《ضوء بين الخيوط 》

《ضوء بين الخيوط 》

14 0

هناك مقولة روسية تقول..

.

.

''من يُخنق بحب الأم

.

.

لا يُنقذ حتى لو سبح في بحر من الكراهية

.

.

إضاءة خافتة، كل ما ينير الغرفة، رائحة دخان تعج بالمكان، وكأسين من الفودكا على الطاولة.

يبدو الوضع أشبه بجلسة لعقد إحدى الصفقات الأخرى، ولكن هذا لم يكن.. ليس هذه المرة.

على إحدى الأرائك أمامها، يجلس يضع قدمًا فوق الأخرى، معطفه الأسود الذي كان يرتديه مطويٌّ جانبه على الأريكة.

كان ينظر لها بنظرات غريبة، لم تستطع تحديد ما هي أو ما يريد من خلالها. كانت سعيدة، ولكنها جادة وحادة في ذات الوقت، وهذا ما لم تستطع أن تفهم منه أي شيء.

سوى أنها وضعت قدمًا فوق الأخرى، تنظر لكأسها قبل أن تميل قليلًا لتحمله ، تحركه بدوائر، تحدق به بدل الجالس أمامها.

والذي وضع كأسه وتحدث أخيرًا:

"أظن أن الليلة ربما تكون طويلة، لم نلتقي منذ فترة طويلة."

ترفع نظرها إليه، تنظر له بنظرات هادئة:

"اختصر."

تمتد ابتسامة خافتة على ثغره:

"يعجبني كونك لا تحبين الدوران."

وضعت كأسها على الطاولة بصمت، تعطيه إشارة أنها تستمع له، وهو اعتدل بجلسته ويشابك يديه بينها، يريحها على ركبته.

"قتلتِ كالينوس وميراوس."

نظرت له فقط، وكأنها تخبره: وما الجديد فيما قلته؟

لم يهتم بنظرتها وأكمل:

"أنتِ تعلمين، ولكن في ذات الوقت لا تعلمين أي شيء."

ظهر شيء في عينيها من عدم الفهم. تعلم، ولكنها لا تعلم في ذات الوقت، وماذا يجري؟ يأتي لمنزلها في الليل ليخبرها بهذا..

أكمل:

"أنتِ تريدين معرفة الأشياء من حولك، وهذا هو حقك، ولكن عليك أن تكوني حذرة مع بعض الخيوط، لأن بعضها سام عند لمسها قد تُصابين، وبعضها خادع قد يبدو خيطًا سهل العقدة، ولكنه يخفي عقدة معقدة داخله."

"ما الذي ترمي له بالتحديد؟"

"ربما أفعل، ومع ذلك لا أستطيع إخبارك. أنا سأبقى خلف الستار فقط، لقد جئت لإخبارك فقط."

"خلف الستار؟ بحقكم، ماذا يجري!"

تخرج من هدوئها وتنفعل قليلًا:

"لماذا الجميع وكل شيء هكذا؟ اللعنة، ما اللعبة الغبية التي تلعبونها!"

"لا توجد لعبة، إنها فقط مجرد حقيقة مدثورة، وأنتِ الوحيدة التي نجت من الحادثة."

"أي حادثة؟"

"أحلامك… هي أول خيوطك، أغنيست، لا تتجاهليها، إنها الطريق."

"لماذا لا تخبرني إذن إن كنت تعلم؟"

"هذا لأني لا أستطيع، أنا سأكون الطرف خارج هذه الرواية."

"أحلامي.. تقصد الكوابيس؟"

"أجل، هي.."

ثم يستقيم فجأة، يحمل معطفه معه ويضع يده في جيبه، يخرج ورقة مطوية ثم سلّمها لها.

أخذت الورقة، تنظر لها ثم له، وهو يعطيها ظهره ويخرج.

فجأة تحدثت:

"هل سنلتقي مجددًا؟"

توقف وسط خطواته، ثم لف رأسه إليها ووضع يده في وضعية حمل الكمان

"أنا دائمًا موجود."

ثم خرج من المنزل، تاركًا إياها مع الورقة وأفكارها، وما أخبرها به.

تفتح الورقة لترى رسمة تنين يلتف حول سيف. حدقت قليلًا، ثم لفت الورقة للجهة الأخرى، لا شيء آخر.

ثم استقامت بسرعة نحو غرفتها. نظرت للوحة المعلقة بسرعة، أزالت كل شيء عليها، أوراق وخيوط كانت تضعها حين كانت تحاول التوصل لشيء.

الآن لديها خيط جديد وأفكار جديدة لكيف ستفكر هذه المرة، خيط تتبعه.

وضعت الورقة التي أعطاها إياها في المنتصف، ثم نظرت للورق الذي أزالته ووزعته على أرضية الغرفة، ووقفت في الخلف، لامس ظهرها الباب خلفها، أخذت تحدق بالأوراق المكتوبة والصور..

بينما تفعل، خلعت قناعها ترميه على السرير، ثم وقعت عيناها على ورقة وشوم ميراوس وكالينوس، ثم حولت نظرها بسرعة نحو صورة أخرى حيث صورة مارت ووشمه.

بسرعة حملت الصورتين ووضعتهما بجانب صورة التنين الملتف حول السيف.

جميعها تربطها شيء مشترك..

التنين..

ولكنها تختلف ورود سيف أو تنين فقط.

إذن هم يعودون لمنظمة أو شيء واحد أكبر، ولكن من؟

هنا السؤال.

بقيت تحدق بالورق بفترة، تأخذ بعض الأوراق وتضعها، أو بعضها ترميها. في النهاية تشكلت لوحة جديدة أمامها، وتبدو واضحة أكثر، بعكس القديمة كانت عشوائية.

بقيت تحدق مطولًا.. التنين… مبنى غريب يشبه المستشفى أو المدرسة، يتكرر في كل كوابيسها، والأشخاص، ولغة واحدة فقط.

الروسية..

بينما تربط كل شيء وهي مركزة جدًا، تنظر بحدة، نظراتها توشك أن تمزق الورق، حتى سمعت صوت فتح الباب خلفها، مما أخرجها من أفكارها. نظرت خلفها، وقد كانت كارتينا تقف على أطراف أصابعها بينما تمسك مقبض الباب. شعرها يتساقط على وجهها وكتفها لأنه طويل.

توجه نظر كارتينا للوحة خلف أغنيست.

نظرت أغنيست لها، ثم للوحة خلفها، قبل أن تقترب منها، تبعد نظرها عنها ويستقر عليها. انحنت أغنيست لمستواها.

"لماذا أنتِ هنا؟ ألم تأخذك الخادمة للنوم؟"

نظرت لها وبدأت تلعب بطرف فستانها بتوتر واضح، وكأنها خائفة من قول شيء ما.

وضعت أغنيست يدها على خدها بلفتة للطمأنينة. لم تتوقع أن تفعل هذا يومًا، أن تكون شيئًا حنونًا أو أن تكون يومًا ما الطمأنينة لأحد، مع أن الطمأنينة لم تكن من حقها يومًا.

تحدثت كارتينا، صوتها لطيف:

"لا أثتطيع النوم."

لاحظت أغنيست أنها استبدلت السين بالثاء.

عقدت حاجبها قليلًا، ثم تحدثت معها:

"كارتينا، عزيزتي، قولي شمس."

تريد أن تتأكد من شيء..

تجيب وتردد كلمة شمس، ومجددًا تغير حرف السين لثاء.

هناك شيئان كانا يدوران في رأس أغنيست، إما أنها تمتلك لثغة في حرف السين، أو أنها لا تزال لا تعرف كيفية إخراج الحروف جيدًا.

تنهدت أغنيست، ثم استقامت وحملت كارتينا معها

"الوقت تأخر، عليكِ النوم."

تأخذها لغرفتها، التي كانت عكس المنزل المظلم كله، والذي كان بطابع عميق ومبهم. كانت غرفتها بلون وردي، مع إضاءة بيضاء توهج الغرفة، ألعاب ودمى كثيرة، سرير يشبه الأميرات. ربما تكون غرفة أحلام كل فتاة.

وضعتها على السرير، تغطيها بينما تمسح على شعرها، ثم استقامت تنوي الذهاب، قبل أن تشعر بشيء يسحب كمها:

"لا أريد النوم بمفردي."

نظرت لها مطولًا، ثم للغرفة، وكأنها لا تصدق أنها ستبقى في غرفة هكذا مضاءة جدًا ووردية، وهذا كله عكس العالم التي تعيشه، عكس الظلام الذي بداخلها، عكس كل شيء.

لكنها لن ترفض طلبها، وكيف تستطيع الرفض ومقاومة طفلة مثلها؟

اقتربت، تستلقي بجانبها. فجأة شعرت بسكون غريب في رأسها، لم يعد هناك ذلك الإزعاج والصخب أو تلك الأفكار، فقط الهدوء، والهدوء. كان عقلها صافيًا تمامًا. نظرت لكارتينا، التي كانت تمسك يدها ونامت بسرعة. ولأول مرة، لا تراودها أفكار سوداوية اتجاهها، فقط شيء لا تعرف ماهيته.

قلبها ينبض بسرعة، معدتها متشنجة قليلًا، شعور رفرفة فيه. تشعر بخفة لم تشعر بها من قبل، وكأن هناك ثقلًا كان يغيم وقد ذهب.

هل كل هذا بسبب دخولها هذه الغرفة؟

أو بسبب هذه الطفلة؟

ربما هذا السؤال الذي لا تعرف إجابته…

.

.

.

.

تستيقظ الصباح، لم تشعر على نفسها حين غفت في غرفة كارتينا، لكنها كانت الأفضل منذ سنوات. لا كوابيس أو أي شيء مزعج، ولكن ليس وقت الراحة، لديها ما تعرفه وتكتشفه، فالخيوط تلك لن تحل نفسها بالطبع.

نظرت لجانبها لتجد المكان فارغًا. فورًا استقامت لترى أين ذهبت، لكن الغرفة فارغة أيضًا. تسارع ضربات قلبها، لا تعرف لماذا، ولكنها تشعر أن هناك شيء خاطئ…. اللعنة!

تستقيم بسرعة وتخرج من الغرفة، تنظر حولها، الممر فارغ، الغرف مغلقة تمامًا.

أين ستكون ذهبت؟

نزلت للأسفل، وفورًا تجمدت على الدرج، تحدق بالباب المفتوح. حينها شعرت بألم في قلبها، شيء يعتصره خوفًا.. اللعنة، كانت تشعر بالخوف.

وفورًا نادت بصوت عالٍ:

"كارتينا… كارتينا، ليس وقت اللعب، اخرجي… كار.. كارتينا!"

بحثت في كل مكان بجنون، وكأنها فقدت قطعة الماس. قلبها ينبض بسرعة جنونية، تشعر بمعدتها تنقبض، وعقلها لا يتوقف عن سرد أسوأ السيناريوهات.

المنزل فارغ تمامًا، الباب مفتوح.

لا.

لا.

لا.

اللعنة، هذا صحيح..

ترفع شعرها بكلتا يديها، تسحبه بقوة، بينما تتنهد بقوة وتحاول السيطرة على عقلها وتفكر بتوازن، لأن إذا كان عقلها هو من يسيطر عليها، سوف تكون مجزرة، وهي بالطبع لا تريدها، لا تريدها، اللعنة.

اهدئي.

اهدئي.

اللعنة، اهدئي يا أغنيست.

فجأة سمعت صوتًا ينادي اسمها، ولكنه بعيد جدًا ويبتعد، وهناك شخص أمامها، لكنها لم تتعرف عليه، رؤيتها مشوشة.

كل ما يدور الآن

اقتلي.

اقتلي.

اقتلي.

تمسك رأسها بقوة وتتحدث بنبرة منخفضة غير متزنة

"توقف.. توقف.."

صوتها يرتفع شيئًا فشيئًا:

"توقف، توقف، اللعنة عليك… اخرس!"

قالت آخر كلمة بصراخ.

تحول الشخص الذي أمامها إلى أشخاص، ولكنها لا تزال لا تراهم جيدًا، وكأنها حُبست داخل عقلها تمام.

حاولت كلارا الاقتراب، أن تمسكها، تمنعها من فعل أي شيء، ولكن أغنيست كانت تتحرك بطريقة مضطربة وعشوائية، تمنع أي شخص من لمسها أو الاقتراب.

فجأة تحدثت بصوت مكسور، وكأنها تجاهد شيئًا في داخلها:

"كلارا.. اخرجوا، رجاءً."

أغنيست تعرف نفسها، تعرف أنها ستؤذي، أنها لن تتمكن من السيطرة على نفسها. تريدها أن تخرج، أن تتركها مع شياطينها لوحدهم.

وهذا ما فعلته كلارا، أمرت الجميع بالخروج وأغلقت كل شيء في المنزل، لم يبقَ سواها هناك.

كانت لا تشبه هدوءها ورزانتها، هي الآن شخص آخر، مضطرب وعلى حقيقته.

كانت تضحك، تضحك بصوت عالٍ، كان يُسمع ضحكها في الخارج، كان مخيفًا، ضحكة سوداوية بحتة، وكأنها خارجة من الجحيم.

صوت تحطيم زجاج.. اللعنة، هذا يحصل مجددًا.

تغمض كلارا عينيها بقوة، وقفتها مهنية، يديها خلف ظهرها، تقبض على قبضتها بقوة، تمنع نفسها من الذهاب. إنها تؤذي نفسها مجددًا.

صوت تحطم الزجاج اختفى تدريجيًا، وحل صمت مخيف، صمت يعرف الجميع ماذا يليه

كانت تنظر للزجاج المحطم على الأرض، وتنظر له بنظرات خاوية، قبل أن تقترب وتحمل واحدة كبيرة حادة.

دم.

دم.

دم.

عقلها يردد تلك الكلمة كالتعويذة لها، وهي تستجيب.

قرّبت الزجاجة من كف يدها، تجرحه بقوة، تهمس من الألم المفاجئ، والذي أخرجها من حالتها هذه فورًا. تنظر حولها، للنوافذ، الأبواب المغلقة، ثم ليدها.

ترمي الزجاجة وترفع يدها المجروحة، تمسح على جبينها ثم تمسح شعرها للخلف.

ثم تصرخ:

"اللعنة… اللعنة، اللعنة!"

تركُل الأشياء بغضب. هي غاضبة على نفسها بشدة،

كيف تفقد السيطرة؟

كيف؟

كيف؟

كيف؟

ماذا لو كانت كارتينا هنا..?

تجمدت حين مرّ السؤال في ذهنها، ونظرت ليديها التي تلطختا بالدم، ثم مرت صورتها في ذهنها بينما تقوم بجرحها، وهذا لم يجعلها إلا أن تنفعل أكثر.

اللعنة عليّ.

اللعنة على كل شيء، لماذا أنا هنا؟

.

.

مرة نوبة غضبها لفترة، وفي النهاية تستقيم. وجهها عليه علامات دم، شعرها مبعثر، عيناها خاويتان تمامًا، لا توجد فيها أي إنسانية.

تحدق بالزجاج على الأرض، ثم لمعصمها.

تقترب ببطء من الزجاج، قبل أن تمسك إحداها، تنظر لها بخواء مخيف.

وفي لحظتها شعرت بشيء يقف خلفها. لم تتحرك أو تغيّر وضعها، بل أكملت تقرّب الزجاج من يدها، لكنه اقترب أكثر، يمسك معصمها الذي يمسك الزجاجة.

ثم سُمِع صوت ضحكة خفيفة، لا تتضمن أي فكاهة، خلفها. كانت مستهزئة أكثر، وكأن ما فعله من إيقاف شخص من الانتحار شيء مضحك.

لكنه فقط بقي يمسك معصمها، ثم بيده الأخرى انتزع الزجاجة من يدها، قبل أن يلف ذراعيه حول خصرها، يجذبها نحوه. لحظتها تجمدت قليلًا مما فعل، لم تتحرك، بقيت ساكنة، تتركه يمسكها، تركته يقيّد عقلها.

.

.

.

.

.

.

.

.

يجلس أمامها، يضع قدمًا فوق الأخرى، مسترخٍ على الأريكة التي يجلس عليها، بينما تلك الطفلة تجلس أمامه، تضع يديها على ركبتيها، وشعرها الأسود الطويل ينتشر حولها، وتنظر للأسفل بطريقة بريئة.

تنهد قبل أن يجلس باعتدال، ينظر لها:

"ارفعِي رأسك، لماذا تتصرفين وكأنك معاقَبة؟"

رفعت الأخرى نظرها لتنظر له، وهو حدق بها للحظات. شعر أن هناك شيئًا مألوفًا فيها، قبل أن يزيل هذه الفكرة ويركز على ما يريده.

"إذًا، ما هو اسمك؟"

بقيت الطفلة تنظر له ولم تجبه. حينها أمال رأسه قليلًا يدرسها، بينما كتّف يديه لصدره:

"هل أنتِ بكماء، أو صمّاء؟"

بقيت تنظر له قبل أن تنطق بصوت منخفض جدًا:

"كارتينا."

حينها اقترب منها بسرعة ليسمع الاسم:

"كارتينا، صحيح؟"

أومأت الطفلة له برأسها، وحينها هو ابتسم قبل أن يحمل هاتفه ويتصل برقم معين، كان يسجل اسمه بـ"الجليد".

ثوانٍ حتى تلقى الرد:

"أظن أني وجدت شيئًا مثيرًا للاهتمام هنا."

"ماذا تقصد؟"

إجابة الذي في الجهة الأخرى، صوته هادئ وهو يتحدث.

"هناك طفلة تخفيها، قمت بأخذها."

"ماذا!!"

"كارتينا، هذا اسمها."

"لماذا أخذتها، بحقك؟"

بدا منفعِلًا قليلًا، وكأنه يود أن يعطيه لكمة على وجهه بطريقة ما.

"ماذا؟ أنت طلبت أن آتي هنا وأفسد عدة أشياء، ظننت أنك ستكون سعيدًا بهذا الشيء الثمين معي، يمكنك.."

"اصمت، اصمت، لا أريد سماع المزيد. اتصل بأنيستازيا ودعها تتصرف."

"أنيستازيا؟ ألم تعد لروسيا؟"

"لا، هي في كاليفورنيا الآن. اتصل بها وتصرف قبل أن أقطع رأسك."

"هذا بدل أن تقول شكرًا، ثيو، على هذه الخدمة الكبيرة في تسهيل الأمر لك."

"أنت لا تفهم."

ثم أغلق الخط في وجهه. حينها أبعد ثيو الهاتف، ينظر للذي أغلق الخط في وجهه، ثم أعاد نظره للطفلة التي لم تتحرك إنشًا من مكانها.

اقترب منها، يجلس القرفصاء أمامها لينظر لها.

"هل أنتِ جائعة؟"

حدقت به فقط. حينها تحدث مجددًا:

"لا تقلقي، أنا أجيد الطبخ، ليس كليًا."

وضع يده خلف رأسه بينما يتحدث.

"هل تحبين بانكيك؟"

فجأة تحدثت، وهو يشعر بمعجزة حقًا بمجرد أن تفتح فمها، لأنها منذ أحضرها منذ ثلاث ساعات حتى الآن لم تتحدث أبدًا أو تغيّر وضعية جلوسها. هل هي روبوت أم ماذا بالضبط؟

"بان.. كيك."

"أجل، هل تحبينه؟"

"لا.. أعلم."

تجعد حاجباه قليلًا من ردها. أولًا، وقبل كل شيء، من لا يحب البانكيك؟ وهو الشيء الوحيد الذي يجيد طهيه وبارع فيه.

وهي تقول لا أعلم. تسبب له صدمة كبيرة في حياته.

هو درامي بعض الشيء..

بقيت كارتينا تنظر له، بينما هو يضع يده على قلبه بدرامية:

"أوتش، هذا يؤلمني. هل تمزحين معي؟ ألا تعرفين البانكيك؟"

ثم استقام يحملها معه نحو المطبخ. حينها لفّت ذراعيها الصغيرتين حول عنقه، بينما تنظر له من قرب، ثم للطريق نحو المطبخ.

وضعها على الطاولة واتجه لإخراج المواد.

فجأة تحدثت للمرة الثالثة، ولكن ما قالته جعله يتجمد بينما يحمل الوعاء

"أنت تشبهها."

استدار ينظر لها:

"من؟"

"الفتاة التي كنت معها."

لم تنادِها أمي أو خالة، بل تلك الفتاة، فهي لا تستوعب معنى العلاقات، ومعنى الأم أو الأقارب.

وهو بقي يحدق قليلًا، يستوعب أنها تقصد أغنيست بحد ذاتها، قبل أن يضحك قليلًا ويضع الوعاء على الطاولة جانبها.

"يا صغيرة، لا أحد قد رأى وجهها من قبل، لهذا ما تقولينه غير منطقي."

"لماذا؟"

سؤال بريء يخرج منها، فأغنيست كانت لا ترتدي قناعًا أمامها بتاتًا، لهذا لا تعرف ما يقصده.

"لأن أغنيست ترتدي قناعًا طوال الوقت، لهذا لا أحد يعلم شكلها."

"هي لا ترتدي قناعًا."

وقف يرفع شعره للأعلى، يستوعب ما يجري. أولًا أغنيست تتبنى طفلة فجأة، والآن الطفلة تخبره أنها تراها دون قناع، وأيضًا تخبره أنهما يتشابهان. اللعنة، ماذا يجري؟

بينما لا يزال يفكر قليلًا، رنّ جرس الباب. تجعد حاجباه، من سيرن الباب وهو لم يطلب شيئًا من الخدم؟

تركها في المطبخ وذهب ليفتح الباب، ولكنه لم يجد شيئًا. نظر في الممر من الجهتين، ولكن لا أحد. وحين كان سيغلق الباب انتبه لشيء عنده.

ظرف..

انحنى يحمله، وعاد للمطبخ يفتحه. حينها وجد ورقة مكتوبًا عليها بخط أنيق، ومن الواضح أنه يعود لامرأة.

مكتوب..

_____________________________

"إلى العاهر الأحمق،

أريد مقابلتك في…"

(ذُكرت موقع ،مكان للقتالات غير القانونية موجود هنا في العاصمة واشنطن)

ابتسم قليلًا وأكمل قراءته:

"لأني لا أزال أريد تعليمك درسًا حول كيفية النظر للمرأة، أيها الحقير."

_______________________________

فقط هذا ما كُتب. حينها ابتسم، لأنه حقًا متشوق لرؤيتها للمرة الثالثة. اللعنة، وأيضًا سيكون قتالًا. الأدرينالين يجري بسرعة في عروقه. إن لم يكن ثيو الذي يحب إقحام نفسه بكل شيء، سواء قتالات، سباقات، أو حفلات، فهو سيموت حرفيًا إن جلس فقط دون فعل أيٍّ من هذه.

ولكن ما جعل ابتسامته تختفي حين رأى كارتينا أمامه.

حينها عاد عقله لمحادثته مع أليساندرو حين أخبره أن يتصل بأنيستازيا.

بسرعة ذهب يحضر هاتفه واتصل برقمها، حيث كان يلقبها بـ"المزعجة".

كان يتجول في المكان ذهابًا وإيابًا بينما يردد:

أجيبي.

أجيبي.

أجيبي.

عند الرنة الخامسة، أجابته:

"ماذا؟"

"يا له من ترحيب حار."

"اخرس، وتحدث، أنا بمصيبة."

"سأساعدك إذا ساعدتِني بالمقابل."

"حقًا! اللعنة، أنا محظوظة. كان يجب أن تتصل أبكر من هذا. إذًا لماذا تأخرت.."

قاطعها، لأنه إن لم يفعل ستستمر بالحديث:

"أريدك أن تعتني بطفلة."

"ماذا!! هل لديك طفلة؟ أيها العاهر، متى حدث.."

قاطعها مجددًا:

"ليست طفلتي، اخرسي رجاءً، دعيني أكمل ولو لمرة واحدة."

"حسنًا، حسنًا."

"لقد خطفتها، وأريدك البقاء معها فقط قليلًا حتى أنهي بضع أشياء."

"أنت تعلم أني في كاليفورنيا؟ أين أنت على أي حال؟"

"العاصمة واشنطن، اللعنة، بعيد."

"ما هي مشكلتك على أي حال؟"

"أنا محبوسة داخل غرفة إحدى أفراد عائلة بروغسي."

"أنتِ لا تزالين هناك منذ تلك المرة؟"

"تقريبًا."

"ولماذا محبوسة أنتِ هناك؟ اخرجي وانتهى الأمر، لما تصعبين الأمر؟"

"الحقيقة، لقد أمضيت ليلة مع أحدهم."

"ماااذاااا!!!!"

"والآن يرفض أن يدعني أذهب."

"وأنتِ لماذا أنتِ حمقاء للغاية؟ أي شخص جميل ووسيم ذهبتِ معه."

"اخرس، ليس وقت عتابك. أريد حلًا هنا."

"سأدعو لكِ، لدي أمور أخرى أتدبرها."

"والطفلة و.."

أغلق الخط في وجهها، وتنهد بشدة. أنيستازيا بمصيبة، وهو ليس لديه وقت لها.

نظر للطفلة، اللعنة، تلك أيضًا. لماذا هي مخيفة جدًا وهي فقط تجلس بنفس الطريقة كالدمية؟

هل عليه أن يخلف ميعاده ويبقى، أو ماذا يفعل؟ آآآآآ هذه مصيبة. لماذا اختطفها من البداية؟ لم تكن من الخطة أساسًا. عليه الآن تحمل نتائج أفعاله.

عاد للمطبخ ينهي إعداد البانكيك بينما يفكر بحل.

وبينما يفكر، تذكر اسم عائلة تلك الفتاة. إيفا كارسين. عائلة كارسين تمتلك أختين، إيفا والأخرى لا يعرف اسمها، ولكن إن كانت هنا سيكون رائعًا جدًا.

أخذ هاتفه يتصل بأحد رجاله يستفسر عن هذا. حينها أنهى طبق البانكيك وجلس على الطاولة معها كي يأكلا.

أتته رسالة تخبره أن أختها في بريطانيا، ليست معها. حينها فقد الأمل في كل الحلول. لا يوجد سوى حلين: أن يخاطر ويأخذها معه، أو ينسى ذلك اللقاء ويبقى.

وهو بالطبع اختار.

.

.

.

.

كان يجلس في سيارته يقود نحو الموقع، بينما كارتينا تجلس في المقعد الآخر بهدوء شديد يخيفه للآن.

الأحمق فعلها وخاطر وأخذها معه.

وصلوا للمكان، حملها ودخل، ووضعها في مكان يمكنه رؤيتها إن كان في الحلبة، ومخفي في ذات الوقت عن الأشخاص إن لم يركزوا بالطبع.

"انظري، ابقي ساكنة هنا كما تفعلين دائمًا. لن أتأخر، أتمنى، ولكن لا تنسي، ابقي. إذا حصل شيء سوف آتي أنا، راقبي أو اصرخي… هل تستطيعين الصراخ؟ أيا يكن، فقط حسنًا، وداعًا."

استقام يقترب من تلك الفتاة التي كانت تتحدث مع أحدهم. كانت ترتدي الأسود كليًا، كنزة بأكمام سوداء ملتصقة بجسدها تبرز منحنياتها الخطيرة، وبنطال رياضة أسود لسهولة الحركة، وحذاء أسود. تجمع شعرها مثل آخر لقاء في المصعد على شكل ذيل حصان مثالي. لم تكن ترتدي تلك النظارة، وتبدو مثالية مع الحلق على شفتيها.

اقترب حتى ظهر في مجال رؤيتها. حينها منحته ابتسامة خطيرة، وكأنه فعل أول خطوة نحو الهلاك لأنها تريد قتله، وهو يستمتع بهذا.

"إذًا، آنسة كارسين، لم أتوقع أن تكوني بهذه الجرأة لدعوتي لقتال."

"أوه، عزيزي، سوف تتمنى لو أني لم أفعل."

"أتطلع لهذا حقًا."

"إذًا، من بعدك، تفضل."

أعطاها ابتسامة جانبية وهو يدخل، ولكن ليس قبل أن يتأكد أن كارتينا بخير.

دخل الحلبة ونزع كنزته، يرميها خارجًا، يظهر عضلاته ومع وشم عند خصره. ولكن ليس وقت التأمل، لأن الأخرى دخلت خلفه بسرعة، وحينها تقدمت بسرعة لتبدأ القتال. سددت لكمة عند معدته، لكنه تخطاها، ولكن ليس كليًا، لتصبح اللكمة عند خاصرته، مكان الوشم الجميل.

وحينها بدأ الجد. بدأ هو أيضًا يقترب ليسدد لكمات لها، ولكنه يحاول ألا يؤذيها كثيرًا، لأنها تبدو..

لكمته في وجهه بقوة جعلت أنفه يسيل.

اللعنة، إن لم أكن أقوله، سوف ألقنها درسًا.

استمر القتال هكذا، كلاهما يريد أن يُري الآخر من الأقوى والمسيطر. لا أحد منهما سيستسلم قريبًا. الجمهور متحمسون يهتفون بقوة، بينما هناك على الجهة اليسرى يقومون بالرهانات على الفائز.

كارتينا، التي بعمر الخمس سنوات، تنظر للعنف. حينها بدأ تنفسها يتسارع، أصبحت خائفة، تمسك يديها قربها بقوة، تنظر حولها بارتباك وخوف. الأشكال هنا مخيفة، شوارب وبنيات ضخمة ووجوه غبية. انكمشت في زاوية، تغمض عينيها بقوة، تتذكر كيف كانت تعاني في ذلك الزقاق. تنهمر دموعها بغزارة، وحينها فجأة أمسكها أحدهم.

"أوه، ماذا لدينا هنا.. وجهك جميل.. مم، لستِ سيئة، يمكنني بيعك بسعر ممتاز.. ولكن ما الذي أحضركِ لهنا يا صغيرة؟"

ثم ضحك، ينوي سحبها معه. وعيناها توجهتا نحو الحلبة. لقد أخبرها أنه سيراقبها ويأتي إن حدث شيء، ولكنه لا يفعل الآن.

تذكرت أنه قال لها أن تصرخ. فتحت فمها لتفعل، ولكن لا شيء خرج، سوى أن شفتيها كانتا ترتجفان خوفًا ومن بكائها الصامت.

سحبها الرجل بينما يتحدث بخطته لها وكأنها تهتم. كانت فقط تنظر للحلبة، لا تزال تمتلك القليل من الأمل أن يأتي. لقد وثقت به.

كان مندمجًا بشدة. وحين دفعها وأصبحت في الطرف الآخر، حينها رفع نظره ليتأكد بسرعة منها. حينها لم يرها.

أصبحت دقات قلبه قوية، ولم يلاحظ أن إيفا تسللت من خلفه وتطيحه أرضًا، ولكنه كان منشغلًا بالبحث عنها. وأخيرًا وقعت عيناه عليها مع الرجل الذي يسحبها.

حينها بسرعة عكس الوضعية، يضع إيفا أسفله، ثم استقام يخرج من الحلبة، يتقدم بسرعة نحو الرجل. حينها قام بلكمه بقوة، وارتطم وجهه بالحائط.

سحب كارتينا، يضعها خلفه، وبدأ بلكم الرجل بقوة دون توقف. تحول هتاف الجمهور لشهقات وصدمات مما يجري.

وإيفا وقفت تنظر لما يجري. لم يتوقف ثيو حتى وقع الرجل، لا يعلم هل مات أو أغمي عليه فقط.

ثم استدار لينظر لكارتينا التي تبكي بصمت، ووجهها الجميل البريء كان خائفًا جدًا.

اللعنة، كان خطأه. كل هذا خطأه. لقد أحضر شيئًا بريئًا لهنا. إنه وحش.

نزل لمستواها، وقبل أن يفعل أي شيء، اقتربت تحتضن عنقه بقوة، جعلته يتجمد قبل أن يحتضنها أيضًا ويعتذر:

"آسف، آسف، أنا أحمق غبي."

ثم حملها تحت نظرات الجميع، ومن ضمنهم إيفا، التي اقتربت، وحين وصلت أمامه حتى صفعته بقوة.

هو لم يتحدث أو يفعل شيئًا، سوى أنه نظر لها.

"أيها الوحش الأحمق، كيف تجرؤ على إحضار طفلة لهنا؟"

لم يتحدث، لقد كانت على حق تمامًا.

ولكن ما فعلته تاليًا هو أنها أخذت الطفلة لتخرج من المكان وهي معها، وخرج وهو تبعها فقط دون كلمة.

ركبت في سيارته، وكارتينا في حضنها تحتضنها، بينما يقود ثيو بصمت حتى وصلوا لمكان سكنه.

. .

نامت، لذا وضعتها إيفا في غرفة النوم، وعادت للصالة حيث كان يجلس هناك بنفس وضعه، عاري الصدر بضروحه وكدومه، يجلس هناك يضع يديه على ركبتيه ورأسه منزل للأسف.

اقتربت تجلس على أريكة أخرى.

"طفلة من؟"

"اختطفتها."

"إذًا أعدها، لماذا تفعل هذا؟ أليس عارًا على عائلة سيلفادور هذا؟"

"اللعنة، اصمتي فقط."

"كيف تريد اصمت عن هذا؟ إحضار طفلة صغيرة لمكان قتالات غير قانونية، من سحبها كان يريد بيعها، ألا تدرك الخطر؟ في علمنا بعد، أو أنك أخرق فقط؟"

تحدثت بانفعال تصرخ به، مما جعله يصرخ أيضًا، لأنه لم يرد هذا ولم يكن يقصد، اللعنة عليه فقط.

"اصمتي فقط، أنت لا تفهمين، وأيضًا أجل، إنها ابنة أغنيست، وأيضًا ليس وكأني تعمدت ذلك، ولكن هذا ما كان أمامي من خيارات."

"لحظة، لحظة.. ماذا قلت؟"

"لم يكن لدي خيار."

"ليس هذا ما قبله."

"ماذا تريدين؟"

"ابنة من؟"

"أغنيست بالتبني."

"وأنت لديك الجرأة لاختطافها؟"

. .

. .

المكان هادئ، ذهب هو ليستحم، بينما كانت تجلس تستوعب ذلك للآن. حين عاد أيضًا لم يكن يرتدي قميصًا، وبنطاله كان منخفضًا عند وركه قليلًا. جلس بينها يجفف شعره بمنشفة.

حينها حدقت به من أعلى لأسفل، ومن أسفل لأعلى، وهو لاحظ ذلك ليبتسم بجانبية.

"الآن من ينظر ويتأمل من يا آنسة؟"

أبعدت نظرها فورًا.

"كنت أنظر للوحة خلفك، أنت لا تمتلك أي شيء يستحق النظر."

"هل تمزحين معي؟ ألا ترين هذه العضلات الرائعة أو وجهي الوسيم الذي حطمته؟"

"أنت قلتها، حطمته، إذًا لا شيء لديك."

"حمقاء."

"أبله."

ثم استقامت واتجهت نحو الباب، ولكن قبل أن تخرج أطلت عليه:

"لا تنسَ أن تعيدها، وأيضًا أتمنى أن تبقى حيًا، لأن قتالنا لم ينتهِ بعد."

.

.

.

.

ما رأيكم فصل نفسي

فصل عبيان توتر وشوي يمكن من الحقائق

الحقائق لا تتوقف هنا لأن لدينا الكثير للكشف

لماذا قالت كارتينا لثيو انه يشبه اغنيست

هل هذا حقيقي او لا ?

او ماذا سيحصل لأنيستازيا المسكينه

وغيره الكثير انتظرونا الفصل القادم

وداعا🍸

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

≪خيوط متشابكة≫

المؤلف Agnest
2025/07/15 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة