قد تؤلمنا المواجهات بما تحمله من صدمات ولكنها أهون ألف مرة من دفن رؤوسنا في الرمال كالنعام..
وصلت البنات إلى منزل سامح و صعدا معاً بخطوات واهنة خوفاً من المواجهة و ألم الحقيقة وبمجرد دخولهن الشقة أجرت منة اتصالها بسامح..فأجاب بفتور
-أيوة؟
-أيوة يا سامح،ممكن تيجي البيت دلوقتي؟
-ليه خير؟
-هالة معايا وكانت عايزة تتكلم معاك انت وأونكل توفيق شوية..
- انتي قولتلها؟
-اه..
-وهي عايزة تتكلم في ايه بقا؟
-عايزة تفهم اللي حصل بالظبط ،هتيجي؟
-اه طبعاً هاجي ،سلام..
- سلام..
نظرت هالة إلى منة بتمعن وسألتها: جاي؟
-اه جاي دلوقتي ،عشان خاطري يا هالة اتكلمي بالراحة..
- حاضر هحاول أمسك نفسي..
- أنا هخبط على أونكل توفيق عشان يطلع معانا..
- ماشي..
جلست هالة في الصالون بإنتظار ما لا تطيقه و ما ليس على البال وما أطولها" لحظات الإنتظار"..دخلت منة الى توفيق بعد أن استئذنت منه فوجدته يجلس على كرسيه المتحرك و يقرأ في كتاب بيده..
- ازيك يا أونكل؟
- الحمدلله يا منة، رحتي الجامعة؟
-اه ولسة جاية و معايا هالة أختي برة و..تنحنحت..
-كانت عايزة تتكلم مع حضرتك و مع سامح شوية..
- بخصوص ايه؟
-بخصوص موضوع بابا الله يرحمه..
تنهد توفيق تنهيدة طويلة : حاضر، هطلعلكوا..
-طيب محتاج مني أساعدك في حاجة..
-لا شكراً،أنا هحصلك على طول..
خرجت منة الى هالة واتبعت : طالع دلوقتي ،هتشربي ايه؟
- مياه..عطشانة جداً..
-حاضر..
دلفت منة الى المطبخ لتحضر الماء في لحظة دخول سامح من باب الشقة فوجد هالة جالسة ..
-السلام عليكم..
ردت هالة السلام بفتور: وعليكم السلام..
في حضور منة و خروج توفيق من غرفته ،اجتمعت جميع الأطراف وبدأت المواجهة التي أطلقت فيها هالة أول مدافعها : ممكن أفهم بقا ايه الكلام الفارغ اللي بتقولوه عن بابا الله يرحمه ده؟
ضحك سامح بتهكم: اهدي بس كدة..
وقال توفيق بهدوء و حكمة: اسمعي يا هالة ،انتي عارفة كويس كانت ايه مدى علاقتي بحمدي و صدمتي فيه ماكانتش أقل منكم..
قاطعته هالة: بس أنا لازم أفهم كل حاجة..وازاي حصل الكلام ده؟
سرد عليها توفيق ما قد سرده على منة من قبل بخصوص الصفقة ..
فأردفت هالة : طيب وانت مين قالك يا أونكل ان بابا عمل كده، وليه واخد كلام رجل الأعمال ده ثقة يعني؟
تدخل سامح في الحوار بغلاظة موجهاً حديثه الى منة: أنا لو كنت أعرف اني جاي عشان الست أختك هتكدبنا كدة ماكنتش جيت..
أردف توفيق بهدوء: اهدى يا سامح ،من حقهم يفهموا يا ابني..
هتفت هالة موجهة حديثها الى سامح: انت بتكلمها كدة ليه ، لاحظ انك بتكلم بنات ناس و عيب كدة على فكرة..
وبدأ يزداد توتر منة..
اعتدل سامح وهو يلوح بيده في وجه هالة: عيب ، انتي جاية تعرفيني ايه هو العيب؟
اعتدلت منة هي الأخرى و حاولت تهدئة الموقف: يا جماعة وحدوا الله احنا كدة مش هنعرف نتكلم و لا نتفق..
ردد الجميع: لا إله إلا الله..
وكأنها مهدئ روحاني للقلوب..
فجلس الجميع مرة أخرى وأتبعت منة: احنا آسفين يا أونكل،بس حضرتك ماتزعلش اننا عايزين نفهم ليه بابا يعمل كدة وهو مش محتاج أصلاً و سامحني اللي بتقولوه ده مش دليل ضده خالص ؟
أشاح سامح وجهه بعيداً بتذمر وهو يقول : أهلاً ..أهي اتعدت من أختها..
اردفت هالة وهي تهز رجليها في توتر: اللهم طولك يا روح..
اردف توفيق: أكيد مش هزعل من حاجة زي دي يا منة ، وأنا نَفسي نِفسي ألاقي تفسير للي حصل ..
تمتمت هالة: طيب هو المبلغ اللي بتقول ان بابا أخده كام يا أونكل؟
-٢مليون و نص!!
شهقت هالة بذهول: ايه؟كام؟ مش ممكن..
تمتمت منة باستغراب : ازاي يا أونكل ، بابا الله يرحمه لما اتوفي ماسبلناش مبلغ زي ده.
اردف سامح وهو يكز علي أسنانه:انتوا متفقين مع بعض و جايين ترسموها علينا بقا...
نظرت له منة نظرة حارقة دون كلام و التفتت مرة أخرى الى توفيق: يا أونكل افهمني لوسمحت ميراثنا كلنا مايجبش المبلغ ده و فيه بنوك و أوراق تشهد على كل كدة..
وأتبعت هالة: أصلاً احنا كنا متوقعين ان ميراثنا من بابا الله يرحمه يكون أكبر من كدة بكتير و اتصدمنا يوم اعلان الميراث من المبلغ اللي خارج لكل واحدة فينا ..
نظر سامح و توفيق إلى بعضهم البعض وأحسوا بغموض و شئ ما في ذلك الموضوع فقال توفيق الى سامح: انت تعرف توصل للرجل ده؟
-معرفش بس هحاول..
اردفت هالة: لازم توصله هو اللي هيفهمنا بالظبط ايه اللي حصل، ثم عادت بنظرها إلى توفيق: طيب انت ماتكلمتش مع بابا بعدها يا أونكل؟
اجابها توفيق بأسى: للأسف حمدي تعب بعد ما عرفت الخسارة بتاعة الصفقة على طول و راح في غيبوبة و بعدها اتوفى..
تمتمت منة: غريبة..
فاردفت هالة: بتفكري في ايه يا منة؟
-معرفش مخي اتلخبط خالص ..ووجهت حديثها لتوفيق: بس مش يمكن بابا كمان تعب بعد ما سمع خسارة الصفقة دي زيه زي حضرتك بالظبط..
عم الصمت المكان و كل منهم يدور بمخيلته ألف سؤال و سؤال و تكمن الإجابة إما تحت الثرى أو مع ذلك الرجل و يظل الغموض سيد الموقف و تظل سوء النية بقلب سامح حتى تنكشف الحقيقة ...
انتهت جمعتهم بالوصول إلى الحل الذي يرضي جميع الأطراف وهو بحث سامح عن ذلك الرجل لعله يفسر لهم شئ ،وفي نهاية اللقاء...
اردفت هالة: لو سمحت يا أونكل أنا هاخد منة معايا مادام مالهاش لازمة في البيت هنا..ووجهت نظرة الى سامح من شعر رأسه إلي أسفل ساقيه..
تفاجئت منة بطلب هالة و رد سامح مندفعاً: منة مش هتمشي من هنا و محدش ليه دعوة ولا دخل بحياتنا..
قالت هالة بعصبية: انت بتكلمني كدة ليه؟
ثم وجهت نظرها لمنة: وانتي ساكتاله على المعاملة دي ليه أنا مش فاهمة؟ هو ماسك عليكي ذلة يعني؟
دمعت منة عينيها و نظرت للأسفل في صمت..ورد سامح: أيوة يا آنسة، ماسك عليكوا كلكوا ذلة ،ولا أنا غلطان؟
فقدت هالة أعصابها: انت بجد انسان مستفز ونظرت إلى منة واتبعت:وانتي مستفزة أكتر منه..
تركتهم وتوجهت ناحية الباب و توجهت وراءها منة تهتف عليها: هالة يا هالة استني ..
حتى وصلا باب الشقة،فتحت هالة الباب وهبطت و ما ان خطت منة خطوة خارج الباب حتى وجدت ذراع سامح أمامها يحول بينها و بين الخروج ،نظرت له فقال بحسم : ادخلي أوضتك..
دخلت منة متذمرة إلى الغرفة تتساقط منها العبرات يميناً ويساراً ،أوصدت عليها الباب وخلعت حجابها وارتمت على الفراش في حالة من البكاء الشديد..ثم اعتدلت و أمسكت بهاتفها و أجرت اتصالاً بهالة التي لم تجب من المرة الأولى وأخيراً..
-أيوة يا منة..
ردت منة وهي تبكي: كدة يا هالة مش عايزة تردي عليا..
-ممكن ماتعيطيش ،يا منة مش عايزاكي ضعيفة كدة،طول ماانتي ضعيفة هيستقوى عليكي أكتر..
-انتي ناسية يا هالة انتي بتتكلمي عن مين ؟ده سامح؟
-ماتقوليليش يا منة انك لسة بتحبيه بعد كل ده؟
صمتت منة وما يُسمع منها إلا صوت بكاءها..
-استغفر الله العظيم، طيب اهدي يا حبيبتي..
- المهم يا هالة دلوقتي اوعي تجيبي سيرة لماما ، ماما لو عرفت هتروح فيها يا هالة ...
-لا طبعاً مش هقولها حاجة..
-ربنا يستر..
اردفت هالة بمزح محاولة التخفيف عن أختها: معندكيش ثقة فيا خالص كدة؟
تمتمت منة مبتسمة بدموعها على وجنتيها : بصراحة لا..
-ماشي يا منة..هشوفك بكرة في الجامعة ان شاء الله؟
- مش عارفة ربنا يسهل..
-ماشي ،هبقى أكلمك يلا باي عشان أنا وصلت أهو..
-ماشي باي وسلميلي على ماما..
- الله يسلمك..
وما أنهت كلمتها حتى دلف اليها سامح فانتفضت منة وأسرعت بإرتداء حجابها مرة أخرى و لم توجه النظر له ،جلس سامح بجانبها على طرف الفراش فاقشعر بدنها و انكمشت في نفسها..قال بهدوء: كنتي بتكلمي مين؟
-هالة
-من بكرة هدور علي الرجل ده..
-ان شاء الله..
ابتسم سامح واتبع: طيب أنا عصافير بطني بتزقزق ،مش هتأكلينا حاجة من ايديكي.
ابتسمت منة خجلاً وأومأت برأسها متمتمة:حاضر ونسيت ما بها من هم
فهن النساء تضعفن أمام كلمة حنونة ممن يعشقن..خرج سامح و توجهت منة إلى غرفتها أبدلت ملابسها ثم توجهت إلى المطبخ بكامل سعادتها فقد تغير مزاجها للنقيض و ظلت تطهو أشهى الأطعمة حتى انتهت و حضرت مائدتها و استدعت سامح الى الطعام ،حضر سامح و جلس على المائدة..
فاتبعت منة: هروح أنادي أونكل توفيق..
-لا هو قال هينام شوية ،لما يصحى هياكل..
-طيب بعد اذنك..
وما استدارت عنه حتى شعرت بيده تمسك يدها فاحمر وجهها تلقائياً وسحبت يدها في هدوء ورقة فقال سامح : آسف..مش هتقعدي تاكلي معايا؟
- عشان تبقى براحتك..
-لا ماتقلقيش أنا هموت من الجوع ومش هتكسف منك..يلا اقعدي..
قالت منة بداخلها: "بعدالشر عنك" و جلست أمامه و كانت المرة الأولى منذ زواجهم يجتمعون على مائدة واحدة و يعاملها بهذا اللطف فكانت منة في أسعد لحظاتها..
حتى انتهوا و ساعدها سامح برفع الأطباق من على السفرة ..دخل سامح ليغسل يده ولكن لم يتركه شيطانه يهنأ قليلاً و ظل يوسوسه " انت بتعاملها كده ليه؟ حاسس انك ظلمتها ؟ طيب ما تصبر إما تتأكد ، ولا على طول كده استسلمت؟"
خرج سامح متجهاً إلى غرفته حتى لا يتقابل معها ...
أما هي فكانت تحلق بأجنحتها كالفراشة في غرفتها تتمايل يميناً و يساراً وهي تحتضن وسادتها التي اعتادت على دموعها و حزنها حتى رقصت وسادتها معها فرحة لفرحها حينها شعرت بدوار فإرتمت على فراشها هي ووسادتها مبتسمة وأغمضت عينيها وراحت في سبات
عميق ...
*******
وهناك في منزل والدتها..
دلفت سناء الى هالة فوجدتها شاردة على غير عادتها فجلست بجوارها: ايه يا حبيبتي مالك سرحانة في ايه؟
فاقت هالة من شرودها: ها..مفيش حاجة يا ماما..
-مفيش ازاي؟ شكلك مخبية حاجة؟
-أنا؟ لا خالص..اه صحيح في حاجة..
- ايه هي؟
تمتمت هالة فجأة وقد اختلقت موضوع تلهي به والدتها: أنا جايلي عريس..
-بجد ياحبيبتي ،وقبلتها من وجنتيها..مين هو؟
-يحيى ابن عمي..
- يا حبيبي ده يحيى ده واد زي العسل..
ردت هالة بطفولية: ايه واد دي يا ماما شايفانا بنلعب أستغماية في الشارع..
ضحكت سناء: يخرب عقلك يا هالة دمك زي العسل، طيب ناويين علي ايه؟
- أكيد خطوبة طبعاً ،مش هعمل أنا زي منة وأتجوز وأنا لسة مخلصتش..
- ماشي يا حبيبتي اللي تحبيه،انتي شفتي منة النهاردة؟
تلعثمت هالة :منة؟ انا؟ شفتها أه..
-وهي عاملة ايه؟ وحشتني أوي
-الحمدلله يا ماما ،ادعيلها..
ردت سناء بقلق: ادعيلها ؟ ليه يا هالة أختك مالها؟
شعرت هالة أنها على وشك الإعتراف فأمعنت تركيزها وقالت: لا يا ماما مفيش حاجة أقصد يعني الدراسة بدأت بقا و بيتها و حماها معاها بردو حمل عليها وكدة يعني..
-ربنا يقويها يا بنتي..
- يارب يا ماما و يلا بقا عشان انتي خدتي وقت إضافي كدة و أنا فاصلة من مشوار الجامعة و عايزة أنام ..
ضحكت سناء واتبعت : ماشي يا لمضة،تصبحي على خير..
- وانتي من أهله..
خرجت والدتها وأجرت هالة اتصالاً بيحيى..
فأجاب بهيام: هو القمر بيطلع من التليفون؟
-قديمة!
-رخمة أوي،عايزة ايه يا قردة؟
-طب تصدق بقا خسارة فيك الخبر الحلو اللي كنت هقولهولك..
- خبر حلو؟ يا روح قلب يحيى ده أنا بهزر معاكي..
- والله؟ ماشي..
-ها يا قمر،ايه الخبر الحلو ده؟
-قلت لماما عليك..
قفز يحيى من مكانه في فرحة: أيوة بقا،
أخيراً يا هالة ،ده انتي نشفتي ريقي يا شيخة..
أردفت هالة بعناد: طبعاً هو أنا أي حد ولا ايه؟
-طبعاً يا باشا ده انتي البرنسيسة،وظل يهتف :يا برنسيسة يا برنسيسة..
ضحكت هالة: بس بس خلاص ،يلا بقا عشان عايزة أنام.
-ماشي يا قمر نوم الهنا يارب وبكرة بقا نتفق في الجامعة..
- اوك ان شاء الله..
تمتم يحيى:لا إله الا الله..
-محمد رسول الله..
أنهى يحيى مكالمته و صاح بأعلي صوت :
يا ماما يا نهلة..
تجمعوا عليه وقالت والدته: ايه يا ابني ؟ايه الهليلة اللي انت عاملها دي؟
هتف يحيى وهو يغني ويرقص: والنهاردة فرحي يا جدعان ،عايز كله يبقي تمام..
ظلت نهلة و ووالدتها ينظران إلى بعض ويضحكن..
اتبعت نهلة: انت اتهبلت يا يحيى ولا ايه؟
ويستمر يحيى في الغناء : وهتجوووز هتجوووز
صرخت نهلة فجأة و بدأت بالرقص معه واطلقت زغرودة عالية : وهيصة هيصة عند العروسة هيصة..
وقفت الأم تشاهد توأمها المرح وهي تضحك و تقول: صبرني يارب على ما بلاني..
ظل التوأم يلتفان حول والدتهم في مرح وسعادة و أخيراً أخبروها بسر هذه الفرحة ففرحت لإبنها كثيراً و ترقرقت عينيها بالدموع وهي تتذكر محمد و تدعو له :
عقباله يارب..
********
كان محمد عند صديقه سامر وكان يحكي له عن يومه مع منة في الجامعة فقال له سامر: يا محمد حرام عليك نفسك ،انت عارف انها خلاص اتجوزت ومابقتش ليك ،بتدور عليها و بتروحلها لحد عندها ليه؟
-والله يا سامر ماأعرف ،أنا لاقيت نفسي رايح هناك و بدور على جدولها و بدور عليها ،مش مصدق انها مابقتش ليا واتجوزت حد غيري..
-لازم تصدق يا محمد و تنساها ، أنا عارف ان اللي بقولهولك صعب بس لازم تساعد نفسك ماتفضلش معلق نفسك بحبال دايبة..
شرد محمد في كلام سامر و لكن صورتها لم تفارق عينيه و الحب يملأ قلبه فهذا الحب وُلد معه و كبر معه ،كيف أن يمحيه في لحظة وينساها فهي له الحياة و الأمل.....
heba senior