لم تمضِ على رحيل النبيّ ﷺ إلّا أيام قليلة، حتى تغيّر وجه المدينة.
الناس الذين بكوا بالأمس، اليوم يتراكضون خلف دنياهم، وكأنّ الوصيّة الأخيرة للنبيّ طُويت مع كفنه.
في بيت عليّ وفاطمة، كان الحزن ساكنًا، يلفّ الجدران كما يلفّ الروح.
الإمام عليّ ظلّ ملازمًا للبيت، يجمع القرآن كما أوصاه الرسول، ويرعى فاطمة والحسنين.
لكن الأخبار الموجعة بدأت تتسرّب…
اجتمع القوم في السقيفة دون عليّ، واختاروا غيره، وتجاهلوا وصايا النبيّ ﷺ التي سمعوها بآذانهم.
كان الحدث صادمًا، كصفعةٍ على وجه الحقّ.
سلب حقّ الإمامة
حين وصلت الأخبار إلى الزهراء، احمرّ وجهها الشريف وقالت:
> «ما أسرع ما خنتم الله ورسوله!
أما قال النبي: عليٌّ وليُّ كل مؤمن بعدي؟
أما قال: أهل بيتي أمانٌ لأمتي؟»
وكان أمير المؤمنين عليه السلام يجلس صامتًا، وجهه كقمرٍ محجوب خلف غيمة سوداء.
فقالت له فاطمة:
> «يا أبا الحسن، ما لك لا تقوم؟»
فردّ عليها بالحكمة التي ورثها من النبي:
«يا بنت رسول الله، إنّي لم أترك الحقّ، لكنّي رأيت الناس انقلبوا، وإنّي خشيت أن تنطفئ شعلة الإسلام… فصبرت كما أمرني رسول الله.»
لكن القوم لم يكتفوا بذلك، بل عزموا على أخذ البيعة بالقوة.
وصل جماعة إلى باب بيت فاطمة، وفيهم من نكث البيعة يوم الغدير، وصرخوا:
> «اخرج يا علي للبيعة!»
لكنّ عليًا قال لهم من الداخل:
> «إنّ بيتي بيت فاطمة، وهو بيت رسول الله. وما كنت لأخرج إلا بما يرضي الله.»
الاعتداء على الباب
تقدّم رجل منهم وقال:
> «أحرقوا عليه الدار إن لم يخرج!»
فصرخت فاطمة من خلف الباب:
> «ويحكم! أفي داري تحرقون؟!»
فتردّد القوم، لكنّ القائد صاح:
«وإن!»
فجاؤوا بالحطب، وأشعلوا النار على باب البيت…
وما إن دفعوه، حتى سقط السقف على الزهراء، وانضغط الباب على جسدها الطاهر، فصرخت صرخة كسرت قلب التاريخ:
> «يا فضّة… خذيني… فقد كُسِر جنبي!»
وانهار جسدها على الأرض، وارتفع أنينها إلى السماء.
وفي الداخل، هرع عليّ نحوها، وهو يقول:
> «يا فاطمة! يا فاطمة!»
لكن القوم اقتحموا الدار، وجرّوا عليًا بالحبال، وهو ينادي:
> «والله لو لا عهدٌ عهده إليّ رسول الله لما تركتكم!»
دمعة الزهراء… وقيام الحق
جلست فاطمة وهي تتنفس بصعوبة، تمسح على رأس الحسن والحسين، وتقول بصوتٍ مكسور:
> «يا بنيَّ، هذا ما أوصى به جدكما: الصبر… الصبر يا قرّة عيني…»
ثم رفعت رأسها نحو السماء وقالت:
> «اللهم إنهم ظلمونا، ومنعونا حقّنا، وأطفؤوا نور أبينا… فاحكم بيننا وبينهم بالحق، وأنت خير الحاكمين.»
وفي تلك اللحظة، شعرت المدينة أنّ النور الذي كان يشعّ من بيت فاطمة بدأ يخبو…
وأنّ الظلم إذا طرق باب بيت الزهراء، فلا عجب أن يعمّ الأمة كلها.
...
يا آلَ بيتِ رسولِ اللهِ حُبُّكمُ
فَرْضٌ منَ اللهِ في القُرآنِ أنزلهُ
كفاكمُ من عظيمِ القدرِ أنكمُ
مَن لم يُصلِّ عليكم لا صلاتَ لهُ
꧁༒𝐀𝐫𝐚𝐯𝐢𝐞𝐥༒꧂