حديث النور

حديث النور

24 0

وصايا النور وحديث الكساء

كانت المدينة ساكنة في تلك الليلة، والنجوم تُنصت كما لو أنها تعرف أنّ زمن النبوّة يوشك أن يُطوى بدموع الوداع.

النبيّ ﷺ وقد أثقله المرض، دخل بيت فاطمة بخطواتٍ واهنة، لكنّ وجهه لا يزال يشرق كأنه قنديلٌ من الرحمة.

فما إن رأته فاطمة حتى هرعت إليه باكيةً، وقالت بصوتٍ مرتجف:

> «وا كرباه لك يا أبتاه!»

فأجابها بصوتٍ حنونٍ يقطر نورًا وطمأنينة:

> «لا كربَ على أبيكِ بعد اليوم يا فاطمة، إنما هو لقاء الأحبة، وموعد الصديق الأعلى.»

جلست الزهراء عند قدميه، تمسح بيديها العطرتين جبينه الشريف، وعيناها تفيض دموعًا خاشعة.

ودخل عليٌّ عليه السلام والحسنان وزينب وأم كلثوم، فارتسمت صورةٌ خالدة:

بيتٌ صغيرٌ اجتمع فيه سرّ السماء، ونور الرسالة، وأمل الأمة.

فقال النبيّ ﷺ بصوتٍ متهدّج:

> «يا عليّ، أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي.

أوصيك بكتاب الله وأهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.

وإذا رأيت الناس قد اختلفوا، فكن أنت الحقّ الذي لا يميل.»

ثم التفت إلى فاطمة وقال:

> «يا فاطمة، أنتِ سيّدة نساء العالمين، ابنتي وريحانتي، منكِ الحسن والحسين، وهما سيدا شباب أهل الجنة، فكوني لهما أمًّا كما كنتِ لي ابنةً مطيعةً صابرة.»

في تلك اللحظة، نادى النبيّ:

> «يا عليّ، ادعُ لي أحبّتي من أهل بيتي.»

فدخل عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، وجلسوا جميعًا تحت كساءٍ يمانيٍّ كان للنبيّ.

ثم قال ﷺ:

> «اللهم إن هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي، لحمهم لحمي، ودمهم دمي، يؤلمني ما يؤلمهم، ويحزنني ما يحزنهم، أنا حربٌ لمن حاربهم، وسلمٌ لمن سالمهم، وعدوٌّ لمن عاداهم، ومحبٌّ لمن أحبّهم، إنهم مني وأنا منهم، فاجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك وغفرانك ورضوانك عليّ وعليهم.»

فأنزل الله تعالى قوله فيهم:

> "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا."

عندها انطلقت الزهراء تبكي من شدّة الخشوع، وقالت:

> «يا أبتاه، ما أعظم ما أنعم الله به علينا!»

فأجابها النبيّ بصوتٍ تغشاه الرحمة:

«يا فاطمة، أبشري، فإنكِ أول أهل بيتي لحوقًا بي، ولا يُظلم منكم أحد إلا رفعه الله مقامًا محمودًا.»

ثم وضع يده على رأسها، وقال آخر وصاياه:

> «يا فاطمة، اتقي الله، واصبري، فإن الله مع الصابرين.

وسيُريكِ الزمان بعدي ما يدمع له قلبكِ، فاصبري واحتسبي، فإن لكِ عند الله مقاما لا يناله أحد.»

كانت تلك اللحظة بداية الفصل الحزين في حياة الزهراء، لكنها ظلت شامخة، لأن قلبها كان موقنًا أن الحق لا يموت، وأن الرسالة لن تُطفأ ما دام فيها نفسٌ من إرث النبوّة.

وفي ذلك البيت الطاهر، بين عليّ وفاطمة والحسنين، خُتمت الرسالة بدموعٍ من نورٍ، وبدأت مسيرة الإمامة من بيتٍ ما عرف إلا الطهر.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الزهراء وريثة الأنبياء

المؤلف ꧁༒𝐀𝐫𝐚𝐯𝐢𝐞𝐥༒꧂
2025/10/27 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة