لم تكن المدينة قد رأت يومًا هيبةً تشبه تلك التي ظهرت في صباح ذلك اليوم.
امرأةٌ كُسِر ضلعها، وأسقطوا جنينها، وتجرّعت من الظلم ما لا يطيقه جبل…
ولكنها نهضت، ووقفت.
إنها فاطمة — بنت رسول الله، وريثة الأنبياء.
خرجت من بيتها مستندة على ذراعَي خادمتها فضة، يمشي خلفها الحسن والحسين، ووجههما مغسول بدموع الليل.
كانت خطواتها ثقيلة من وجع الباب، لكن عزيمتها أثقل من الجبال.
دخلت المسجد، فصمت الناس.
كأن الهواء توقف عن الحركة.
وقف الرجال والنساء من الهيبة… فهي شبه أمها خديجة، وفي نورها شبه أبيها المصطفى.
جلست خلف سترٍ وضعوه لها، ثم أنينها الخافت لامس قلوب الحاضرين.
وحين هدأ الجمع… ارتفع صوتها الشريف، كالسيف حين يُسحب من غمده.
---
بلاغة الزهراء… خطبة من نار ونور
بدأت بذكر الله كما يبدأ الأنبياء:
> «الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم…
وأشهد أن لا إله إلا الله… كلمة جعلها الله نُورًا، وحرزًا من الهلكة…
وأبي محمدًا عبده ورسوله، اختاره قبل أن أرسله، وسماه رحمة للعالمين…»
ثم وصفت القرآن، كأنها تتلوه من قلبها:
> «كتاب الله… نورٌ لا تُطفأ مصابيحه، وبحرٌ لا يُدرك قعره، وميزانٌ لا يثبت إلا به الحق…»
ثم تغيّر نَفَسها، وارتفع صوتها، وبدأت تُوجّه كلامها للقوم:
> «يا معشر المسلمين…
أأغُلب على إرثي؟
يا ابن أبي قحافة!
أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟
لقد جئت شيئًا فريًّا!»
سرت همهمة بين القوم…
لكنها رفعت يدها وقالت بقوة:
> «زعمتم أن لا حقّ لنا!
أفحكم الجاهلية تبغون؟
ومن أحسن من الله حكمًا لقومٍ يوقنون؟»
ثم تحوّل خطابها إلى أمواج من حجج سماوية:
> «أما والله لقد تركتم كتاب الله وراء ظهوركم…
ونصبتم عليًّا — وهو أول المؤمنين وأقرب الخلق إلى رسول الله — هدفًا للسهام!
فهو والله الأخ الوليّ، وهو السيف الصقيل، وهو باب مدينة العلم…
فكيف تعدلونه بغيره؟
أم كيف تجترئون على سلبه حقّه؟»
ارتعدت الصفوف… فمن يعرف الحق لا يستطيع أن يقف أمام كلماتها.
---
المدينة ترتجّ… والقلوب تتصدّع
انخفضت رؤوس الرجال، واغرورقت عيون النساء.
حتى كبار المهاجرين والأنصار لم يقدروا على النظر إليها مباشرة.
فهي بنت من كانوا يرددون خلفه: «سمعنا وأطعنا».
لكن بعض القلوب التي غلّفتها الدنيا بقيت جامدة.
حتى تقدّم رجل منهم وقال:
«يا بنت رسول الله، ما هذا إلا تأويل… وما فعلناه إلا لمصلحة الأمة.»
فارتفعت الزهراء واقفة رغم ألمها، وأسندت يدها إلى الجدار، وقالت:
> «ويحكم!
أبالله تُخدعون؟
أم على نبيّ الله تفترون؟
والله لقد جئتم شيئًا إدًّا…
هدمتّم أركان الرسالة، ودفنتم نور النبوّة…
لكن اعلموا — وربي — أنّ الدهر سينقلب، وسيُريكم الله أيّنا على صراطٍ مستقيم!»
ساد صمتٌ مرعب…
وكأنّ الجميع شعر أنّ التاريخ انشقّ نصفين في تلك اللحظة.
---
عودة الزهراء… وبداية النزيف الأخير
خرجت من المسجد، والحسن والحسين يمسكان بيديها، وهي تجرّ ألمًا مرًّا.
لم يجرؤ أحد على النظر في عينيها.
رجعت إلى بيتها، فاستقبلها عليّ عليه السلام، وعلى وجهه حزن لم يُر مثله قط.
قال لها:
> «يا بنت رسول الله، جزاكِ الله خيرًا عن نبيك. لقد أقمتي الحجّة على القوم.»
فقالت بصوتٍ مكسور:
> «يا أبا الحسن… نفسي ذاهبة. والله ما بعد هذا إلا الفراق.»
فسالت دمعة من عين الإمام علي، لم يرَ الحسن والحسين مثلها منذ وفاة جدّهما.
وقال لها:
> «صبراً يا فاطمة، فموعدنا الجنة.»
ابتسمت ابتسامة وادعة، وقالت:
> «اللهم اشهد… قد بلّغت.»
ومن ذلك اليوم…
بدأ جسد الزهراء يذبل، وبدأ ظلم الأمة يتجلّى…
وبدأت سيدة نساء العالمين تستعدّ للرحيل.
꧁༒𝐀𝐫𝐚𝐯𝐢𝐞𝐥༒꧂