_"اتركيها ليلي! ستكسرينها!"
_"لم ألمسها بعد!"
_"قلتُ اتركيها! اغربي عن وجهي يا شقيّة!"
.
.
.
ركضَتْ ليلي إلى غرفتِها و أوصدَتِ البابَ وراءها في هذه المرّة ؛ ليلي تعرفُ بأنّها مشاغِبة ، لكنّها ترى أنّهم يستحقّون ما تفعل ، فهم لا يُحِبّونها.
كانَتْ قَدْ رمَتِ الزّهريّةَ أرضاً بعدما وُبِّخَتْ لمحاولةِ انتزاعِ الزّهورِ منها ، و هربَتْ من أُمِّها مع علمها بأنّ أحداً ليس في البيتِ لتتحامى به ، عندما يأتي والدُها تذهبُ إليه ، و عندما كانَ علي معهم في المنزلِ كانَ يتشاجرُ مع الجميعِ لأجلها ، حتّى يارا و فاتن قَدْ تحميانها من أُمِّها ، لكنّها الآن وحيدة ، وحيدةٌ تماماً.
جلسَتْ أمامَ الباب ، تكوّرَتْ على نفسها و هي تدعو لئلّا يمسّها أحدٌ بسوء ، و دموعُها تسرحُ على خدّيها الصّغيرين ، هي خائفة ، ليلي خائفةٌ كثيراً.
ثوانٍ ، دقائق ، لا تدري كم ، و لم تأتِ أُمُّها بعدُ لتطرقَ على البابِ كالعادة ، لا بدَّ أنَّها شُغِلَتْ بشيءٍ ما ، ربّما بمكالمةِ علي ، أو بانتقاءِ ملابسها..
علي!
لو خرجَتِ الآن ستضربُها طبعاً ، و لو لم تخرج ستفوّتُ مكالمةَ أخيها الصّباحيّة ، و سوف يخاصمُها طبعاً ، ربّما سيأتي و سيجلسُ في البيتِ و يكلّمُ الجميعَ دون أن ينظرَ إليها ، هي تكرهُ عندما ينزعجُ منها.. ماذا ستفعل؟
_"هذا علي يريدُ أن يكلّمكِ ، افتحي البابَ قبلَ أن يغضب"
نادَتْها من خلفِ الباب ، فقفزَتْ بلهفةٍ من حيث كانَتْ ، مسحَتْ دموعها بسرعةٍ و فتحَتْ قفلَ الباب ، فكّرَتْ في لحظةٍ مُعيّنةٍ قبلَ إتمامِ العمل ، ماذا لو ضربتها بعدَ نهايةِ المكالمة؟ ماذا ستفعل؟
_"ها أنتِ يا شقيّة!"
شدّتْ والدتُها ضفيرتها الصّغيرةَ و أخرجتها من خلفِ الباب ، أصدرَتْ ليلي صرخةً مدويّةً لشدّةِ الألمُ و الفزع ، و أمسكَتْ يدَ أُمِّها تحاولُ أن تفلّت ضفيرتها ، لكنّها لم تستطع ، فقدِ انهالَتْ عليها الصّفعات ، و لم تنتهِ إلّا بصوتِ مكابحِ الباب ، لقَدْ عادَ أحدُهم لينجدَ الصّغيرة.
و بالفعل ، كانَتْ يارا تلك العائدة ، و قَدْ بلغَتْها أصداءُ صرخاتِ الطّفلةِ مُذ كانَتْ في الخارج ، لذلك أسرعَتْ فتحَ البابِ و العدوَ بحثاً عنها ، و البنتُ استغلّتِ الأمر ، انسلّتْ من بين يدي والدتِها و ركضَتْ نحو الباب ، هنالك حيث التقَتْ بيارا
_"ليلي! ماذا هنالك؟"
_"أُمّي ضربتني"
_"لماذا؟ ماذا فعلتِ؟"
أجهشَتْ ليلي بالبكاءِ مُذ سألتْها ، لم تعرف يارا كيف تواسيها ، فربّتَتْ على شعرها و حسب ، كالعادة ؛ كانَتْ يارا غاضبة ، بل كانَتْ تستشيطُ غضباً ، و والدتُها قَدْ تنبّأت بهذا الغضبِ قبل أن تضربَ البنتَ حتّى ، فيارا ، ربّما ، ترى نفسها الصّغيرةَ في ليلي ، لا ، يارا ترى في ليلي نوراً ما ، نوراً يميّزُ بعضَ الأطفالِ في نظرِها ، نورَ محبّةِ اللّٰه ربّما ، و لربّما هذا خيالٌ في رأسها و حسب ، لكنّها تتصرّفُ بموجبِه ، تشعرُ على أساسه
_"اغسلي وجهكِ ، سآخذُكِ في نزهة"
ضحكَتْ و هي تبكي ، ثمَّ ركضَتْ بأقصى سرعةٍ نحو الحمّامِ كي تغسلَ وجهها ، لم يتوقّف بكاؤها حتّى و هي تضحك ، و لم يتوقّف و هي تغسلُ وجهها ، دموعُها لا تتوقّفُ أبداً و دون أن تعي ذلك أو سبباً لذلك ، فقلبُها من يبكي ، روحُها من تبكي ، تبكي نفسَها.
و أختها لم تتحرّك من مكانها ، شهدَتْ أمّها تقطعُ الطّريقَ بين الغرفِ و المطبخ ، مطأطئةً رأسها ، و لم تقل إحداهما شيئاً ، الأمُّ تخشى تداعياتِ ما فعلَتْ على أطفالها ، تخشى أن يخبرَ أحدٌ علي مدلّلها ، فقَدْ أقسمَ لها في المرّةِ الماضيةِ أنّها لو أذتها من جديدٍ لن يكلّمها أبداً ، و سيأتي ليأخذَ الصّغيرةَ معه رغماً عن أنوف الجميع
_"أما أنهيتِ يا ليلي؟"
_"أنهيت!"
خرجَتْ ليلي من الحمّامِ و نصفُ ملابسِها مبتلّة ، تأمّلَتْ يارا منظرَها أكثر ، شعرُها البنيّ المربوطُ الذّي خرّبته أُمّها قَدْ لملمته بالماءِ بطيش ، و كنزتُها البرتقاليّةُ الصّيفيّةُ وصلَتْ تلابيبُها إلى الكتف ، و أصبحَتْ تُعصَرُ لكثرةِ الابتلال ؛ بدأَتِ الشّابّةُ تقهقه بصوتٍ خافت ، انتقلَ إلى أن أصبحَ نوبةَ ضحكٍ عاليةَ الأصداء ، فالصّغيرةُ قَدْ عبسَتْ ، صحيح ، هي لا تصلُ إلى مرآةِ الحمّامِ كي ترى ما فعلَتْ
_"ما بكِ أُختي؟"
سألَتْ ليلي بصوتٍ خفيض ، جعلَ أختها تتوقّف ، هذه الطّفلةُ في حاجةٍ إلى لمسةِ الأختِ الجميلةِ السّحريّةِ الآن ، و يارا بالذّاتِ الأكثرُ خبرةً في هذه الأمور.
أخذتها إلى الغرفة ، جفّفت لها ما بلّلت بالمنشفةِ في أثناءِ كانَتِ الصّغيرةُ تتدغدغُ و تضحك ، اختارَتْ لها فستاناً أبيضَ مرقّطاً بالأحمر ، و حذاءً أبيضَ اشتراهما علي لها في عطلته الماضية ، و مشّطَتْ شعرَها و أعادَتْ ربطَه بشريطةٍ حمراء ، كانَتْ على شفا وضعِ أحمرِ شفاهٍ لها ، لولا أن تذكّرَتْ أنّها طفلة ، و لولا أن شعرَتْ بأنّها الآن أجملُ الجميلات ، و ليس هنالك من دافعٍ كي تغيّرَ فيها شيئاً ، بل على العكس ، يجبُ تغييرُ العالمِ كي يلاءمَ ملاكَها ، فكّرتْ يارا.
سحبَتْها من يدِها نحو الخارج ، لم تعد ليلي تبكي ، بل أصبحتِ الآن تشكرُ البكاءَ لأنّه وفّرَ لها فرصةَ جرعةِ السّعادةِ العظيمةِ هذه ، لا أبداً ، هي لم تعد تذكرُ أنّها قَدْ بكَتْ ، حُذِفَ المشهدُ كلُّه من رأسها بسرعةٍ قياسيّة ، و طُهّرَتْ روحُها من جراحِه ، تأملُ أختها.
غادرَتِ الأختان البناء ، وصلتا إلى حديقته الأماميّة ، ألقَتْ يارا السّلامَ على جارهم بينما كانَتْ أختُها تتأمّلُ الزّهورَ التّي يسقيها ، بعضها لونُه أحمر ، و بعضُها أبيض ، و بعضُها أصفر ، و بعضُها بألوانٍ أخرى ، ليلي لا تميّزُها بعد ؛ فكّرَتْ في قطفِها ، في أن تأخذَ واحدةً ليارا ، و واحدةً لإيلي ، و في أن تخبّئ واحدةً لعلي ريثما يعودُ من فرنسا ، كانَتْ تفكّرُ في ذلك قبل أن نعتتها أُمُّها بالشّقيّةِ و طردتها ، و كانَتْ تفكّرُ في ذلك عندما كسرت الزّهريّة ، كلُّ ما أرادته كانَ أن تحصلَ على الزّهورِ لأجلِ أحبابها ، و كلُّ ما حصلَتْ عليه كان.. صه! هي لا تذكر
_"عمّي.. هل تعطيني زهوراً؟"
سألَتْ بتهذيبٍ جعلَ الرّجلَ يبتسم ، تركَ أعمالَه و جلسَ القرفصاءَ أمامها ، بدا للطّفلةِ رجلاً طيّباً كمن يظهرُ في برامجها المُفضّلة ، و كما يبدو لإخوتها ، لقَدْ عاصرَ العمُ تحسين طفولةَ فاتن و علي و يارا كلّاً على حدى ، و اليوم ، يرى أختهم الصّغيرة ، و يشعرُ أنّه يراهم جميعاً فيها ، لوهلة
_"طبعاً يا حلوة! باقةُ زهورٍ لأجلِ عينيكِ الحلوتين!"
_"أريدُ واحدةً ليارا و واحدةً لإيليا و واحدةً لعلي"
_"ستذبلُ ريثما عادَ علي"
علّقَتْ يارا مازحة ، فعبست ليلي ، عبسةً جدّيّةً و لمّت شفتها السّفليّةَ إلى فمها الصّغير ، الطّفلةُ سريعةُ التّحسّس ، سريعةٌ جدّاً حتّى في هذا العمرِ الصّغير ، استنتجت أختُها
_"لا بأس ، سأخبّئ لكِ زهرةَ علي في الشّجرةِ ريثما عاد"
_"حقّاً!؟ شكراً لكَ عمّي!"
ندهَتْ بحماسةٍ سُرَّ بها الاثنان ، أخذتِ الزّهرتين المتبقّيتين و غادرَتْ مع يارا و فرحُها يكادُ يبلّغُها لمسَ القمر ، ستعطي الصّفراءَ ليارا ، و تلك التّي لا تعرفُ اسمَ لونها ستعطيها لإيلي ، و عندما يعودُ علي ، ستحضرُ له واحدةً حمراء ، لأنّ الأحمرَ لون القلب ، و علي أخوها قلب ، قلبٌ كبير؟
مرَّتْ بجانبِ ساحةِ اللّعبِ في الطّريق ، ألقَتْ نظرةً عليها ، لم ترَ إيلي منذُ أيّام ، إذ كانَتْ عطلةُ أُمّها و يستحيلُ أن تخرجَ فيها ، و قَدِ اشتاقَتْ إليه كثيراً ، كانَتْ تجلسُ أمام التّلفازِ طوال الوقت ، و كانَتْ تفكّر فيه أحياناً ، و تتمنّى أن يأتي إلى بيتهم على ظهرِ تنّين ، ليلي تحبُّ التّنانين
_"ليلي ، سأمشي مع شقيقِ فرح هنا ، هل تريدين البقاءَ معنا أم اللّعبَ هنا؟"
لمحَتْ ليلي إيليا يلعبُ بين الأطفال ، بعيداً بعض الشّيءِ من موطئهما ، لمحته يارا أيضاً بعد بعضِ التّمحيص ، كانَ يلعبُ بحذرٍ و حماسةٍ في عينِ الوقت ، يخبّئ يدَه كلّما اقتربتِ الكرة ، و يحاولُ الوقوفَ جانباً بكلّ قواه ، و طبعاً ليلي ، لم تعد تسمعُ شيئاً مُذْ رأته.
كانَتْ يارا تحاولُ أن توصلَ لها شيئاً ، لكنّها سكتَتْ تماماً مُذْ رأتها شاردةً و مركّزةً على الأطفال ، ماذا ستوصلُ لمن في سنّها؟
الأمرُ صعب ، يصعبُ عندما تشرحُه لذاتها أيضاً ، فرح صديقتُها المُقرّبةُ قَدْ أخبرتها البارحةَ شيئاً خطيراً ، أخبرتها أنّ شقيقها الأكبرَ حسن راغبٌ في التّقرّبِ منها ، و دون أن تشرحَ شيئاً ، حسن و يارا ؛ حسناً ، يمكنُ تصوّرُ فرحتها الهائلةِ بهذا الثّنائيّ لو وُفِّقَتِ العلاقةُ فعلاً ، و على الرَّغمِ من أنّها بيتُ أسرار كليهما ، أو لأنّها بيتُ أسرار الاثنين ، تعرفُ كم يناسبان بعضهما
_"ستبقين مع ذلك الفتى مجدّداً؟"
_"إيلي!"
تجاهلتها ليلي ، من جديد ، و نادَتْ على إيليا بصوتٍ حادٍّ رفيع ، لم يسمعه الطّفلُ في الجهةِ الأُخرى ، أو بالأحرى لم يفهم ما هو ، قَدْ يحسبُه قطّةً مخنوقة ، عصفوراً وقحاً ، نسراً أصلع ، أيُّ شيءٍ إلّا ليلي الصّغيرة.
تنهّدَتْ يارا ، شكرَتْ ربّها سبعَ مرّاتٍ لأنّ الشّارعَ فارغ ، و لكيلا يتكرّر ما حدث ، أمسكَتْ يدَ ليلي بإحكامٍ و وجّهتها نحو ساحةِ اللّعب ، كادَتِ الأخيرةُ ترقصُ لشدّةِ حماستها ، بخاصّةٍ عندما لمحهما إيليا قادمتين ، و أوقفَ اللّعب.
لم يصعب على يارا تمييزُه من بين الصّبية ، فقَدْ كانَ وجهُه دائريّاً ذو خدّين كبيرين ، لا تدري لماذا ذكّرها بحسن ، مع أنّ الشّبه أبسطُ ما يكونُ بين الاثنين و هي على أتمّ العلمِ بذلك ، لا تدري ، فعلاً.
تقدّمَ الصّبيّ منهما بعدما أوقنَ بأنّه المقصودُ بالنّظراتِ و التّوجّه ، ألقى التّحيّةَ و ابتسمَ للطّفلةِ الفرحةِ برؤيته ، لقَدْ رأى يارا من قبل ، ليس مستغرباً
_"أنا يارا ، شقيقةُ هذه الشّقيّة ، جئتُ أشكرُكَ عوضاً عنها"
ابتسمَ بحياء ، ثمّ ضحكَ بصوتٍ عذبٍ إذ لحظَ عبوسَ ليلي الشّقيّةِ و اعتراضها على هذا النّعت ، لم تعترض من قبلُ عليه طبعاً ، لم تعترض سوى في هذه المناسبةِ الخاصّةِ جدّاً ، ستريها يارا ، ستخبرُ علي ليتصرّف ، لا ليس إلى هذه الدّرجة ، هي تمازحُ نفسها.
شدّتْ ليلي كنزتها من أسفل ، تودُّ أن تتركهما يلعبان و تسكت ، ابتسمَتْ يارا و توجّهت بالنّظرِ إلى إيلي ، الذّي و ياللمفاجأة ، كانَ يعرفُ ما تفعل ، على أيّة حالٍ هي سعيدة ، ملاكُها الصّغيرُ يكبرُ بسرعة!
_"تريدُ أن تبقى معك ، هل لديكَ أيّةُ مشكلة؟"
_"لا أبداً"
_"سأكونُ هنالك لو احتاجَني أحد ، شكراً لكَ من جديدٍ عزيزي"
ابتسمَ من جديد ، و تناولَ يدَ الصّغيرةِ من يدها ، أحسّ بأنّه يستلمُ مسؤوليّةً عليه أن يحرصَ عليها جيّداً ، كما يقولُ أستاذُ اللّغةِ في المدرسة ، حسبَ الأمرَ ثقيلاً في البداية ، بيدَ أنّه و مع الوقتِ و مع مغادرةِ يارا تهاون ، و بسرعةٍ قياسيّةٍ أيضاً.
التفتَ إلى البنتِ ذي الزّهرتين ، فاستبشرَ وجهها ، و فجأةً ، تحوّلتِ الأزهارُ من جوارها إلى أمامه تماماً ، هديّة ، ليلي مهذّبةٌ و لطيفة ، هي فعلاً ليسَتْ شقيّة ، و لم تكن منزعجةً فقط لأنّها نعتت بذلك
_"هاتان لي؟ شكراً لكِ"
أغمضَتْ عينيها تومئ له ، فربّتَ على رأسها سعيداً ، و بعثرَ قليلاً من شعرِها حسنِ التّصفيف ، هي قريبةٌ من قلبه ، هو موقنٌ بذلك
_"هيّا تعالي نلعب معاً"
دلع☆