لم يكن في بيت عليٍّ عليه السلام ضوءٌ إلا نورًا خافتًا يتدلّى على جدارٍ حزين.
الزهراء — التي كانت بالأمس تضمّ الحسنين وتبتسم — أصبحت اليوم كالوردة التي سُقيت بالدموع لا بالماء.
وجهها أصفر كالقمر عند المغيب، وجسدها يئنّ من أثر الباب والسقطة…
لكن قلبها؟
كان لا يزال كالسماء… واسعًا، صابرًا، لا ينكسر.
كان عليّ يجلس عند رأسها ليلاً، يمسح على جبينها ويقول بصوتٍ يخنقه الألم:
> «فاطمة… ما الذي أوجعكِ بعدُ؟»
فتبتسم ابتسامة واهنة وتقول:
> «يا أبا الحسن… وجعي ليس من الألم…
وجعي من أمةٍ ما عرفت حقّك، ولا حفظت وصيّة رسول الله.»
ثم تلتفت إلى الحسن، الذي كان يمسح دموعه بذيله، وتقول:
> «يا بنيّ، كن حليمًا… خيرُ الناس أحلمُهم.»
وتضمّ الحسين إلى صدرها، رغم ضعفها، وتقول:
> «وأنت يا حسين… ستبكيك السماوات، ويثور لأجلك الملَك…
فاثبت للحقّ، وكن نورًا لا ينطفئ.»
وتنظر إلى زينب بعينٍ مليئة بالسرّ:
> «وزينب…
يا قلبَ أمّك…
عليكِ سيكون ثِقْل المصيبة، فأعدّي قلبكِ… فالدهرُ لا يرحم.»
كانت الليالي تمضي ثقيلة، والبيت يغرق كل يومٍ أكثر في الصمت.
وكانت المدينة تنسى تدريجيًا بنت نبيّها…
لكن الله لم ينسَ.
---
وصية فاطمة… آخر كلام من نور
في ليلة من الليالي، شعرت الزهراء بقرب رحيلها.
نادَت بصوتٍ خافت:
> «يا أبا الحسن… اقترب.»
جلس الإمامُ قربها، فأخذت بيده وقالت:
> «يا عليّ… عاهدني:
إذا أنا قضيتُ نحبي، فاغسلني بيديك،
وكفّنّي بليلٍ،
وادفني سرًّا،
ولا تخبر من ظلمني… ولا من هتك حُرمتي.
واصبر يا أبا الحسن…
فما صبرُك إلا لله.»
ارتجف قلب عليّ، واغرورقت عيناه، وقال بصوتٍ خافت:
> «فاطمة… كيف للحياة أن تبقى بعدك؟»
فقالت:
> «يا عليّ… أنتَ الصبرُ كلّه.
وستبقى بعدي لتقوم بالدين،
ولتحفظ الحسنين…
وليعلم الناس أنّ الحقّ لا يموت برحيل أصحابه.»
ثم طلبت شيئًا غريبًا:
> «يا عليّ… أريد أن أنظر إلى أطفالي وحدي.»
خرج الإمام، وبقيت فاطمة مع أولادها.
ضمّتهم جميعًا إلى صدرها العليل، وقالت بصوتٍ مكسور:
> «يا نورَ عينيّ…
إذا اشتقتم لي…
فاذكروا دعائي لكم، ولا تبكوا بصوتٍ عالٍ…
فإن أمّكم تُستشهد وهي راضية بكم.»
وبكوا عليها بكاءً مرًّا، فمسحت دموعهم بيديها المرتعشتين.
---
رحيل سيدة النساء
مع آذان الفجر…
ساد سكونٌ عجيب في البيت.
شعرت فاطمة بأنفاسها تتباطأ، وبقلبها يرتاح…
فهمست:
> «سلامي لأبي…
ولقرّة عيني رسول الله…
ها أنا ألحق بك يا أبتاه.»
ثم أغمضت عينيها…
وسكن الجسد الطاهر.
وراح النور الذي كان يملأ المدينة يُطفأ رويدًا رويدًا.
دخل عليّ، فلما رآها ساكنة، خرّ على ركبتيه، وقال وهو يبكي:
> «فاطمة… لا والله ما مثلُكِ يُنسى… ولا بعدُكِ يُطاق.»
حملها بين يديه كما حملها يوم زفافها…
لكن الفرق أنّ الجسد الذي كان يملأ البيت حياةً…
أصبح اليوم جنازةً مظلومة، بلا وداعٍ من الأمة.
غسّلها عليّ بدموعه، وكفّنها بيده، وأدّى عليها الصلاة مع الحسن والحسين وزينب وبعض خاصة المؤمنين.
ثم دفنها ليلًا سرًّا…
ووقف فوق قبرها وبكى بكاءً لم يسمع به أحد من قبل.
وقال:
> «السلام عليكِ يا بنت رسول الله…
أمّا حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد…
إلى أن ألحق بكِ.»
وفي تلك الليلة…
فقد الإسلام قلبه.
وفقدت الدنيا امرأةً كانت ميراث الأنبياء، وصوت الحقّ، ودمعة السماء.
هنا تنتهي حيات الزهراء عن عمرلايتجاوز 18سنه
بعد الزهراء سيكون المصاب جلل انتضرو الجزء الثاني
꧁༒𝐀𝐫𝐚𝐯𝐢𝐞𝐥༒꧂