تحت الكساء سر الخلود

تحت الكساء سر الخلود

25 0

كبر الحسن والحسين عليهما السلام، وبدأت ملامح النبوّة ترتسم على وجهيهما الطاهرين.

كان النبي ﷺ كلّما رآهما، يبتسم ابتسامة الأب الحنون والرسول الموقن بوعد الله، ثم يقول:

> «اللهم إني أحبّهما فأحبّ من أحبّهما.»

وفي كل صباحٍ، كانت الزهراء تُدخل طفليها على جدّهما، فيجلسهما على فخذيه، ويقول وهو يقبّلهما:

> «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خيرٌ منهما.»

أما فاطمة، فكانت تنظر إلى المشهد بقلبٍ يغمره الفخر والوجل معًا، فهي ترى في عيني أبيها نبوءةً بعيدة، وتعلم أن تحت هذا الحبّ الإلهي سرًّا لا يعرفه غير الأنبياء.

وذات يوم، اجتمع في بيت الزهراء أعظم مشهدٍ شهدته الأرض بعد النبوة.

دخل النبي ﷺ على ابنته، وقال بصوتٍ مفعمٍ بالسكينة:

> «السلام عليكِ يا فاطمة.»

قالت:

«وعليك السلام يا أبتاه ورحمة الله وبركاته.»

فقال:

«إني أجد في بدني ضعفًا.»

فقالت:

«أعيذك بالله يا أبتاه من الضعف.»

فقال:

«يا فاطمة، ائتيني بالكساء اليماني فغطيني به.»

جاءته بالكساء، فغطّته به، وجلست تنظر إليه بحبٍّ ودموعٍ خافتةٍ لا تدري ما سببها.

وما هي إلا لحظات حتى أقبل الحسن عليه السلام، وقال بصوته الطفولي الرقيق:

> «السلام عليكِ يا أمّاه.»

قالت:

«وعليك السلام يا قرة عيني وثمرة فؤادي.»

قال:

«يا أمّاه، إني أشمّ عندك رائحةً طيبة كأنها رائحة جدي رسول الله ﷺ.»

فقالت:

«نعم، إن جدّك تحت الكساء.»

فدنا منه وقال:

«السلام عليك يا جداه، أأدخل معك تحت الكساء؟»

فقال:

«وعليك السلام يا بنيّ، هلمّ إليّ.»

ثم جاء الحسين عليه السلام، وقال ما قال أخوه، ودخل معهما.

وجاء أمير المؤمنين عليه السلام، فرأى الكساء وقد اجتمع تحته النبي وفاطمة والحسن والحسين، فقال:

> «السلام عليكِ يا بنت رسول الله، ما الخبر؟»

فقالت:

«يا أبا الحسن، هذا جدي وأخواك ووالدك تحت الكساء.»

فقال:

«أأدخل معهم؟»

فقال النبي ﷺ:

«نعم، ادخل يا عليّ، فمكانك معي.»

فجمعهم الكساء، خمسة أطهار، محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين.

عندها رفع النبي ﷺ يده إلى السماء وقال:

> «اللهم إن هؤلاء أهل بيتي، لحمهم لحمي، ودمهم دمي، يُؤلمني ما يؤلمهم، ويُحزنني ما يحزنهم، أنا حربٌ لمن حاربهم، وسلمٌ لمن سالمهم، وعدوٌّ لمن عاداهم، ومحبٌّ لمن أحبّهم. اللهم أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرًا.»

فأنزل الله عزّ وجلّ آيته الخالدة:

> «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.»

وهنا، ارتجف قلب الزهراء وهي تسمع الوحي يتنزّل في بيتها، والملائكة تهتف حول الكساء:

> «السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة.»

ثم التفت النبي إلى فاطمة وقال:

> «يا فاطمة، أخبري شيعتي أنّا نحن أصل الشجرة، وعليٌّ فرعها، وأنّ أتباعنا أوراقها وثمرها، وأنّهم في الجنة خالدون.»

فقالت الزهراء بصوتٍ تغشاه هيبة السماء:

> «رضيتُ بالله ربًا، وبك يا أبتاه نبيًا، وبزوجي عليًا وليًا وإمامًا، وبالحسن والحسين سبطين ونورًا من بعدك.»

ذلك اليوم لم يكن كأي يومٍ في المدينة، بل كان يومًا خُتمت فيه الوصايا الكبرى، يوم تجلّى فيه نور الطهارة في خمسة وجوهٍ مقدّسةٍ، ليبقى ذكرهم أبد الدهر صلاةً تُرفع مع كلّ تسبيح.

ومن تحت ذلك الكساء، ولدت الرسالة الثانية:

رسالة النور، والصبر، والفداء.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الزهراء وريثة الأنبياء

المؤلف ꧁༒𝐀𝐫𝐚𝐯𝐢𝐞𝐥༒꧂
2025/10/27 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة