أشرقت شمس نهار جديد داخل أسوار الجامعة وقد قررت هالة ألا تخبر منة بإتصال نهلة لها وإستفساراتها... وداخل محاضرة منة استقبلت مكالمة من سامح فردت عليه بصوت خافت وأخبرته أنها لن تستطيع محادثته وأن ينتظر لحين انتهائها و بمجرد نهاية موعد المحاضرة كرر سامح اتصاله ليسألها عن رأيها فيما يخص ما عرضه عليها بالأمس،فأجابته بخجل :اللي تشوفه يا سامح..
-يعني موافقة؟
تمتمت بخجل :اه...
-طيب تمام أوي ،حدديلي ميعاد مع طنط بقا عشان نتفق..
-شوف انت الميعاد اللي يناسبك..
-النهاردة ممكن؟
-بالسرعة دي؟
-خير البر عاجله ونقرا فاتحة النهاردة كمان..
خفق قلب منة سريعاً وأتبعت: ان شاء الله..
وما أن أنهت اتصالها معه،أقبلت عليها هالة فوجدتها واقفة شاردة فأتبعت بمزح...
-ألوون..ايه مالك؟
-انتي جيتي؟
ضحكت هالة وأتبعت :لا لسة ايه يا بنتي انتي ضايعة خالص..
-يلا يلا عشان نروح..
-مش هنستني نهلة ويحيى؟
هرولت منة وقد سحبت هالة من يدها وهي تتمتم :لا ماينفعش،اتصلي بيهم قوليلهم هنمشي احنا ، مفيش وقت..
- ايه السربعة دي، مفيش وقت علي ايه؟
- سامح جاي النهاردة ،يادوب أجهز و أقول لماما ونشتري حلويات و نوضب الشقة وأكلم عمي و..
قاطعتها هالة:بس بس ايه علي مهلك،كل ده النهاردة حرام عليكي أنا مهبطة خالص من الحر..
-يلا بقا ياهلولة ياحبيبتي مش وقته دلع عقبال ما أخدمك يوم فرحك يارب..
-ياعيني عالتثبيت ،يارب يختي يارب..بس ماقلتليش كلمك امتي وقولتيله ايه؟
-هقولك كل حاجة بس نروح..
واتصلت هالة بنهلة و أخبرتها...
مر الوقت وجاء سامح بحلته الأنيقة و الكرافت الأزرق فإزداد جاذبية ووقار فكان سامح شاب طويل القامة ذو جسم قوي البنيان و شعر أسود ناعم و مرتب وبشرة خمرية..
تقدم سامح إلى المنزل واستقبله عم البنات و والدتهم و وهالة بترحاب شديد ،حتى جلس الجميع في غرفة الصالون و بدأ التعارف بين سامح و حاج صلاح عم البنات وسأله عن سبب عدم مجئ والده فأخبره بمرضه حتى ظهرت العروس بفستانها القرمزي و حجابها الأبيض مع حمرة وجهها الطبيعية، فكانت منة بنت طويلة القامة إلى حد ما ذات البشرة البيضاء والعيون العسلية و ملامحها الصغيرة..
اعتدل سامح فور رؤيتها، حاملاً باقة من أطيب أنواع الورود و أجملها وقدمها لها على الفور مع إبتسامة رقيقة على وجهه ،مدت منة يدها المرتجفة وأخذت الباقة بخجل ،جلس الجميع و اتفقوا علي قراءة الفاتحة ولكن بعد أن قال سامح..
-أنا بستأذن منة إننا هنتجوز مع بابا في الشقة لأني مقدرش أسيبه لوحده و كمان إحنا شقتنا واسعة أوي.
التفت عم منة اليها منتظراً ردها فإبتسمت وأتبعت بخجل: مفيش مشكلة..
وأتبع سامح: وفيه حاجة كمان معلش،أنا آسف مش هقدر أعمل فرح هتبقي زفة عربيات بس ونروح علي شقتنا،ايه رأيك يا منة؟
اندفعت هالة بعفويتها: ايه؟ لا طبعا ماينفعش ، أنا عايزة أفرح أنا وأختي..
نهرها عمها بنظرة: استني يا هالة، أهم حاجة رأي العروسة و حاجة سناء..
اردفت هالة بحزن:كدة يا عمو وأنا ماليش رأي؟
تابعت والدة البنات:أنا مش فارق معايا المهم منة..
ردت منة بخجل و إحراج: عادي مفيش مشكلة..
زفرت هالة و أشاحت وجهها عن الجلسة ...
اتبع سامح مبتسما: خلاص كدة تمام ان شاء الله...
اردف عم البنات: طيب وناوي إمتي يا ابني؟
-والله يا عمي خير البر عاجله ،ياريت نقرا فاتحة النهاردة و نكتب الكتاب و نتجوز بعد كام شهر كدة..
انتبهت منة لكلامه وتابعت : كام شهر ايه، ماينفعش عايزة أجيب حاجات كتير و مش هلحق..
ردت والدتها: ماتشيليش هم حاجة يا منة ،كل حاجة هتيجي وتمت قراءة الفاتحة..
و كان قد أحضر سامح خاتمي الخطوبة وفاجأ الجميع بهم واتفقوا علي إتمام الزواج بعد ثلاثة أشهر فقط....
وفي المساء بعد انتهاء جلستهم ورحيل سامح، دخلت البنات إلى غرفتهن و كانت منة مبتسمة سعيدة على عكس هالة التي كانت تود أن تضربها: كدة يا منة مش عايزة فرح ، ماتتصوريش أنا مخنوقة قد ايه..
- معلش بقا يا هالة ، انتي بقا نعملك أحلي فرح.
-بصراحة سامح قفلني منه من أولها كدة يعني لا فرح ولا شقة كمان ..
ضحكت منة :يا ستي أنا راضية أهم حاجة الدين و الأخلاق وكل الباقي ده مظاهر..
زفرت هالة بضجر :اوف منك انتي مثالية زيادة عن اللزوم...
ابتسمت منة :أبدا والله ولا مثالية ولا حاجة ،طيب ما أنا كمان كان نفسي في فرح و شقة زي بقية البنات بس خلاص مادام ظروفه كدة يبقى أستحمل...
تمتمت هالة بمزح : أيوة يا عم لأجل الورد بقا...
ابتسمت منة : بس يا بت بقا بطلي غلاسة..
وفي منزل الحاج صلاح عم البنات كانت نهلة و يحيى و والدتهم ينتظروه لمعرفة منه الأخبار على عكس محمد الذي لم يطق يجلس لحظة واحدة و رحل ..جاء الحاج صلاح مبتسماً فهو لم يكن يعلم ما يكنه ابنه من مشاعر تجاه منة ابنة أخيه ،حتى أخبرهم بموعد الزفاف و تفاصيله ولكنه لم يجد إستحسان من الآخرين فالكل بارك بعدم قبول وإتجه إلي غرفته شارداً ..
وهناك كان يجلس على إحدى المقاهي بمنطقته شارد الذهن لم يتخيل أن حبيبة عمره سيمتلكها غيره فهي أول من نبض لها قلبه، ما إن أقبل عليه يحيى و جلس بجانبه دون كلام فإلتفت إليه محمد :ايه الأخبار؟
أجاب يحيى بخفوت ولم ينظر إليه:قروا فاتحة و حددوا ميعاد الجواز...
مسح محمد وجهه بكفه الذي كان يشع حرارة وتذكر وجه منة أمامه وأنه سيُحرم عليه النظر الى هذا الوجه الجميل الذي طالما حلم به و بقضاء الباقي من عمره معه حتى يتجعد الوجهان معاًو يظل حبها محفوراً بأعماق قلبه..
عاد محمد و يحيى إلي منزلهم و دخل كلاً منهم إلى غرفته ،كانت والدتهم ساهرة يجافيها النوم من كسرة قلب ابنها فهي تعلم جيداً ما به..أطرقت عليه الباب فسمعته من الداخل : مين؟
_أنا يا محمد ..
_ ادخلي يا ماما..
دخلت والدته لتجده مسطحاً علي فراشه بنفس ملابسه التي خرج بها يسند رأسه علي وسادته التي تعرف أسراره أكثر من نفسه..جلست والدته بجواره على طرف الفراش وربتت على يده في حنان : ماتزعلش نفسك يا حبيبي ، ربنا شايلك الأحسن..وكأنها ضغطت بكلامها الحنون على جرحه النازف فخانته دمعته التي بللت جفون أعينه ..
فحين نظل نخبئ و نكتم أوجاعنا ثم نسمع فقط كلمة "مواساة" تخوننا العبرات و تفضح ما خبأناه في لحظة ..
ضمته أمه إلي حضنها و ياله من حضن الأم أعمق من البحار و أملس من الحرير ،قالت له بدموعها : لا يا محمد ،لا يا حبيبي، خليك أقوي من كدة ،الدنيا عمرها ما بتقف علي حد، كانت كل الناس اللي ماخدتش اللي بتحبه ماتوا من الحزن يا ابني، ربنا خلق النسيان ،و الحزن خلقه كبير أوي و الحاجة الوحيدة اللي بتصغر و بتقل مع الأيام ودايماً ردد آية ربنا سبحان وتعالى "فصبرٌ جميلُ والله المستعان"..
نزلت كلمات أمة كالثلج على قلبه لتبرده قليلاً و تمنحه قسط من الصبر...وظلت تهدهد عليه و تقرأ بصوتها العذب بعض من آيات الله تعالى حتى دخل في سبات عميق كالطفل ...
*******
دخلت والدتها عليها و كانت هالة قد خلدت الى النوم و تبقت منة بأحلامها توقظها على فراشها ..جلست أمها بجانبها على الفراش وهي تتأمل ملامح ابنتها الراضية و السعيدة فقالت: مبسوطة يا حبيبتي؟
ردت منة مبتسمة :الحمدلله يا ماما..
_يعني مش زعلانة من موضوع الفرح ده؟
_لا يا ماما ده نصيبي و انا راضيه ..
ثم ألقت نظرة على أختها النائمة بفراشها المجاور لها : بس في ناس هنا مش مبسوطين خالص..
نظرت سناء على هالة سريعاً و ابتسمت و عادت بنظرها الى منة: سيبك منها المهم انتي.. وأتبعت: طيب و موضوع الشقة يا منة مش مضايقك؟
هزت رأسها بالنفي:لا يا ماما ، ماهو بيقول الشقة كبيرة و كمان أونكل توفيق طيب جداً و بيحبنا أوي...
_طيب يا بنتي ربنا يسعدك و يكملك بعقلك يا حبيبتي و اعتدلت من جلستها لتذهب إلى غرفتها حتى تذكرت شيئاً فإستدارت لها مرة أخرى: اه صحيح يا منة ، ابقي اتكلمي معاه يا حبيبتي في موضوع الدراسة ،هيبقى لسة فاضلك ترم ..
خبطت منة على جبهتها : نسيت خالص نتكلم في الموضوع ده بس كويس انك فكرتيني يا ماما ، خلاص بكرة ان شاء الله أكلمه..
_ماشي يا حبيبتي،تصبحي علي خير..
_وانتي من أهل الخير ..
ومرت المهلة المحددة لتحضير تجهيزات الزفاف حتى تبقى يوم واحد على الميعاد و بمرور الوقت يزداد توتر منة و يكبر جرح محمد الذي اختفى من يومها عن الجامعة كغير عادته..
وجاء اليوم الموعود و توجت منة بطرحتها البيضاء وتاجها المرصع بالفصوص البراقة و فستانها التل الأبيض و كانت في غاية الجمال ،استقبلها سامح فطبع قبلة على كفها و انتهى يومهم سريعاً دون حفل كما في الإتفاق و ذهب العروسان إلى شقة الزوجية ،خطت منة أول خطوة لها داخل حياتها الجديدة المليئة بالمفاجآت....
خطت منة أول خطواتها في حياتها الجديدة،دلف معها سامح الذي لم يعرها انتباهاً و اتجه سريعاً إلى غرفته ، ظلت منة واقفة في مكانها ينتابها الخجل و تذوب في نفسها و لا تدري ماذا تفعل، أتظل واقفة منتظرة سامح أم تلحقه ، أم ماذا تفعل ، ظلت مكانها قرابة الربع ساعة حتى جلست أخيرا على إحدى كراسي الصالون بجانبها وهي لا تعلم أين ذهب سامح و تركها دون كلمة منه و أيضاً توفيق الذي يفترض أنه موجود داخل الشقة حتى سمعت صوت خطوات تأتي من خلفها فتجده سامح قد أبدل حلته بملابس النوم وقال لها ببرود..
-ادخلي غيري فستانك ده!!
ابتلعت لعابها و ثقل لسانها و هي تقول : هو فين اونكل توفيق؟
احابها بضجر :نايم هيكون فين؟
لم تدري ما سر هذه النبرة الحادة في صوته و توقعت أنه غضب منها لفعلها أي موقف لم يعجبه ولكن ما هو،لا تدري؟
جمعت حروفها الثقيلة وقالت: كنت متخيلاه هيستنانا عشان يسلم علينا..
اجابها بنفس النبرة:لا هو بينام بدري..
جمعت قواها و قالت: مالك يا سامح أنا ضايقتك في حاجة؟!
_لا ،يلا أدخلي غيري البتاع ده عشان عايز أنام..
دلفت منة الى غرفتها و تبدلت فرحتها و ملامحها إلى العبس ، ترقرقت دموعها و شحب وجهها وظلت تسأل نفسها " ايه اللي حصل، هو بيكلمني كدة ليه، بقا هو ده الجو الهادي اللي المفروض يدخلني فيه عشان يقلل من خوفي وتوتري"
و زاد توترها حين سمعت طرقاته الشديدة على باب غرفتها والتي كادت أن تخلع قلبها: اخلصي عايز أنااام...
بدأت بخلع حجابها و فستان زفافها الذي كان صعباً عليها خلعه و لكنها فعلتها و دموعها لم تتوقف حتى أتلفت زينة وجهها و ذاب كحل عينيها ، ارتدت ملابس نومها على إستحياء و أصلحت ما يمكن اصلاحه من زينتها و رتبت شعرها البني الأملس الذي وصل لأسفل ظهرها و فتحت باب الغرفة ، وجدته يقف مستنداً علي الحائط حتى رآها فاعتدل علي الفور ثاقباً إياها بنظرة اخترقت ضلوعها فنظرت للأسفل على إستحياء و احمرت وجنتيها تلقائياً ، أشاح وجهه بعيداً و كأنه أفاق من تركيزه بها وقال ببرود:
-عندك الأوضة اللي هناك دي..
أشار بعيداً آخر الردهة واتبع: روحي نامي فيها و تركها و دلف الى غرفته و أوصد الباب خلفه..
ظلت منة العروس الحزين واقفة متجمدة و كأن وقع عليها دلواً من المياه المثلجة تريد أن تلملم ما تبعثر من كرامتها و أنوثتها لتختبئ بين أربعة جدران يحموها من ما شعرت به من صقيع الشتاء في يوم حار ،أسرعت متلهثة على الغرفة المشار إليها و أوصدت بابها و احتضنت نفسها و جسدها المرتعش بذراعيها يلتفا حولها و جلست على الفراش و ألف سؤال و سؤال يدور حول رأسها و ما من إجابة تحنو عليها حتى نامت لا تعلم كيف نامت و بللت وسادة غريبة عنها بدموعها لتسأل الوسادة من هذا الغريب الذي يحتاجني فعطفت عليها وسادتها الجديدة و استقبلت دموعها بصدر رحب ....
heba senior