الثّالث من بعد الأربعين

الثّالث من بعد الأربعين

68 0

أصعبُ المشاهدِ التّي مرّتْ على قلبي و حزّتْ فيه حزّ الزّجاجِ لم تكن لأحدٍ يضربُني ، أو لأحدٍ يصرخُ في وجهي ، أو لأحدٍ يُكرِهُني على شيءٍ أو يخونني أو شيئاً من هذا ، كانَتْ أربعةَ مشاهد ، أوّلُها لعلي في طفولتي البعيدة ، ثانيها لأبي يوم انتهاءِ إجازةِ علي في وقتٍ ما ، ثالثها لإيليا في الشّارع ، و آخرُها لفاتن في يومِ خطبتها؛

تلك المشاهدُ أصعبُ ما فيها أنّها غيرُ متوقّعة ، مُباغتةٌ و بشعة ، و على الرّغمِ من كونها طبيعيّةً و مقدّرة ، و من كونها حقّاً لبطلها ، كانَ فيها هذا البطل ، أقوى من أعرفُ و أكثرهم قدرةً على الصّمود ، منهاراً ، باكياً ، يسألُني أن أرحلَ من أمامه لئلّا يبانَ ضعفُه في العراء ، و لم أكن أرحل ، كنتُ أسلبُه حريّته في الانهيار ، أسلبه رفاهيّةَ أن يهوي من كلّ هذا الارتفاعِ و يرتاحَ أرضاً ، ينامَ هنا ، تحت جناحِ رحمةِ اللّٰه ، منتظراً قدرته العظيمةَ على إنقاذه من أكبرِ بلاء ، من الغمّ.

أذكرُ يومَ رأيتُ إيليا في الشّارع ، لقَدْ أخبرني أنّه وقعَ على الأرض ، كذبَ عليّ و على الرّغمِ من أنّ الكدمةَ كانَتْ ظاهرةً في وجهه ، لم يكن يمكنُ أن تكونَ نتاجاً لوقوعٍ أو شيئاً من هذا ، و فوق كلّ ذلك قطعَ عليّ سبلَ التّواصل ، و غادرَ بحجّةِ أنّ لديه مباراةً و ليس في إمكانه أن يتأخّرَ عنها ، لقَدْ أوصلني قريباً من بيتي و غادر ، كم رغبتُ في مرافقته ، في تشجيعه من الخلفِ كلّما اقتربَ من الشّباكِ و لديه الكرة ، أذكرُ تلك الرّغبةَ كم كانَتْ ملحّة ، و أذكرُ أنّه منعني عن ذلك ، و حرمَني استذكارُ أخي العظيمِ في البيتِ من اللّحاقِ به رغماً عنه ، كانَ علي سيُجَنُّ لو تأخّرتُ أكثر ، أعرفُه..

و لكن ، إيليا ، ألم نكن مُحِبّين؟ كيف تتركُني قلقةً عليك هكذا؟

على أيّةِ حال ، اكتشفتُ لوحدي شيئاً من الأمر ، إذ انتقلَ بعدَ ذلك الحدثِ مباشرةً للسّكنِ مع تيم ، إذاً المشكلةُ في بيته ، و عندما سألتُه عن تفسيرٍ لم يخبرني ، و أخذَ منّي وعداً بألّا أسألَه فيما بعد أبداً ، كنتُ أشعرُ بأنّني غريبةٌ عنه ، الجميعُ يعرفُ عن إيليا و حالِه و ظروفِه إلّا البنتُ التّي يُفترَضُ أنّه كانَ يُحِبُّها ، ذلك السّببُ الذّي جعلَني..

سأحكي لك فيما بعدُ يا كتابي ، اصبر قليلاً.

______

أمسكَتْ مدرّسةُ الرّسمِ بالطّلّابِ الهاربين من الحصّةِ الأخيرة ، أخيراً ، مجموعةٌ من الطّلبةِ السّعيدين جدّاً ، على رأسِهم زين و ليلي ، و احتجزتهم في غرفةِ الإدارةِ ريثما اتّصلَ كلٌّ بأحدٍ من بيته ، اتّصلَ زين بموسى ، الذّي سيتحفُه بشتّى أنواعِ التّوبيخِ و الملامة ، و ليلي ، أقدمَتْ على أغربِ فعلٍ قَدْ تقدمُ عليه ، اتّصلَتْ ببيتِ تيم ، إيليا لم يذهب إلى المدرسةِ مذِ انتقلَ إلى هناك تقريباً ، و أعطاها رقمَ البيتِ لكي تتواصلَ معه بحريّتها ، و ها قَدْ فعلَتْ ، لقَدْ سألته أن يأتي ليحلّ مشكلتها مع مدرّسةِ الرّسمِ بغيرِ أن يعرفَ أحد ، و ضحكَ هو ، سمعَتْ ضحكتَه من جديد ، أخيراً ، سمعتها و استبشرتْ بها بعدَ أيّامِ عبوسٍ و يأس ، إيليا.. ليس يائساً ، ترجو ذلك.

جلسَتْ تنتظرُه ، جاءَ موسى قبلَه و أخذَ زين ، و جاءَتْ والدةُ بنتٍ أُخرى و أخذتها ، و ظلَّتْ ليلي تنتظرُ مع نصفِ الصّفِّ الهارب ، ربّما لم يُسمح لإيليا بأخذها ، و لكن هذا صعب ، فمدرّسةُ الرّسمِ تعرفُه ، لقَدْ درسَ هنا و أحبّه الجميعُ كالعادةِ في المدرسة ، سمعته يتكلّمُ عنها من قبل ، عن مدرّسةٍ شابّةٍ شغوفةٍ تُحِبُّ طلّابَها ، حسناً ، لم تكن على هذه الحالِ في وجودِ زين

_"ليلي"

أشرقَ وجهها ما إن سمعت اسمها ، كانَتْ تظنُّ أنّها ستخرجُ كما خرجَ من قبلها ، و تغادرَ برفقةِ إيليا ، بيدَ أنّ مدرّسةَ الرّسمِ قَدْ غيّرتْ خططها بغتةً ، إذ دخلَتْ إلى الإدارةِ و أدخلَتْ خلفها شخصاً ما..

هذا إيليا!

_"أترون هذا الشّابّ؟ كانَ أفضلَ طالبٍ مرَّ على هذه المدرسة ، لقَدْ جعلني أُحِبّ الطّلّابَ جميعاً و أُحِبّ المدرسةَ و الرّسمَ من جديد ، و أنتم ماذا تفعلون؟ ليتكم تتعلّمون نصفَ أخلاقه"

نهضَتْ ليلي على عجلة ، و اقتربَتْ من الاثنين بغيرِ أن تستمعَ فعلاً إلى كلامِ المُعلّمة ، لم يكن وجهُ إيليا فخوراً كما يُفترَضُ بأيٍّ في مكانه ، بل كانَ جامداً ، شبهَ متجهّم ، و مائلاً إلى الانزعاجِ في شيءٍ من تعابيره.

نظرتِ المعلّمةُ في وجهِ ليلي بعدَ برهة ، و عبسَتْ ، هذا الوجهُ بريءٌ و ظريفٌ لا يمتُّ لتصرّفاتِ صاحبته بصلة ، أخلاقُها تُفسَدُ بصحبةِ زين ، و تخافُ المُدرِّسةُ أن تصلَ إلى مرحلةٍ لا ينقذُها فيها مُنقِذ ، كانَتْ تتمنّى رؤيةَ أبيها لتبلغه بهذا الكلام ، و لكن لا بأس بجارها المهذّبِ هذا ، مؤقّتاً

_"أخلاقُ ليلي تضيعُ مع زين يا إيليا ، أخبر أهلها بذلك ، يجبُ أن تبتعدَ عنه قبل فواتِ الأوان"

_"من زين؟"

_"صديقُ الآنسةِ المُفضّل"

تعمّقَ تجهّمُ وجهِ إيليا حتّى وصلَ إلى حافّةِ الغضب ، لوحظَ هذا التّغييرُ بسهولة ، فهو نادرٌ جدّاً على وجهٍ رائقٍ و هادئٍ كمثلِ هذا الوجه؛

لم يعرف من هو زين ، لم تحكِ له ليلي على الإطلاقِ عن صديقٍ مُفضّلٍ لها في المدرسة ، و صديق سوء أيضاً؟

ازدردَ ريقَه ، ثمَّ تراجعَ خطوتين نحو الخارجِ رغبةً في الاعتذارِ من المعلّمةِ جانباً ، و تبعته ليلي المتوتّرةُ ، الأخيرة قَدْ قرأتْ إشارةَ الخطرِ في عينيه المُضيّقتين..

_"كما تريدين مُعلّمتي ، نحنُ آسفان"

_"لا بأسَ عزيزي ، هيّا ، في إمكانكما الرّحيلُ الآن ، أتمنّى يا ليلي أن تتعلّمي من إيليا بدلاً من صحبةِ السّوء"

_"ح.. حاضرة.."

أشارَ لها برأسه كي تسبقَه ، و بالفعل ، خرجَتْ أمامه من الإدارة ، ثمَّ حذتْ حذوه إلى خارجِ المدرسةِ كلِّها ، إلى الطّريقِ الطّويلِ شبه الفارغِ الذّي تتشاجرُ فيه مع زين عادةً ، و كانَ حبيبها ساكتاً ، ساكناً سكوناً لم يبلغ علي شبيهاً بهيبته ، لم تستطع أن تقولَ له شيئاً ، لا أن تسأله عن السّببِ و لا أن تفكّرَ فيه ، كانَتْ تحبسُ أنفاسها خشيةَ أن تصدرَ صوتاً ، و الآن ماذا؟ ماذا ستفعل؟

_"من زين؟"

تنفّستِ الصّعداء ، أحسّتْ أنّ صدرها كانَ مكبّلاً ممنوعاً عن النّفس ، و كلامُ إيليا كانَ المفتاح ، مفتاحُ أوّلِ الأقفالِ و ليس كلُّها..

لم ينظر في وجهها و هو يسأل ، إذاً فهذا ما يزعجُه ، نعم ، زين ، تبقّى أن تعرفَ ما يزعجُه في أمره ، أهو أنّها غفلت عن إخباره بأيّ شيءٍ من يوميّاتها معه مُذْ عادَتْ تلتقي به؟ أم كلامُ المُعلّمةِ عن كونه صحبةَ سوء؟ يجبُ أن تكتشف سريعاً

_"زين طالبٌ في صفّي ، معي من الصّفِّ التّحضيريّ و حتّى الآن ، و كنتُ أحكي لكَ عنه ، ألا تذكره؟"

_"لا أذكر ، فأنتِ ما جئتِ على ذكره من جديدٍ ،  لم أعرف أنّه ما يزالُ معكِ ، و صديقكِ المفضّلَ أيضاً"

_"لم أجدِ الأمرَ مُهِمّاً"

هزَّ برأسه؛ كانَ لا يزالُ يسيرُ في الشّارعِ يشيحُ بعينيه عن أيِّ ما له علاقةٌ بها ، و باتَ التّواصُلُ معه في أقصى درجاتِ صعوبته ، هو لا يعبّرُ في العادةِ عمّا يجولُ في رأسه ، و عندما تكشفُه يصبحُ الأمرُ أصعبَ فأصعب ، هو حُبُّها الوحيد ، الحُبُّ الذّي عنون حياتها بأكملها و جعلَ لها لوناً و خصوصيّة ، و لا تريدُ أن ينزعجَ مهما كلّفَ الأمرُ منها ، لذا..

الأمرُ يستحقُّ أن تسأله ، حتّى و هو متحفّظٌ هكذا

_"فيمَ أزعجتكَ إيلي؟"

_"لم تزعجيني"

_"أنتَ منزعج"

_"لستُ منزعجاً ليلي"

_"حسناً.. انظر إليّ إذاً"

توقّفَ أخيراً عن السّير ، و توقّفتْ على إثره تنتظرُ أن يلبّي طلبها ، و بالفعل ، نظرَ في عينيها مباشرةً كما سألته ، بيدَ أنّه لم ينفِ كلامها بفعلته ، لم ينفِ منه حرفاً ، هو منزعجٌ و أكثرُ من منزعج ، ماذا ستفعل؟

_"أنا آسفة"

_"لماذا؟"

_"لأنّني وضعتُكَ في هذا الموقف.."

أخفضَ عينيه قليلاً؛

لقَدْ فشلَ للمرّةِ الألف في إخفاءِ حقيقةِ ما يشعرُ به عن هذه البنتِ بالذّات ، هذه البنتُ التّي لا تثقُ بكلامه أكثر ممّا تثقُ بحدسها مهما حاولَ و برّر ، و حدسُها صادقٌ دائماً لا مهربَ من صدقه ، عليه أن يكونَ صريحاً ، أو أن يقفلَ الأمر ، و هذه هي السّبيل التّي سيتّخذ

_"دعينا نتكلّم لاحقاً في هذا الأمر ، حسناً؟"

_"حسناً.. هل نلتقي في المكتبة؟"

_"في السّاعةِ السّادسة"

حسناً؛ إيلي ليس يائساً ، و ليس منزعجاً ، هو فقط إيلي ، إيلي فقط

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة