أذن المؤذن لصلاة الفجر و كأن صوت آذان الفجر أصبح منبه إلهي لقلوب امتلئت بطاعة الرحمن...
استيقظت منة تلقائياً ،جلست على فراشها و عاد إلى ذاكرتها الحوار الذي دار بينها و بين سامح و توفيق ،تألمت و بكت كثيراً و تعددت أسباب ألمها و بكائها ،هل يعقل أن أباها فعل ذلك وهو رمز الشرف والأمانة لها و لأسرتها، هل يعقل أن حبيبها خدعها وتزوجها لمجرد الإنتقام ،ولكن من قال أنه حبيبها هي من قالت لنفسها ،هي من خدعت نفسها وظل تفكيرها و صراعها مستمران حتى تفاجئت بسامح يفتح باب الغرفة ويدخل عليها و تفاجأ هو الآخر بوجودها مستيقظة على فراشها ، وقف مكانه صامتاً للحظة ثم أتبع: كنت جاي آخد حاجة لبابا،مش وقته بقا..
استدار بجسمه كاملاً ليخرج من الغرفة فأوقفته منة: سامح
التفت اليها مرة أخرى دون حديث ..اعتدلت منة وخطت إليه خطوتين وقالت بعينين تملأهما الدموع: كان ممكن تفهمني كدة من غير ما تتجوزني..
أجابها بجفاء: اتجوزتك عشان أذلك و أعرف آخد حقنا منكوا..
أغمضت عينيها للحظة في صمت وألم ثم عادت وتمتمت: سامح انتوا اتأكدتوا من الموضوع ده؟
اطلق سامح ضحكة ساخرة: الله..هنبتدي نلاوع بقا..
هتفت منة بنبرة مرتفعة: سامح من فضلك أنا عمري ما هاخد حاجة مش بتاعتي و فلوسكوا هترجعلكوا ،احنا مابناكلش حق حد.
أتبع بتهكم:لا ماهو واضح بأمارة السيد الوالد..
رمقته بنظرة حارقة و تركته ، توجهت إلى باب الغرفة حتى أمسكها من ذراعها عنوة و أدارها تجاهه وهتف بغضب: لما أكون بكلمك ماتسبينيش وتمشي ،فاهمة؟
تنهدت منة لتهدئ من روعها واتبعت: طيب ممكن أمشي؟
ترك سامح ذراعها و دفعها قليلاً: اتفضلي..
أسرعت منة إلى دورة المياة لتتوضأ لصلاة الفجر حينها اختلطت دموعها بماء الوضوء ،انتهت من صلاتها و دعائها إلى ربها أن يخفف عنها بلاءها و أن يغفر لوالدها و يرحمه..
وفي صباح اليوم التالي أجرت سناء اتصالاً بمنة: أيوة يا حبيبتي عاملة ايه؟
-الحمدلله يا ماما،انتي عاملة ايه و هالة وحشتوني أوي؟
-الحمدلله يا حبيبتي ،بقولك ايه عمك عازمنا كلنا على الغدا النهاردة،وقال لازم منة تيجي هي و جوزها..
تلعثمت منة واتبعت : مش عارفة يا ماما هينفع ولا ايه، هسأل سامح و أقولك..
-وهو سامح هيرفض ليه دي عزومة العرسان دي حاجة ضروري و عمك هيزعل لو ماوافقش..
- خلاص يا ماما هقوله وأعرفك..
-ماشي يا حبيبتي،مع السلامة..
-الله يسلمك يا ماما..
أغلقت منة الاتصال وظلت تحدث نفسها"ياربي هقوله ايه دلوقتي و لا هقول لماما ايه ومنظرنا هيبقى ايه لو مارحناش" استجمعت شجاعتها و خرجت إلى سامح الذي كان يحضر حاله للذهاب إلى عمله وهو مكتب المقاولات لفرع الشركة الخاصة بهم بالقاهرة ..
دلفت منة بعد أن سمح لها بالدخول ووقفت مترددة فقال لها: ها ،ارغي ،عايزة ايه عالصبح؟
لملمت غرتها خلف أذنها لشعورها بالإحراج من طريقته بالحديث ثم اتبعت : عمي عازمنا عالغدا النهاردة..
التفت اليها سامح وهو يستكمل ارتداء حلته:نعم ،ايه الجو ده ، انتي فاكرانا متجوزين بقا و عزومات وكدة ؟!
-لا أنا فاهمة، بس قلت نروح عشان محدش ياخد باله من حاجة..
- لا أنا مش فاضي للهبل ده، ممكن تروحي انتي و تقوليلهم عنده شغل ..
- ماشي..وهمت بالإنصراف حتى أوقفها بحديثه مرة أخرى: مش عايز تأخير..
-ان شاء الله ..
خرجت وتحدثت مع والدتها لإخبارها..حتى جاء وقت ذهاب منة إلى عمها ولكنها رفضت الذهاب قبل تحضير الغذاء لسامح و توفيق فأحضرته و خرجت حتى جاء سامح من عمله فوجد الطعام جاهزاً على الطاولة و مغطى ،ابتسم سامح وأيقظ والده و تناولوا الطعام معاً قال توفيق: أما مراتك دي عليها شوية طبيخ فكرتني بأكل أمك الله يرحمها..
ابتسم سامح وقال: بس ماتقولش مراتي..
اردف توفيق بحزن: منة صعبانة عليا يا سامح طول عمرها هادية و رقيقة و مش حمل الشخط والزعيق كل شوية ده..
-ايه يا بابا ،انت هتضعف من أولها كدة؟
- لا حول ولا قوة الا بالله ،والله ماعارف أقولك ايه يا ابني انت دماغك ناشفة ..
وهناك اجتمعت العائلة معاً وسألها عمها : أمال فين جوزك يا بنتي؟
-معلش يا عمو هو بيعتذرلك لأنه عنده شغل كتير أوي..
كان محمد في غرفته تراوده مشاعر مختلفة ما بين الفرحة لقدمومها و رؤيتها و بين الألم لخسارتها كحبيبة و زوجة فخرج من غرفته ليجد الجميع يقوموا بتجهيز المائدة فسلم على الجميع و وقف عندها بنظرة يملأها الحنين و الألم: ازيك يا منة؟
-الحمدلله يا محمد،ازيك انت؟
-الحمدلله..
وكانت هالة و نهلة في الشرفة تتمازحان حتى أقدم عليهم يحيى و وكز هالة في ذراعها : مفيش ازيك يا يحيى؟
زفرت هالة بمزح وتمتمت :بطل ضرب بقا ..
اردفت نهلة: ارحموا نفسكوا لسة الليلة مابدأتش..
خرجت نهلة لتساعد الباقين في ترتيب السفرة ..فنظر يحيى الى هالة : وحشتيني يا قردة..
هتفت هالة بطفولية: والله يا يحيى لو ما بطلت تقولي يا قردة هزعل منك..
-هو أنا بقولها غير بيني و بينك يا قردتي..
نهرته هالة بضربة من قبضة يدها الصغيرة على كتفه واتبعت: طب اوعي بقا ، تركته وخرجت لمساعدة الآخرين..
التف الجميع حول المائدة وبدأوا بالطعام و تبادل الحوار وكانت منة تقلب في صحنها و هي شاردة و يراقبها محمد الذي كان يجلس أمامها ..مالت عليها نهلة الجالسة بجانبها : مابتاكليش ليه؟
-مش جايلي نفس.
-ايه ده حامل ؟ وربنا حامل؟ وبدأ يعلو صوتها..
أوقفتها منة: بس يا نهلة حامل ايه هو أنا لحقت؟
-وايه يعني يمكن في الاول يا منة..
-لأ مش حامل، اهدي بقا لحد يسمعك..
قاطعهم عم منة متبعا: و جوزك عامل ايه معاكي يا منة؟
اردفت منة بتلعثم: الحمدلله يا عمو كويس ..
- يعني بيعاملك كويس هو وباباه و مرتاحة معاهم في البيت؟
قالت منة بنظرات زائغة: اه يا عمو الحمدلله ،دول طيبين أوي..
قامت منة أول من قام من على المائدة و دخلت لتغسل يديها و خرجت لتصطدم بمحمد أمامها في الردهة وفجأة قال محمد بدون مقدمات: جوزك مزعلك؟
انصدمت منة من كلمته وهزت برأسها نفيا : لا ،ليه بتقول كدة؟
-حسيت..
-لا مفيش حاجة ،بعد اذنك..
وما أكملت خطوة حتى سمعت عمها من الخارج: علقي عالشاي يا منة لو سمحتي..
فهتفت :حاضر يا عمو..
دخلت إلى المطبخ و لاحقها محمد: مبسوطة معاه؟
تمتمت منة وهي تملأ الغلاية : اه الحمدلله..
- مش باين عليكي..
التفتت اليه واتبعت : ليه بتقول كدة؟
-احساسي هو اللي بيقولي كدة
عادت لتحضير الشاي: لا سامح كويس وأنا مبسوطة معاه أوي..
-وأنا بتمنالك كدة .. وتركها وخرج..
تدفقت من عينها دمعة تائهة وصلت إلى مرساها فمسحتها سريعاً حتى لا يراها أحد..
جلس الشباب و البنات في الشرفة كعادتهم و كان المرح والضحك يسود المكان حتى رن هاتف منة وردت: ألو
هتف سامح بصوت مرتفع: هو ده اللي بقولك مش عايز تأخير؟
نظرت منة حولها لترى هل من أحد يسمعها واتبعت : أنا جاية..و سمعت صوت الصافرة دون رد منه فأكملت حديثها وكأنه مازال معها على الهاتف : ماشي مع السلامة..
وقفت منة واستعدت للرحيل فقالت هالة: ايه ده انتي هتمشي دلوقتي دي السهرة لسة في أولها؟
-معلش يا هالة ،ابقي هاتي نهلة وتعالوا اقعدي معايا شوية..
اتبعت نهلة: ماشي يا منة ، هنسيبك تمشي علشان لسة عروسة و جوزك مايتخنقش مننا..
ابتسمت منة و قبلت البنات وودعت الشباب و خرجت ودعت الآخرين ، فأردفت سناء: هتمشي لوحدك؟
-عادي يا ماما هركب تاكسي..
اردف عم منة: تاكسي و عربية عمك راكنة تحت دي حتى عيبة..
وهتف على محمد: يا محمد تعالي وصل بنت عمك..
أسرع محمد إليهم وهو سعيد لأنه سيراها لمزيد من الوقت..استقل محمد و منة السيارة و انطلق وفي الطريق : ماتزعليش مني عالكلام اللي قولتهولك..
تمتمت وهي تلهو بحقيبتها: لا عادي ..
- انتي عارفة انتي غالية عندي ازاي و ماحبش أشوفك حزينة أو مهمومة..
-لا يا محمد ماتقلقش عليا أنا كويسة..
وقد اقتربت المسافة و شعر محمد أن روحه العائدة له بدأت تنسحب منه مرة أخرى : منة لو احتجتي أي حاجة ماتتردديش واطلبيها مني..
- أكيد يا محمد،ومتشكرة على التوصيلة...
- العفو على ايه..
ترجلت منة من السيارة وكان سامح يقف في الشرفة فدخل ليستقبلها بحفاوته المعهودة..و بمجرد ما دلفت وما أكملت سلامها لتجد سامح يدفعها بشدة في إتجاه غرفته: ادخلي يا هانم..
حتى وصلا الغرفة فدفعها على الفراش وكاد أن يصفعها :هو ده البدري بتاعك أنا غلطان اني سبتك تروحي في حتة، ابقي قابليني لو عتبتي باب الشقة تاني ..
خرج و سحب الباب خلفه بقوة ولم يعطيها فرصة للحديث ،ظلت كما هي لبضع ثواني ودموعها تدفقت من مقلتيها ، ثم قامت وأبدلت ملابسها و خلعت حجابها و هنا استوقفتها جملته وهو يقول
"انتي فاكرانا متجوزين !!"
ظلت منة تفكر في هذه الجملة بدقة وبعد قليل خرجت من غرفتها مرتدية عباءة فضفاضة و الحجاب فوق شعرها ،دلفت الى المطبخ لتلملم ما به،دلف اليها سامح ليستكمل حديثه اللاذع ،أوقفته هيئتها فأتبع بتهكم: انتي هتتحجبي في البيت ولا إيه؟
اجابته بقطع:اه.
-وده من إيه؟
-ده لأننا متجوزين منظر بس قدام الناس ،انما قدام ربنا مفتكرش..
رفع سامح حاجبه و غير مجرى الحوار: عملتي ايه هناك؟
-عادي اتغدينا و قعدنا مع بعص كلنا و سألوا عليك قلتلهم عنده شغل..
_امم و ماتكلمتوش في حاجة؟
_حاجة ايه؟
_ماحكتلهمش حاجة؟
_لأ طبعاً، عمري ما هقول لماما الموضوع ده ،أنا هقول لهالة وهتصرف أنا وهي..
-امتي؟
_لما أشوفها تاني يا سامح..
_طيب اعملي شاي..
_حاضر..
وخرجت منة بالشاي الى سامح وتوفيق الذي اردف: تسلم ايدك يا منة عالأكل..
ابتسمت منة :بجد يا أونكل ،بألف هنا و شفا..
اردف سامح بحدة:خلاص كفاية رغي و ادخلي شوفي كنتي بتعملي ايه..
دلفت منة إلى مطبخها ووجه توفيق اللوم الى سامح:يا ابني بالراحة عليها،واحدة غيرها ماكنتش سكتت علي اللي بيحصلها ده بس منة بنت متربية..
تمتم سامح بتهكم: من مين من حمدي؟
شرد توفيق في صديقه الخائن و لمعت عيناه حزنًا..
heba senior