كانت المدينة تغفو على سكونٍ مهيب، تغمرها رائحة الطهر والسكينة. في بيت النبي ﷺ، جلست فاطمة الزهراء عليها السلام وقد اكتمل نضجها الروحي قبل نضج عمرها. لم تكن كبنات جيلها، بل كانت تشرق بوجهٍ يشبه فجرًا من الجنة، وتتحرك بخطواتٍ يُسمَع معها صوت التسبيح.
حين بلغت فاطمة مبلغ الزواج، اجتمع الصحابة يطلبون يدها، لكن النبي كان يجيب بلينٍ ووقار:
> «أمرها إلى ربها.»
حتى جاء اليوم الذي دخل فيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، بثوبه البسيط ووجهه الذي يضيء بالحياء والإيمان. نظر إليه رسول الله ﷺ نظرة الأب الذي يعرف ما تخفيه الأقدار، وقال له بابتسامةٍ فيها سرّ النبوّة:
> «ما جاء بك يا علي؟»
فأجابه بصوتٍ خاشع:
«جئتُ أخطب ابنتك فاطمة يا رسول الله.»
أطرق النبي رأسه، ثم رفعه نحو السماء وقال:
> «اللهم هذا علي، أحبّ خلقك إليّ، وقد زوّجتُه أحبّ بناتي إليك.»
فرح عليٌّ، واهتزّ قلب فاطمة بخشوع، لا فرحًا دنيويًا بل إحساسًا أن السماء رضيت عن هذا الرباط الطاهر. لم يكن زواجها كأي زواجٍ، بل ميثاقًا بين النبوّة والوصاية، بين الرحمة والشجاعة، بين قلبين جمعتهما عبادة الله.
في ليلة زفافها، كانت النسوة يتهيأن، والمدينة تشتعل فرحًا. دخل النبي على ابنته، فوجدها جالسةً تبكي. قال:
> «ممَّ تبكين يا فاطمة؟»
قالت بخجلٍ يشبه نور الفجر:
«أبكي لفراقي يا أبتاه.»
فوضع يده على رأسها وقال:
«يا فاطمة، لو تعلمين ما أعدّ الله لك في الآخرة لضحكتِ كثيرًا، إن الله اختارك زوجًا من خير عباده.»
ثم دعا لهما فقال:
> «اللهم بارك لهما وبارك عليهما واجمع بينهما في خير، وأخرج منهما نسلاً طاهرًا.»
وفي تلك الليلة، دخل عليٌّ عليها، فسلّم وجلس في حياء، فقالت له الزهراء بهدوءٍ وسكينة:
> «رضيتُ بما رضي الله ورسوله.»
فقال عليٌّ وهو يبتسم:
«وأنا والله ما اخترت إلا ما اختاره الله لي.»
منذ تلك اللحظة، أصبح البيت الصغير الذي سكنوه في المدينة منارةً للعبادة والعلم.
كانت فاطمة تقوم الليل حتى تتورم قدماها، ويشاركها عليٌّ في الدعاء والعمل، وكانا يطعمان الطعام على حبه مسكينًا ويتيمين وأسيرًا، وهم صائمون لا يملكون إلا القليل.
ذلك البيت الذي لم يكن فيه ذهبٌ ولا حرير، كان يسكنه النور، نور النبوّة والولاية، نورٌ سيبقى ممتدًا في الحسن والحسين وزينب عليهم السلام.
كان كل من يدخل بيتهم يقول:
> «هنا يسكن الطهر، وهنا تنزل الرحمة.»
---
꧁༒𝐀𝐫𝐚𝐯𝐢𝐞𝐥༒꧂