ولاده نور على نور

ولاده نور على نور

23 0

مرّت أيامٌ قليلة على ولادة الحسين عليه السلام، والمدينة لا تزال تفيض بالنور.

كان البيت الصغير الذي تسكنه الزهراء عليها السلام أشبه بمحرابٍ علويٍّ تهبط إليه الملائكة كلّ فجرٍ ومساء، تسبّح حول المهدين — مهد الحسن ومهد الحسين — وكأنّهما نجمين يضيئان الأرض والسماء معًا.

كانت فاطمة تنظر إلى طفليها بعينين يغمرهما الحبّ والرهبة، فهي تعلم أنّهما ليسا كباقي الأطفال، بل أمانتان من الله، امتدادٌ لرسول الله ﷺ، وسرٌّ من أسرار الرسالة.

وكان عليٌّ عليه السلام، إذا نظر إليهما، يرى فيهما مستقبل الدين، ويقول لزوجه الطاهرة:

> «يا بنت رسول الله، لقد صدق وعد ربنا، فقد جمع الله في بيتنا نور النبوّة والولاية.»

في إحدى الليالي، وبينما الزهراء تصلّي ركعتين في جوف الليل، سمعت نداءً من روح القدس يهمس في قلبها:

> «يا بنت النبي، سيُولد لكِ بنتٌ ثالثة، لها في قلب الله منزلةٌ لا يعلمها إلا هو، وستكون شريكةً في مصابٍ عظيمٍ سيبكي له الخلق.»

نزلت تلك الكلمات على قلب الزهراء كقطرةٍ من قدرٍ تعرفه ولا تفرّ منه.

مرت الأيام، وبدأت تشعر بحركةٍ لطيفة في رحمها، فكانت تمسّ بطنها وتقول:

> «يا من حملتُكِ ببركة النبوّة، كوني زينًا لأبيكِ، وصبرًا لأخويكِ.»

وفي ليلةٍ من ليالي المدينة الهادئة، انشقت السماء عن نورٍ عجيب، وولدت السيدة زينب عليها السلام.

لمّا رآها النبي ﷺ، ابتسم والدموع في عينيه، وقال:

> «يا فاطمة، هذه بنتكِ زينب، وسيكون لها شأنٌ عظيم. هي التي ستكمل رسالة أخيها الحسين، وتكون صوته بعد كربلاء.»

احتضنتها الزهراء والدمع يترقرق في عينيها، وقالت بصوتٍ خافتٍ كالدعاء:

> «اللهم اجعلها صابرةً كأمّها، وحليمةً كجدّها، وشجاعةً كأبيها.»

كانت فاطمة تجمع أبناءها حولها كل مساء، تجلسهم على حجرها وتقول للحسن:

> «يا بنيّ، أنت كنفسي، وإمام بعد أبيك.»

وتقول للحسين:

«يا قرة عيني، ستُبتلى لكنّ الله سينصرك.»

ثم تضمّ زينب إلى صدرها وتهمس:

«وأنتِ يا صغيرتي، ستكونين شاهدة الحقّ حين يسكت الرجال.»

وهكذا، اكتمل بيت النور، بيتٌ جمع الحسن والحسين وزينب، أبناء فاطمة بنت النبي، ريحانته في الدنيا، وباب رحمته على الأرض.

وكان رسول الله ﷺ كلّما دخل بيت عليٍّ، يسمع صوت بكاء الأطفال وضحكهم، فيضع الحسن على كتفه، والحسين على الأخرى، ويقول مبتسمًا:

> «اللهم إني أحبّهم، فأحبّ من يحبّهم.»

لم تكن تلك الأسرة مجرّد بيتٍ في المدينة…

كانت بدايةً لعهدٍ من الطهر، مدرسةً إلهية تخرّج منها قادةُ الروح والحقّ، وستبقى أسماؤهم منقوشةً في ذاكرة الخلود.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الزهراء وريثة الأنبياء

المؤلف ꧁༒𝐀𝐫𝐚𝐯𝐢𝐞𝐥༒꧂
2025/10/27 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة