في أحد المكاتب بشركة كبرى للمقاولات في السعودية كان يجتمع الأستاذ "حمدي" مع شريكه في العمل وصديق عمره الأستاذ "توفيق" ، يتحدثان عن ترتيبات الصفقة القادمة ..
-فهمني بس أنت قلقان من ايه؟
أردف حمدي بهدوء، فأجابه توفيق بقلق: بصراحة يا حمدي مش مطمن للصفقة دي ،شوف اللي داخلين فيها وانت تفهم، ناس أول مرة نشوفهم..
ابتسم حمدي وأتبع بثقة :طيب ما ده اللي عاجبني فيها احنا لينا اسمنا في السوق و هنكسبها ان شاء الله..
_ مش عارف أنا قلقان و خلاص.. ربنا يستر..
وفي منزل حمدي كانت زوجته سناء تحضر وجبة الغداء و تنتظر قدوم زوجها و إبنتيها ،حضر الجميع وجلسوا على المائدة و بدأوا بتبادل أطراف الحديث،سأل والدهم:
-ايه يابنات عاملين ايه في الجامعة؟
اجابته منة بهدوء :تمام يا بابا الحمدلله..
تنهدت هالة وأتبعت بحنق :والله أنا اتخنقت من الكلية دي أنا مش عارفة ايه اللي خلاني أدخلها...
أردفت والدتها :انتي اللي قعدتي تقولي عايزة أدخل طب ماحدش غصبك علي حاجة..
تمتم حمدي بحنان :ليه يا هالة مالها الكلية؟
_ صعبة أوي يا بابا مابلحقش أخد نفسي من المذاكرة..
ربتت منة علي يد اختها: معلش يا هلولة انتي قدها و قدود ..
برمت هالة شفتيها وهي تومئ برأسها فاتبع والدهم :وانتي يا منة ماشية في كليتك كويس؟؟ اتجدعني دي اخر سنة ليكي و عايز تقدير مش أقل من امتياز..
تنحنحت بضحك :حاضر يا بابا بس اعمل حسابك ان كلية الهندسة صعبة برده..
أردف ضاحكا: ماشي ربنا يقويكوا يا بنات..
تمتم الجميع:اللهم آمين..
***
وفي منزل "توفيق" ...
اجتمع توفيق و ابنه سامح مع فنجان القهوة ليتبادلوا أطراف الحوار على تلك الصفقة..
اردف سامح بثبات :الحياة تجارب يا بابا وأكيد أونكل حمدي مش هيدخلنا في صفقة كبيرة كدة و هو مش واثق في نتيجتها..
تنهد توفيق :على الله يابني بس اهتم برده ياسامح عايزك تسأل و تعرفلي كل صغيرة و كبيرة عن الصفقة دي...
_ تمام يا حاج ماتقلقش..
وبعد شهر تقريبا..
أصاب حمدي المرض و كان من الضروري له إجراء عملية قلب مفتوح ،انتقل إلى المستشفي لإجراء العملية ولكن ما أصعبها و خصيصا في مثل عمره، فتوفته المنية و ترك وراءه أسرة من زوجة و ابنتين، أحسوا بالإنكسار و الضعف بفقدان عائلهم الوحيد فقد كان الأب والسند و الأمان ،لم يتبق لهم في السعودية ما يقيموا فيها من أجله فقرروا الإنتقال إلى مصر للإستقرار في القاهرة مسقط رأسهم ،بالفعل استقروا في منزل الأسرة القديم الذي يحمل ذكريات كانت في يوم ما سعيدة و تبدلت بالآلام..
بدأت البنات بإجراءات الإنتقال إلى جامعة القاهرة و تم بالفعل انتقالهم و متابعة دراستهم فيها..لم يكن للفتاتين أصدقاء في كلياتهن ، مازالا جدد و لم يتعرفا على أصدقاء بعد ، فكانتا يحضران محاضراتهما و يلتقا سويا للعودة إلى المنزل و هكذا ظلت وتيرتهن..
وفي صباح ذات يوم..
ذهبت الفتيات كعادتهن الى الجامعة ، انتهت منة من محاضراتها فجلست تنتظر هالة في كافتريا الجامعة لحين انتهاء الثانية من محاضراتها هي الأخرى وأثناء جلستها وهي تراجع في إحدى الكتب، أقبل عليها أحد الأشخاص..
-السلام عليكم ،ازيك يامنة؟
رفعت نظرها اليه: وعليكم السلام..
تفاجئت به فأتبعت بابتسامة ترحيب:
محمد ..ازيك؟
بادلها الابتسامة :الحمد لله ،اخبارك ايه؟
_ تمام الحمد لله واخبار عمي و طنط و يحيى و نهلة ايه كويسين؟
_الحمد لله كلهم بخير , انتي مابتقابليش يحيى و نهلة هنا خالص؟
_لا اصلنا بنروح على طول انا و هالة..
_خلاص هنتجمع بكرة ان شاء الله..
عقدت منة حاجبيها : ليه بكرة ؟في حاجة ولا ايه؟
_لا عادي عازمنكوا عالغدا بكرة و زمان ماما و بابا كلموا طنط سناء و اتفقوا ..
_ اه اوك خلاص ان شاء الله..
في حضور هالة التي رأت محمد ...
_ السلام عليكم ..ايه ده محمد ازيك؟؟
_ الحمد لله يا هالة ازيك انتي ؟
_ الحمد لله كويسة عاملين ايه كلكوا و عمي ؟
_ الحمد لله كلنا بخير..
وبعد انتهاء حديثهم، قام محمد بتوصيلهم الى المنزل بعد محايلات منه ، صعدت البنات الى شقتهن و عاد محمد الى منزله..
وفي اليوم التالي اجتمعت العائلتان و رحب الجميع بالبنات ووالدتهم ، جلسوا لتناول الغداء وبدأوا بسرد ذكرياتهم ، بكى من بكى و ضحك من ضحك حتى انتهوا و انتقلوا الي جلسة الشاي المعتادة عليها أسرنا المصرية بعد وجبة الغداء وبعد قليل طلب محمد من منة الذهاب معه قليلا الي الشرفة...
مد يده اليها بألبوم صور مبتسما: اتفضلي..
عقدت حاجبيها باستغراب: ايه ده؟
اجابها بابتسامة وبصوت حاني: ده ألبوم صور كنت عاملهولك مخصوص..
فتحت منة الألبوم و لمعت عينيها : ايه ده دي صوري من وانا صغيرة..ده في صور اول مرة اشوفها.. جبتهم منين دول ؟!
_ كان عندي شوية وكنت لما بروح عند اي حد من قرايبنا اقعد ادور عليكي في الصور و اخدها...
احمرت وجنتيها خجلا : شكرا يا محمد بجد تسلم ايدك..
_ العفو يا منة ..
تقدم اليهم هالة ونهلة ويحيى وجلس الشباب و البنات معا ليسردوا بعض من ذكريات الطفولة التي لا تنسى مهما مر عليها العمر ..واتفقوا ألا يبتعدوا عن بعضهم البعض مرة أخرى..
انتهت جمعتهم الجميلة و عادت البنات و والدتهم إلى منزلهن..وبدأت تقترب العلاقات بينهم أكثر فأكثر واقتربت البنات من نهلة ويحيى اكثر وفي الجامعة كانوا يتقابلوا يوميا ،عدا محمد الذي كان يختطف يوما أو اثنين من الأسبوع للتجمع معهم نظرا لظروف عمله..
وفي الجامعة ذات صباح..
اقترب أحد الشباب من منة الجالسة بمفردها و ألقى عليها السلام..
انتبهت ورفعت رأسها للمتحدث فعقدت حاجبيها لرؤيته ،ابتسمت وردت السلام.. ..
_سامح ايه المفاجأة دي ،انتوا رجعتوا؟
_ اه من أسبوع تقريبا ، عاملين ايه و طنط و هالة؟
_تمام الحمدلله وانت و أونكل توفيق كويسين؟
_ الحمد لله بخير..
صمت سامح لوهلة ثم ابتسم..
ارتجفت منة بخجل : في ايه؟
نظر الى عينيها مطولا وتمتم : بصراحة..كنتي وحشاني..
احمرت وجنتيها ،واكتفت بإبتسامة تحمل خلفها كل معاني الخجل و الفرحة والدهشة أيضاً...!!!
فقد كانوا جميعاً معاً في السعودية قبل وفاة والدها و لم تشعر للحظة إهتمامه بها هكذا...
اتبع سامح: مالك؟
_أبداً مفيش..
وأثناء حديثهم أقبل عليهم محمد الذي استشاط من حديثها مع شخص غريب ...
فأردف مقطبا جبينه :السلام عليكم..
رد الجميع السلام وبعث محمد نظرة حادة الى سامح.. فأسرعت منة تعرفهم الى بعض : سامح ابن أونكل توفيق صاحب بابا الله يرحمه، وده محمد ابن عمي ..
ابتسم الشباب لبعضهم البعض ،كل منهم بإبتسامة باهتة تحمل مشاعر مختلفة و أتبع سامح : طيب يا منة أنا همشي و أكيد هنتقابل تاني ان شاء الله و سلميلي علي طنط و هالة..
_ الله يسلمك و سلملي كتير علي أونكل توفيق..
_ يوصل ان شاء الله...
رحل سامح وتبقى محمد بنظراته الحارقة الغيورة فسألها مقطبا جبينه وهو يكز على اسنانه : هو انتي ينفع تقعدي لوحدك مع أي حد كدة؟؟
نظرت له بإستنكار : ايه اللي بتقوله ده ..؟ دة واحد انا عارفاه كويس اوي و أفتكر اني عرفتك عليه..
شعر محمد بتسرعه في الحديث بهذه الطريقة فهو شخص حنون وتلقائي لأبعد حد ،اعتذر منها دون تردد : خلاص حقك عليا ..انا اسف..
انتهى يحيى و نهلة من محاضراتهم و أقبلوا عليهم ..
فأردفت نهلة :السلام عليكم ..ازيكوا ؟
وأتبع يحيى بتلهف :أمال هالة فين؟
اجابت منة بإقتضاب: نازلة كمان شوية..
اتبعت نهلة متسائلة : مالك يا منة وشك متغير ؟
_ لا أبدا عادي..
حضرت هالة بمرحها و عفويتها :ازيكوا يا شباب...
لم يجب أحد.،فأتبعت بمرح:يا ساتر مالكوا قافشين كدة ليه؟
أجابها محمد : لا عادي يا هالة مفيش حاجة..
اعتدلت منة سريعا وأتبعت : طيب يلا عشان نروح..
وفي منزلهم..
لاحظت هالة تغير مزاج منة فسألتها : مالك يا منة بجد شكلك مش مظبوط؟
_هو انا باين عليا اوي كدة؟
_ اه وشك متغير ..في حاجة حصلت؟
_اه ..تخيلي مين جالي الجامعة النهاردة قبل ما تنزلي..
_ مين ؟؟
_سامح ...!!
_سامح ابن اونكل توفيق ..ايه ده هما نزلوا ..غريبة كانوا بيقولوا هيستقروا هناك..؟؟!!
صمتت منة و شردت، فأتبعت هالة ...
_طيب ماشي بردو معرفتش مالك متغيرة ليه...
وخبطت ذراعها بذراع منة في مزح :ده انت المفروض تبقى مبسوط يا باشا..
أردفت منة ناظرة أمامها بتفكير: فاكرة يا هالة لما كنت بقولك انه عمره ما انتبهلي و نفسي بس يفكر فيا ولو ثانية..
اجابتها هالة بمزح: اه والبعيد كان في التراوة...
_ تخيلي النهاردة قاللي ايه..
_ ايه؟؟
_قاللي اني كنت وحشاه..
رفعت هالة حاجبها باستغراب: سامح!! قالك انتي ؟؟ لا ليكي حق تتنحي بصراحة...
_ تفتكري كان بيداري عليا كل الفترة دي ...
_بصي سامح شخصيته غامضة شوية و تقيل حبتين ..يمكن كان معجب بيكي ومش مبين..
ابتسمت منة: تفتكري؟
ضحكت هالة :اصبري اما نشوف اخرته ايه..
وانتهى يوم البنات و ناموا لإستقبال غدهم الجديد بما يحمله من طيات و مفاجآت.....
يُتبع
heba senior