لم يكن بيت الزهراء كبيوت الناس، كان قطعةً من نورٍ على الأرض، سقفه من سعف النخل، وجدرانه من الطين، ولكنّه أضاء المدينة كلّها.
في الصباح، كانت الزهراء تخرج مع خيوط الفجر لتستقبل اليوم بالتسبيح، تنحني على تنّورها الصغير تخبز الخبز بيديها، وتغنّي بصوتٍ خافتٍ يشبه صلاة السماء.
وعليٌّ عليه السلام كان يخرج للعمل، لا يحمل إلا فأسه وقلبه الصابر.
في المساء، يعود متعبًا من حفر الآبار وسقي النخل، فتلقاه الزهراء بابتسامةٍ تشبه الفجر بعد العاصفة.
تقول له:
> «يا أبا الحسن، تعبك في سبيل الله زادٌ لنا في الآخرة.»
فيجيبها عليٌّ بابتسامةٍ يملؤها الحياء:
«وأنتِ يا فاطمة، تعبكِ في بيتكِ جهادٌ لا يقل عن جهادي.»
كانا يتقاسمان كل شيء — الجوع، والتعب، والهمس بين السجدتين.
في إحدى الليالي، عاد عليٌّ وقد أثقلته الأيام، فرآها تطحن الحبوب بيديها حتى تورّمت.
قال لها:
> «يا فاطمة، ألا تطلبين من أبيك خادمًا يعينك؟»
قالت برفقٍ وهدوء:
«يا أبا الحسن، أستحيي من الله أن أطلب من أبي شيئًا للدنيا، وهو قد وهبني نعيم الآخرة.»
في اليوم التالي، دخل النبي ﷺ عليهما فوجد آثـار التعب على وجهها الطاهر، فقال لها:
> «يا فاطمة، ألا أعلّمك ما هو خيرٌ لكِ من الخادم؟»
قالت:
«بلى يا أبتاه.»
فقال ﷺ:
«قولي بعد كل صلاة: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر أربعًا وثلاثين، فهو خيرٌ لك من خادم.»
ومن يومها، صار هذا الذكر يُعرف بتسبيح الزهراء، وتوارثه المؤمنون جيلاً بعد جيل.
كانت الزهراء عليها السلام لا تعرف للراحة طعمًا، لكنها كانت تعرف لليقين طعمه الأجمل.
حين يجوعون، كانت تضع قوتهم بين يديها وتقول لعليٍّ:
> «يا أبا الحسن، إنّما نُعطي لله، وما عند الله خير وأبقى.»
في الليل، حين ينام الجميع، كانت الزهراء تقف للصلاة، تبكي وتدعو، وتقول:
> «اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولا تنسَ فاطمة وذرّيتها.»
وكانت إذا سمعها عليٌّ يقول في نفسه:
«يا فاطمة، لقد سبقَتْ روحُكِ الأرواحَ إلى الجنة.»
ذلك البيت الذي لم يكن فيه إلا خشونة الفقر، كان يسكنه دفء السماء.
الملائكة كانت تدخل وتخرج كما تدخل نسائم الرحمة، والنبي كان يقول:
> «إنّ الله أمرني أن لا أُسلّم على بيتٍ من بيوت الأنبياء إلا على بيت فاطمة وعلي.»
꧁༒𝐀𝐫𝐚𝐯𝐢𝐞𝐥༒꧂