كان بيت الزهراء عليها السلام، على بساطته، يفيض علمًا وإيمانًا كأنّ أركانه من نورٍ نازلٍ من السماء.
ما كان فيه زخرفٌ ولا ذهب، بل كان فيه ما هو أغلى من الدنيا وما فيها: القرآن يتلى، والذكر يُسمع، والملائكة تحفّ المكان بأجنحتها.
كانت الزهراء تقوم قبيل الفجر، تتوضأ بماءٍ باردٍ، وتفرش سجادتها الصغيرة، ثم توقظ أبناءها بصوتٍ حنونٍ كالموسيقى السماوية:
> «يا حسن، يا حسين، يا زينب، قوموا لنور الصلاة، فإنها عهدُ الله مع عباده.»
ينهض الحسن عليه السلام وفي عينيه أثر النوم، لكن قلبه يشتعل بالشوق، ويقوم الحسين الصغير وهو يمسح وجهه الصافي، وتجلس زينب بجانبهما تستمع لتلاوة أمّها وهي ترتّل:
> بسم الله الرحمن الرحيم... هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر...
كانت تشرح لهم الآيات كما سمعَتها من أبيها رسول الله ﷺ، بصوتٍ يملؤه البصيرة واليقين، وتقول:
> «يا بنيّ، ما نزل القرآن إلا ليُعمل به، فكونوا من أهله، فإنّ أهل القرآن هم أهل الله وخاصته.»
وحين يخرج أمير المؤمنين للعمل، كانت الزهراء تُعدّ خبز الشعير بيديها الطاهرتين، ثم تقول لأبنائها:
> «يا أحبّتي، ما قيمة الطعام إن لم يكن لله؟ أطعموا الفقير قبل أنفسكم، فإنّ في العطاء حياة القلوب.»
وهكذا كبر الحسن والحسين وزينب في ظلّ أمٍّ عابدةٍ زاهدة، علّمتهم أنّ الكرامة ليست في الغنى، بل في التقوى، وأنّ الشرف لا يُورث من نسبٍ، بل يُكتسب من طاعة الله.
وكانت الزهراء، إذا جلست معهم ليلاً، تحدّثهم عن جدّهم النبي ﷺ، فتقول:
> «كان جدّكم رسول الله، إذا دخل علينا قبّلني بين عينيّ وقال: يا فاطمة، إنّ الله يرضى لرضاكِ ويغضب لغضبكِ، فكونوا أنصار الحقّ حيث كنتم.»
فتدمع عيون الحسين، ويضمّ زينب إلى صدره، ويقول:
> «يا أمي، سنكون كما أوصيتِ، سيوفًا للحقّ، وقلوبًا للرحمة.»
وكانت إذا رأتهم يضحكون، تبتسم وتقول:
> «اللهم اجعل هذا البيت منارًا للهداية، وذخيرةً لنبيّك يوم القيامة.»
وهكذا صاغت الزهراء أبناءها بيدين من نورٍ وصبر، وربّتهم كما ربّت السماء أنبياءها.
لم تكن أمًّا فحسب، بل كانت مدرسة البلاغة والروح، منها تخرّج الحسن بلينه، والحسين بعزمه، وزينب بصبرها ولسانها الذي سيزلزل عروش الظالمين.
وفي صمت تلك الليالي المقمرة، كان يُسمع صوت الزهراء وهي تناجي ربها:
> «إلهي، اجعل ذريّتي من الذين لا يبدّلون تبديلاً، واملأ قلوبهم نورًا كما ملأت قلبي حبّك.»
فأجابت السماء دعاءها، وكتبت على جبين الزمن:
> من بيت فاطمة خرج نورٌ لا يُطفأ أبدًا.
---
꧁༒𝐀𝐫𝐚𝐯𝐢𝐞𝐥༒꧂