بيت النورين

بيت النورين

24 0

حين زُفّت فاطمة إلى بيت عليّ، لم يكن في المدينة بيتٌ أفقر من بيته، ولا أغنى منه نورًا.

بيتٌ صغيرٌ في أزقّة المدينة، سقفه من جريد النخل، وأرضه من ترابٍ طاهر، لكنّ الملائكة كانت ترفرف فوقه كلّ مساء.

لم يكن في البيت سوى جلد كبشٍ للنوم، ورحى لطحن الشعير، وقربةٍ للماء، ومع ذلك كان عليّ إذا نظر إلى وجه الزهراء قال مبتسمًا:

> "فاطمة، إنّ الدنيا بعدك لا تُعدّ دنيا."

فتجيبه برقة:

"يا أبا الحسن، ما رأيت نعمةً أعظم من قربك وطاعة ربّي."

كانا يقتسمان العمل كما تُقسم الشمس والنجم أدوارهما في الليل والنهار.

فقد قال النبيّ ﷺ لهما يوم زواجهما:

> "يا فاطمة، عليكِ بما في داخل البيت، ويا عليّ، عليك بما في خارجه."

فكانت الزهراء تطحن الشعير بيديها حتى تورّمت، وتخبز الخبز وهي تلهج بالدعاء، وتقول:

"الحمد لله على نعمائه، وإن قلّت، فإنها من عطاء الكريم."

وكان عليّ إذا رجع من جهاده أو عمله، وجدها تصلي أو تسبّح، فيجلس قربها صامتًا كأنه يتأمل الطهر مجسدًا فيها.

يقول:

> "كنت أنظر إليها فتنقشع عني الهموم كما تنقشع الغيوم عن وجه الفجر."

وكانا إذا جلسا للطعام، لم يبدآ حتى يدعوا جارهما، ويقولا:

> "ما شبع آل محمدٍ من طعامٍ حتى يشبع غيرهم."

ذلك البيت البسيط صار مدرسة الطهر الأولى، فيه وُلدت الرحمة، ومنه أشرقت أسماء كالحسن والحسين وزينب وأم كلثوم.

وكان النبي ﷺ كثيرًا ما يقف على بابهم، ينادي بصوتٍ تهتز له القلوب:

> "السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة."

فتجيبه فاطمة:

> "وعليك السلام يا أبتاه ورحمة الله وبركاته."

فيقول:

"إني لأشمّ فيكم ريح الجنة."

كانت الليالي تمرّ بهدوء، لكنّ القلوب كانت عامرةً بالإيمان.

كانت الزهراء لا تعرف الترف، بل تعرف القناعة والعفة.

وكان عليّ يقول عنها:

> "والله ما أغضبتني يومًا، ولا عصت لي أمرًا، وما أغضبتها قط، كنت أنظر إليها فينقطع الحزن عني."

وفي خلواتهما، كانا يتحدثان عن الله، عن الجنة، عن وعد الرسول، وعن الأمانة التي تنتظرهما في الحسين.

كانت تعرف أن في الأفق اختبارًا عظيمًا، ولكنها تبتسم وتقول:

> "ما دام الحق معنا، فلن نخاف ظلمة الليل."

ذلك البيت الصغير، الذي لم يعرف الذهب ولا الزينة، صار أغنى بيتٍ في التاريخ، لأنه جمع نورين من نور الله، وامتزج فيه الصبر بالحب، والسماء بالأرض.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الزهراء وريثة الأنبياء

المؤلف ꧁༒𝐀𝐫𝐚𝐯𝐢𝐞𝐥༒꧂
2025/10/27 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة