تطايرَت مجموعاتُ الأوراقِ المُصفرّةِ مع كلِّ هزّةٍ لجذعِ الشّجرةِ الرّفيعِ الفتيّ ، و تهافتَتْ أمام عينيّ طفلةٍ صغيرةِ الحجم ، الجذعُ كانَ مُحاطاً بذراعي مراهقٍ نحيلٍ ذي بسمةٍ رقيقة ، كانَ مسؤولاً عن خضِّه و هزِّه ، يخضُّه مع كلِّ ذروةٍ تبلغُها قواه و يقفُ ليرى كيف ستتفاعلُ شقيقتُه الصّغيرةُ مع المنظر؛
علي هو الوحيدُ الذّي يلاعبُ يارا الصّغيرة ، فبناتُ الحيّ لا يخرجن كثيراً ، و ليس هنالك في العائلةِ من في مثلِ عمرِها ، ليس هنالك غيرُ بيتهم في المدينةِ حتّى ، أختها فاتن بالغةٌ لا تلعب ، تكبرُها بخمسِ سنوات ، و ليلي تصغرُها بأربع عشرة و ليسَتْ قادرةً على الخروجِ و اللّعبِ بعد ، ما تزالُ رضيعة.
أمّا علي العزيزُ الذّي بلغَ حديثاً جدّاً ، فلا فرقَ لديه بكم يكبرُها ، سيظلُّ يلاعبُها و يحدّثُها و يصطحبُها إلى حيث تريد ، كانَتْ يارا الصّغيرةُ رفيقةَ عمرِه و الأقربَ إلى قلبه ، هي و ليلي طبعاً ، تلك طفلتُه ، تهدأ بين ذراعيه أكثر ممّا تهدأ مع والدتها ، و هو من أطلقَ عليها اسمَ ليلي يومَ وُلِدَتْ ، أبوه كانَ واثقاً من أنّه سيوقعُ البيتَ على رؤوسهم لو لم يفعل ما أراد.
طارَتْ إحدى الأوراقِ بعيداً مع نسمةٍ قويّة ، لحظتها يارا فوراً ، حسبتها فراشةً تطيرُ وحدها مع هواءِ الخريفِ الرّطب ، فسعَتْ وراءَها ، تبعتها بخطا سريعةٍ و خفيفة ، كانَ علي في ذلك الوقتِ يخضُّ الجذعَ و لم ينتبه لحراكها ، و عندما أنهى و التفتَ إليها ، لم يجد أحداً..
_"يارا!"
ندَه بصوتٍ ثابت ، و هرعَ يبحثُ عنها خلف الأشجارِ و في محيطِه الواسع ، أخته حجمها صغيرٌ جدّاً بسبب سوء التّغذية ، كانَ واثقاً من أنَّ النّاسَ لو بلغوها سيحملونها و يهربون بها دون أن يشعروا بأيِّ عبء ، سيسرقونها كما سرقوا لعبته منذُ وقتٍ طويلٍ في ساحةِ اللّعب ، دميةَ البناتِ التّي طالما سخروا منها ، ما لبثَ ينشغلُ عنها قليلاً حتّى اختفَتْ ، إلى الأبد.
تلفّتَ حائراً ، عشرةَ تلفّتاتٍ في دقيقةٍ و ربّما أكثر ، بدأ الخوفُ بسطَ سيطرتِه على لبِّه ، و في غضونِ ثوانٍ كانَ قَدِ احتلَّ رأسه ، كادَ يجنُّ و يصرخُ لولا أن..
_"علي.."
رنَّ صوتُها النّاعمُ فجأةً في رأسه ، فوجدَ نفسه يستديرُ بحثاً عنه؛ كانَتْ تختبئ وراءَ شجرةٍ مجاورةٍ و تسترقُ النّظرَ إليه ، بخجل ، في الواقعِ كانَتْ خائفة ، تخشى أنّه قَدْ غضبَ عليها لتسلّلها من أمامه على هذا النّحو ، و سوف لن يصطحبها من جديدٍ في نزه ، و قَدْ يخبرُ أباهما ، لقَدْ عاقبَها ذاتَ مرّةٍ في مثيلٍ لهذا الموقف؛
بلغَ خيالُ البنتِ كلّ هذه الأماكنِ في غمضةِ عين ، و منذُ اللّحظةِ التّي سمعته فيها يصرخُ باسمها ، يارا لديها قلقٌ منذُ وقتٍ طويل ، أخبرتِ المُعلّمةُ أُمّها عن هذا الأمرِ مُذْ كانَتْ في الابتدائيّة ، و والدتها ظنّتِ الأمرَ مجرّدَ كلام ، لم تعره الكثيرَ من الاهتمام ، ثمّ غفلَتْ عنه مع الوقتِ لانشغالها بأمورِ البيتِ و المتجر ، و ولادةِ ليلي نعم
_"أخفتِني عليكِ! تعالي هيّا!"
خرجَتْ من خلفِ الشّجرة ، و ببطءٍ شديدٍ اتّخذَتْ خطوتين في اتّجاهه ، ثمّ وقفَتْ تلملمُ نفسها ، كادَتْ تسألُه ألّا يشي بها مع الكثيرِ من الدّموعِ و الاستعطاف ، بيدَ أنَّه كانَ على عجلةٍ من أمره ، أسرعَ الحذوَ نحوها و تناولَ يدها من حيث كانَتْ ، احتواها في كفِّه و شدّ عليها لئلّا تفلت ، و ابتسمَ لها ، ابتسمَ علي
_"تُحِبّين الغميضة"
_"نعم.."
_"هذا ليس عدلاً ، يجبُ أن أعرفَ عندما تبدأ اللّعبة ، خسرتُ و خفتُ عليكِ"
_"لا تخف عليّ علي.. أنا في الإعداديّة.. كبيرة"
_"كبيرة؟ انظري إلى نفسكِ يا كعكة ، تبدين في الحضانة"
ضحكَتْ لمداعبته بصوتٍ عذب ، تُحِبُّ عندما يناديها باسمِ كعكة ، هو الوحيدُ في العالمِ الذّي يفعل ، لا أحدَ يشبهُ عليّاً في شيء ، لا أحد.
سارَتْ إلى قربه حيث اصطحبها ، سيقصدُ البيتَ ليأخذَ من حصّالته بعض المال ، سمعَ أخته تطلبُ من أمّه بعض المالِ لشراءِ البوظةِ صباحاً ، و لم تعطها ، تقولُ أنّ مصاريفَ البيتِ تزدادُ و تتضاعفُ منذُ ولادةِ ليلي ، هو لا يُحِبُّ عندما يسمعُ هذا الكلام ، لا يريدُه أن يتكرّر ، سيفعلُ أيّ شيءٍ لئلّا يسمعه من جديد ، و لئلّا تسمعَه ليلي طوال حياتها ، أيّ شيء.
لم يكن البيتُ بعيداً ، و ما إن قربه الطّفلان ، لامستهما هالتُه المضطربة ، كانَتْ أصواتُ الشّجارِ المرتفعةُ قادرةً على جعلِ علي ينفرُ بسهولةٍ منه ، والداه لا ينفكّان يتشاجرا إذا ما اجتمعا في البيت ، أُمُّه تعتقدُ أنّ أباه لا يقومُ بواجبه ، و تخبرُه أحياناً على سبيلِ الإهانةِ أنّه ليس رجلاً طالما ليس قادراً على إعالةِ بيته كما يجب ، و أبوه يُجَنّ ، لقَدْ سئمَ الجميعُ من هذه الحال.
كانَ البابُ مفتوحاً وقت وصلا ، أبواهما في الصّالةِ الجانبيّةِ (يتناقشان) بصوتٍ عال ، لذلك دخلا سريعاً ، دلفَتْ يارا إلى غرفتها و هو أرادَ أن يحضرَ المالَ و يحملَ ليلي و يخرج ، سريرُها في غرفته يظلُّ مُذْ توقّفتْ أُمّها عن إرضاعها ، و إذا ما استيقظَتْ يتكفّلُ هو بإعدادِ الحليبِ لها ، أو يوقظُ فاتناً لتساعده ، والداه يتعبان كثيراً ، يحلمُ بتخفيفِ هذه الأعباءِ عنهما منذُ الصّغر ، و لكن.. لحظة..
_"هذه طفلتكِ! بنتُكِ! خرجتْ من جسدكِ يا.. ماذا أقول!؟ مهما قلتُ لن ينفع! أنتِ بلا إحساس!"
_"أحقّاً!؟ لماذا لا تقولُ هذا لنفسك!؟ طالما كانَتْ بنتك لماذا لا تستطيعُ تأمينَ شيءٍ لها!؟ ماذا تريدُها!؟ أن تعيشَ على الأرصفة!؟"
ازدردَ علي ريقَه ، بدأ يشعرُ بحرارةِ دموعه على خدّيه قبلما وعى بشيء ، كانا يتكلّمان عن ليلي دون ريب ، لا يستطيعان تحمّلَ نفقاتها بالمعنى الحرفيّ للكلمة ، كما لن يوفّرا لها تعليماً بهذا القدرِ الضّئيلِ من الكسب ، و هو.. ليست في يدِه حيلةٌ في الوقتِ الحاليّ.. ما يزالُ في الثّانويّةِ لم يتخرّج بعد..
دخلَ غرفته و أوصدَ الباب ، توجّهَ مترنّحاً إلى سريرِ شقيقتِه الغافية ، كانَتْ تغمغمُ و تنغّمُ في نومِها ، لا تفهمُ شيئاً ممّا يقولون ، و بريئةٌ منه كلّ البراءة ، ما ذنبُها هي؟ لماذا تُحَمّلُ كلّ هذا اللّومَ قبلَ أن تفتحَ عينيها على العالم؟ أهي من اختارَتِ الولادةَ في هذا البيتِ المشؤوم؟
لامسَ خدّها النّضرَ برفقٍ شديد ، مسحَ عليه بأصابعه ، و أسندَ صدره إلى الحاجزِ الخشبيِّ العالي المُحيطِ بالسّرير ، كانَتْ دموعُه تنسابُ بصمتٍ على وجهه ، و شهقاتُه تكتمُ بأشدِّ ما لديه من قدرة ، لا يريدُها أن تستيقظ ، لا يريدُ أن يزعجَ منامتها الحلوة.. أبداً..
_"ليلي حبيبي.. أقسمُ لكِ.. لن تحتاجي أحداً صغيرتي.. أنتِ طفلتي أنا.. أنا فقط.. ستعيشين أفضل من الجميع.. أعدكِ"
همسَ بأخفضِ صوتٍ لديه ، ثمّ تراجعَ رويداً من حيثُ كانَ واقفاً ، كانَتْ أنفاسُها الرّقيقةُ تعانقُ ظهرَ يدِه و هو يلاطفُ وجهها ، و أضحى سحبُها عليه ثقيلاً ، كيف يبتعدُ عن ملاكٍ نائمٍ و هو على أتمِّ العلمِ أنّه في خطر؟ ليس قادراً على ذلك ، لكنّه مضطرّ..
خالتُه تقترحُ أن تكفلَ ليلي في مونبلييه ، خالتُه ميسورةُ الحالِ و ليس لديها أطفال ، المشكلةُ أنّ والدته تفكّرُ في الأمرِ جدّيّاً ، هو.. هو لا يريدُ خسارةَ ليلي ، لا يريدُها أن تعيشَ و تتربّى بعيداً من موطنها ، لا يريدُها أن تشعرَ بالغربةِ و الثّقلِ و أن تقولَ في يومٍ أنّ أهلها تخلّوا عنها ، والدتها تفعل ، تلك المجنونُ تريدُ أن ترمي طفلته في مكانٍ بعيد..
تسلّلَ من الغرفةِ من بعدِ ما مسحَ وجهه ، ثمَّ و مُسرِعَ الخطا ذهبَ إلى الصّالة ، كانَ والداه قَدْ سكتا في ذلك الوقت ، كلٌّ جالسٌ في جهة ، و عندما دخل ، اكفهرَّ وجهُ والدته ، لم تكن تعرفُ أنّه هنا..
_"أبي ، انقلِ الادّخارَ من اسمي إلى اسمِ ليلي"
_"ماذا تقولُ يا علي؟"
_"أبي أنا أرجوك ، سأذهبُ إلى فرنسا أنا.. سأكملُ دراستي الجامعيّةَ عند خالتي ، و سأعملُ أيضاً"
_"لماذا تقولُ هذا!؟"
_"لو كانَ هنالك من يجبُ أن تتخلّيا عنه أرجوكما فليكن أنا.. لا تقتلا أخواتي بهذه الطّريقة"
دلع☆