انطلقت منة و هالة إلى المنزل في صمت تام حتى وصلا فإتجهت منة نحو غرفتها على الفور وأوصدت الباب خلفها،ارتمت على فراشها في حالة من البكاء الشديد لتطرق هالة الباب عليها..
_منة،افتحي يا منة بس دخليني...
_سيبيني شوية يا هالة بالله عليكي..
_يابنتي افتحي قبل ما ماما تيجي من بره..
اعتدلت منة وفتحت لأختها..قالت منة من بين دموعها..
_شوفتي يا هالة على آخر الزمن يتعملي فضيحة في الجامعة والناس تتفرج عليا..
إحتضنتها هالة: معلش يا حبيبتي إهدي كدة..
_أهدي ازاي بس ده أنا بعد كدة هيشاوروا عليا في الجامعة.
_أي واحدة ممكن تتعرض للموقف ده يا منة عادي يعني المهم قوليلي سامح بيه ده قالك إيه؟
زادت دموعها: تخيلي بيقولي واخدة راحتك أوي مع ابن عمك..أنا يتقالي كدة؟
_معلش يا حبيبتي،هو دايماً كدة لسانه بينقط سكر؟
_اتنرفز عشان لقاني قاعدة جمبه و بنتكلم مع بعض..
_كبري دماغك منه..
شردت منة وأفاقتها هالة من شرودها: إيه يا منة بتفكري في إيه؟
_تخيلي محمد قالي النهاردة أنه بيحبني وعايز يتجوزني..
ضحكت هالة: المجنون وده وقته..
_خايف يلوم نفسه إنه ماتكلمش،هو أنا ناقصاه دلوقتي..
_طيب وناوية على إيه؟
_معرفش والله معرفش أنا خلاص مخي وقف..
_طيب انتي صليتي استخارة؟
_اه بس معرفش ساعات بحس إني عايزة أرجعله وساعات بحس اني جاية على كرامتي معاه أوي..
_طيب يا منة قومي نصلي العصر و اهدي كدة عاوزين نذاكرلنا كلمتين الإمتحانات خلاص قربت و إنتي ماتفكريش في حاجة دلوقتي..
_حاضر يا هالة..
*******
اردفت نهلة:ممكن بقا تفهموني اللي حصل النهاردة ده بدل ما أنا كنت عاملة زي الهبلة وسطكم؟
اردف يحيى :والله أنا زيي زيك..
واتبع محمد:منة إتطلقت..
صرخت نهلة وهي واضعة يدها على فمها: إيه ؟امتي ده ؟ وليه؟
-من زمان قبل خطوبة يحيى بس ماكانتش قايلة لحد..
تمتمت نهلة:طيب ليه أصلاً؟
-معرفش السبب..
-ياعيني يامنة دي بتحبه أوي..
رمقها يحيى بنظرة وإرتبكت نهلة فقد نست للحظة حب محمد لمنة...
تنحنحت نهلة: طيب أنا هقوم أتصل بيها وأطمن عليها..
بعد أن ذهبت نهلة شرد محمد فقاطعه يحيى :إيه يا محمد مالك؟
_حاسس إني بوظت الدنيا النهاردة..
_ازاي يعني؟
_قلت لمنة إني بحبها وعايز أتجوزها..
خبط يحيى على جبهته بيده:وده وقته يا محمد هو انت يا ماتتكلمش خالص يا تتكلم مرة واحدة كدة مع نفسك...
زفر محمد:معرفش بقا هي طلعت مني كدة و بصراحة خفت الفرصة تضيع من إيدي وأرجع أندم عليها..
_لا حول ولا قوة إلا بالله، إفرض رجعوا لبعض هيبقى شكلك إيه دلوقتي..
وشرد محمد مرة أخرى في كلام يحيى وماذا لو عادت منة لزوجها ،هل يجوز له النظر لها لاحقاً أم سيختفي من حياتها نهائياً...
********
خرج سامح من مكتبه مصاحباً مصطفى و توجهوا إلى أغلى محلات الورود وصنع باقة من أجمل أنواع الورود الملونة و أذكاها رائحة...
وفي المساء توجه سامح إلى منزلها و نبضات قلبه تتسارع نبضة تلو الأخرى حتى وصل وصعد على الدرج و عندما رن جرس الباب توجهت هالة لتفتح و تتفاجئ به...
_انت؟ جاي تكمل خناق هنا ولا إيه؟
حك سامح رأسه بطرف إصبعه لشعوره بالحرج: إزيك يا هالة؟
ردت بضجر:كويسة الحمدلله..
_طيب ممكن أدخل؟
_اتفضل..
ودخل سامح حاملاً الورود وجلس على أقرب كرسي، دخلت هالة إلى منة تبلغها بمجيئه..فخفق قلبها بشدة وإرتبكت وهي تبحث حولها عن إسدالها وظلت تتلفت حول نفسها كالتائهة...
هتفت هالة بتهكم: اهدي بالراحة مش هيطير هو...
خجلت منة وقالت: لأ عادي بس أصلي إتفاجئت.. وتوجهت هالة لتخبر والدتها...
خرجت منة بخطوات بطيئة ليقف سامح فور رؤيتها ويمد يده إليها مبتسماً بباقة الورد ،أخذتها منة في صمت وبدون أي تعبير على ملامحها :إتفضل..
جلس الإثنان وظل سامح معلق نظره عليها أما هي فعيناها في الأسفل وكأنها تبحث عن شئ ما ضائع منها...
_وحشتيني أوي...
إحمرت وجنتيها تلقائياً وأشاحت بوجهها بعيداً..
_منة ممكن تبصيلي؟
لم تنفذ منة طلبه وظلت على وضعها فمد يده ببطء إلى وجهها و سحبه قليلاً ناحيته فإقشعر بدنها من لمسته ولكن تماسكت فبعدت وجهها مرة أخرى :إيه يا سامح؟ جاي تضايقني بكلامك تاني؟
_أنا آسف والله،بس اتغظت لما لقيتك قاعدة جمبه و عمالين تتكلموا ،واضح جداً إن نظراته ليكي مش طبيعية..
_على فكرة محمد إنسان محترم جداً وماتنساش إنه ابن عمي،وأتبعت بعند:وبعدين أصلاً أنا حرة أعمل اللي أنا عايزاه وانت مالكش حاجة عندي..
تمالك سامح أعصابه وهو يكز على أسنانه: انتي خلاص يا منة مبقتيش عايزاني؟
إبتلعت ريقها:إنت اللي اتخليت عني وقدرت تنطقها بسهولة أوي،بصراحة إنت خوفتني منك..
وبدأ يداعبها بكلماته :والله أنا وحش و ماستاهلش القمر ده بس سامحيني يا منة ،كنت حاسس إني مش هقدر أبص في عينك تاني وانتي عارفة الحاجة في أولها بتبقى صعبة و بتخف مع الوقت،بس بعد كدة عرفت إني مش قادر أستغنى عن أجمل عيون شفتها في حياتي..
وإنهارت منة أمام حبها الأول والتي كانت تتمني سماع تلك الكلمات من بين شفتيه ولكنها لم تظهر على ملامحها القبول ...أخرج سامح علبة صغيرة من جيبه وأعطاها إياها:ممكن تقبلي دي؟
نظرت لها بطرف عينها ثم حولت نظرها عنها مرة أخرى واتبعت :إيه دي؟
_افتحيها وانتي تشوفي؟
_لأ شكراً..
اعتدل سامح وانحنى أمامها على ركبتيه وفتح العلبة وإذا بها تجد خاتم ذهب فنظرت لهم متعجبة:إيه ده؟
قال سامح وهو على وضعه:تقبلي تتجوزيني؟؟!!
إبتسمت منة و وجهها يشع بالإحمرار والحرارة حتى دمعت عيناها وقالت بإبتسامة ضاحكة ودمعة براقة راقصة:
إيه اللي بتعمله ده؟
_بعمل اللي كان المفروض أعمله من زمان،وبطلب إيدك بس بجد المرة دي وأوعدك إني أحافظ عليكي لحد آخر يوم في عمري...
كان قلبها يرقص ويدها ترتجف و تاهت الحروف من على شفتيها حتى دخلت والدتها عليهم وأنقذتها من ورطتها فاعتدل سامح سريعاً ...
_منور يا سامح..قلت أسيبكوا شوية تتكلموا لوحدكوا..
وكانت منة في حالة من الصمت ولكن ملامحها تنم عن الرضا والقبول...
_والله يا طنط أنا قلت لمنة كل اللي في نفسي بس مش هضغط عليها دلوقتي، هسيبها تفكر براحتها..
كان سامح يحدث والدة منة ولكن نظره مازال معلق بمنة ثم اعتدل و إستئذن للرحيل فإعتدلت منة هي الأخرى و سلم عليها مطبقاً على يدها بيده لتحمر وجنتيها مرة أخرى حتى رحل...
دخلت هالة على الفور لتسألها : ها إحكيلي بالتفصيل فوراً حالاً إيه اللي حصل؟
_يا بت سيبيها تشم نفسها شوية..
_تشم نفسها من إيه يا ماما هي كانت في سباق...
ضحكت سناء: أكتر و حياتك مش شايفة وشها بقا زي الطمطماية إزاي؟
_هتفضلوا تتريقوا عليا كدة طيب أنا بقا مش هحكي حاجة و هربت إلى غرفتها و هالة تجري خلفها...
**********
وفي صباح اليوم التالي ذهبت البنات إلى الجامعة وقد تبدلت منة إلى أحسن حالاتها فمن يراها لأول وهلة يشعر بحيويتها المطلة من عينيها و إشراقتها المنبعثة من إبتسامتها...قضى الجميع محاضراته و إتجه كل منهم على جدول إمتحاناته المعلق..ثم إجتمعوا أخيراً عند مكانهم المعتاد وبدأ الكلام عن الإمتحانات وأجوائها حتى قاطعت نهلة الحديث هامسة لهالة في أذنها: ماقلتليش إن منة إتطلقت ؟
وكزتها هالة في ذراعها: طيب مش وقته الكلام ده،بعدين..
وقالت منة فجأة :أنا عايزة أخرج ،إيه رأيكوا؟
اردف يحيى :والله فكرة الواحد داخل على إمتحانات ولازم يفصل...
اتبعت هالة بمرح:ده على أساس إننا مافصلناش في إسكندرية؟
اتبعت نهلة:وإيه يعني يا هالة نفصل تاني...
ضحك الجميع وقالت هالة: خلاص أوك بس هنروح فين...
اردف يحيى : إقترحوا؟
فهتفت منة:أنا دريم بارك...
نظر الجميع لبعض و ضحكوا ..
واتبعت هالة:وأنا حديقة الأزهر..
تمتمت نهلة: معرفش بصراحة بس دريم شغالة..
اتبع يحيى موجهاً كلامه لهالة:خلاص معلش يا قلبي نمشيها دريم المرة دي وأبقى أوديكي أنا حديقة الأزهر..
هتفت هالة:إذا كان كدة مـــاشي...
اردفت نهلة:طيب هنروح لوحدنا ؟
ضحكت هالة: لأ طبعاً أكيد يحيى حبيبنا هيقول لجيرانه وأصحابه،مش كدة يا يحيى؟
ابتسمت نهلة خجلاً من يحيى ورد يحيى : اه طبعاً ده أساسي..أهو يشيل الصداع معايا شوية..
ضحكت البنات..وحددوا اليوم المقبل لرحلتهم المحدودة ،إجتمع كل من منة وهالة ونهلة ويحيى وسامر ومحمد وتوجهوا إلى دريم و بدأوا باللعب و المرح والنشاط يملأهم حتى رن هاتف منة فأجابت:ألو..
_وحشتيني..
إبتسمت منة في خجل...
_إيه الدوشة دي ،انتي فين؟
_في دريم..
_دريم مرة واحدة ،اشمعنى كده..
_يعني طقت في دماغي وقلتلهم نطلع دريم..
_اممم مين معاكي؟
_هالة ونهلة و...وولاد عمي..
شعر سامح بالغيرة ولكنه حاول إخفاء شعوره:ولاد عمك؟ أه طيب استمتعي بقا..
_سامح؟
_ياقلب سامح؟
_ماتيجي الجو تحفة بجد ومبسوطين أوي..
_لا بلاش أنا عشان مضايقش حد عندك،بس كنت عايز أقابلك ،ممكن بعد ما تخلصي أستناكي برة و أعزمك عالغدا،أنا عارف دريم بتقفل إمتى...
_اممم أفكر..
ضحك سامح واتبع :خلاص هستناكي..
_اوك.
_منة؟ ممكن تاخدي بالك من نفسك و...
خلاص..
_عايز تقول إيه؟
_مش عايز أضايقك؟
_طيب قول يمكن مش أتضايق..
_مش عايزك تقعدي معاه لوحدكوا ممكن؟
_امم حاضر..
_إيه ده يعني ماتضايقتيش؟
_تخيل لأ...
ضحك سامح ، وسمعت منة صوت الشباب:يلا بقا دورنا قرب يا منة..
_طيب يلا روحي وماتلعبيش الألعاب الصعبة..
_في دي بقا ما أوعدكش الصراحة...
_ايه ده انتي منهم؟
_أيون ،هو انت مش منهم ولا إيه؟
_لأ أنا بتفرج و بصوت مع نفسي...
ضحكت منة:طيب باي بقا هيقتلوني..
_ده أنا كنت أدبحهم،يلا لا إله إلا الله..
_سيدنا محمد رسول الله..
وانتهت المكالمة وقفز سامح من مكانه في الجو وكأنه ملك الدنيا و ضحكت في وجهه الحياة من جديد و كانت منة إبتسامتها لا تفارق شفتيها على عكس محمد فشعر أن هذه هي النهاية فتنحى جانباً لدقيقة ثم إختفى من بينهم...
فيتبقى الحب تركيبة معقدة و يصبح العبث به صدمة مؤلمة فحين تعشق لا تفشي سرك قبل أن تتأكد من قلب من عشقت، هل هو فارغ أم يقتله لوعة عشقه...
أجرى يحيى إتصاله بمحمد المختفي فجأة: إيه يا بني انت فين؟
_معلش يا يحيى أنا مشيت...
_كده مع نفسك،طب قول للي معاك..
_معلش اتخنقت فجأة ومقدرتش أستنى..
_مالك يا محمد؟
_مفيش حاجة يلا خد بالك من البنات..
وشعر يحيى بنبرة حزن في صوت محمد فأكمل يومه في قلق على أخيه..انتهى اليوم و خرج البنات والشباب لتجد منة سامح في إنتظارها فإقترب عليهم ليلقي السلام..رد الجميع السلام وإستئذنتهم منة فذهبت مع سامح نحو سيارته ليفتح لها باب السيارة و ينحني لها: اتفضلي..
ابتسمت منة وهي تستقل السيارة وإستقلها هو الآخر ثم إستدار بجسمه إليها: اتبسطتي..
_اه اوي..
تنحنح قائلا: أمال قريبك التاني فين؟
_معرفش مشي فجأة..
فقال بصوت خافت جداً: أحسن..
_نعم بتقول حاجة؟
_لأ أبداً، ها تحبي تتغدي إيه؟
_أي حاجة..
_بيني و بينك أنا هموت على صينية المكرونة بالبشاميل بتاعتك..
إحمرت وجنتيها مبتسمة في خجل وقالت لتغير مجرى الحوار: أونكل توفيق عامل إيه؟
_الحمدلله بيسلم عليكي أوي وبيقول انك وحشاه أوي و باعتلك حاجة..
اقتضبت جبينها في تساؤل: حاجة إيه؟
إقترب منها سامح ببطء وكان سيطبع قبلة على وجنتها فأبعدته بدفعة من كفها الصغير على صدره فمسك كفها بيده وقبل أناملها قبلة طويلة أذابتها و أذابته حتى انتشلت يدها سريعاً: مش هنمشي بقا ولا إيه؟
ابتسم سامح و انطلق بالسيارة حتى وقفا عند إحدى المطاعم و ترجلا منها ودخلا ليختاروا طعامهم و أثناء جلستهم..
_قلتي ايه بقا؟
_في ايه؟
_مواففة تتجوزيني؟
إبتسمت منة وأومأت برأسها وإذا به يقف في منتصف المطعم و يأتي النادل بطبق مغطى وينحني أمامها فتتسائل منة بنظرة لها إلى سامح فيومئ إليها بالإيجاب لتكشف الغطاء وتجد دبلتين مربوطتين بشريط من الستان الأبيض فتنهار منة لتختلط الفرحة بدموعها و يصفق كل من في المطعم و تتطلق الألعاب النارية في السماء فيمسك سامح بالدبل و يلبسوها معاً ليقص أحدهم الشريط ويقبل سامح كفها و جبهتها وهي تذوب في نفسها خجلاً......
heba senior