، وأمناء علمك، وحفظة كتابك."
ومنذ تلك الليلة، صار البيت بيت النور، تدخل إليه الملائكة كما يدخل النسيم في الصباح.
كانت كلما ضحكت فاطمة، يبتسم الوحي، وكلما نامت، وقف جبرائيل عند بابها يحرسها بأمر الله.
لم تكن طفلةً عادية؛ بل كانت سرًّا من أسرار النبوّة، وامتدادًا للرسالة التي ستكمل بعد أبيها.
مرت الأيام، وكبرت الزهراء تحت عين أبيها، لا تفارقه في سفرٍ ولا حضرٍ.
كانت إذا رأته حزينًا، تجلس عند قدميه وتمسح جبينه بيدها الصغيرة.
وكان يقول لها دائمًا:
> "يا فاطمة، أنتِ أمّ أبيك، وبك يُتمّ الله رحمته على هذه الأمة."
وهكذا بدأت قصة وريثة النبوّة، الطاهرة التي خُلقت من طينةٍ نقيةٍ امتزج فيها نور محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ونور الولاية، لتكون أمّ الأئمة، وسرّ الإمامة بعد النبي.
---
꧁༒𝐀𝐫𝐚𝐯𝐢𝐞𝐥༒꧂