لم تكن المدينة تلك الصباحة كما كانت بالأمس.
الهواء ثقيل، والسماء صامتة، كأنّها تحبس أنفاسها.
في بيتٍ صغيرٍ إلى جوار المسجد، كان صوت البكاء الخافت يتردد مع نَفَسٍ يحتضر…
النبيّ ﷺ على فراشه الأخير، وقد أظلّت الساعة التي وعده بها ربّه.
جلست الزهراء عند رأسه، تحاول أن تُخفي رجفتها، وعيناها كبحرين من الدموع.
كان عليّ عليه السلام إلى جانبه، والحسن والحسين يلتصقان بصدره الشريف.
مدّ النبيّ يده المرتجفة، ووضعها على يد فاطمة، ثم على يد عليّ، وقال بصوتٍ خافتٍ تقطّعه العَبرة:
> «فاطمة… هذا عليّ… وصيي… ووليّ أمتي من بعدي… أطيعيه كما أطعتيني، يا بنتي، فإنه الحقّ كلّه.»
ثم نظر إلى عليّ وقال:
> «يا عليّ، هذه فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، ومن أرضاها فقد أرضاني… احفظها بعدي، فإنها ريحانتي من الدنيا.»
ولم تملك الزهراء نفسها، فوضعت رأسها على صدر أبيها تبكي وتقول:
> «يا أبتاه، من للضعيفة بعدك؟ من ليتامى رسول الله؟»
فمسح النبيّ دموعها بيده الشريفة وقال:
> «الله وليكِ يا فاطمة… وهو حسبك… ستلحقين بي قريبًا، فلا تحزني، فإنّ ما عند الله خيرٌ وأبقى.»
ثم التفت إلى الحسنين، وضمّهما إليه بقوةٍ، وقال بصوتٍ متقطعٍ بين أنفاسه الأخيرة:
> «حسنٌ، حسينٌ… أنتما إمامان قاما أو قعدا، وأنتما سيدا شباب أهل الجنة… احفظا القرآن، وكونا للحقّ أعمدةً، وللباطل سيوفًا مكسورة.»
ثم قال بصوتٍ خافتٍ كأنّه يُسلّم على الدنيا وداعًا:
> «السلام عليكم يا أهل بيتي، ورحمة الله وبركاته… إلى الرفيق الأعلى…»
وانطفأ النور.
تجمّدت اللحظة، وسكن كل شيء.
صرخت فاطمة:
> «وا أبتاه! أجاب ربًّا دعاه! وا أبتاه! من جنّة الفردوس مأواه!»
بكت السماء، وبكى عليّ، وبكى الحسن والحسين، وبكت المدينة كلها.
خرج بلال يؤذّن، فلما بلغ قوله: «أشهد أن محمدًا رسول الله»، خنقته العبرة، وسقط صوته في صمتٍ موجع.
وفي تلك الليلة، جلست الزهراء وحدها في زاوية بيتها، والنور الذي كان يملأ المكان غاب.
همست وهي تنظر إلى السماء:
> «رحلت يا أبتاه، وتركت قلبًا لم يعرف إلاك… فكيف أعيش بعدك؟»
لكنها ما لبثت أن رفعت يديها وقالت:
> «اللهم تقبّل روحي كما تقبّلت روح أبي، واجعلني صابرةً على قضاءك، شاهدةً على الحق كما كنت عبدك الصالح.»
ومن تلك اللحظة، بدأت رحلة الصبر المقدّس.
رحلة فاطمة الزهراء — وريثة الأنبياء — التي ستحمل لواء الحق في وجه الظلم، وتُثبت أن الصبر يمكن أن يكون سلاحًا، وأن الدمع يمكن أن يكون طريقًا إلى الله.
---
꧁༒𝐀𝐫𝐚𝐯𝐢𝐞𝐥༒꧂