أصعبُ المشاهدِ التّي مرّتْ على قلبي و حزّتْ فيه حزّ الزّجاجِ لم تكن لأحدٍ يضربُني ، أو لأحدٍ يصرخُ في وجهي ، أو لأحدٍ يُكرِهُني على شيءٍ أو يخونني أو شيئاً من هذا ، كانَتْ أربعةَ مشاهد ، أوّلُها لعلي في طفولتي البعيدة ، ثانيها لأبي يوم انتهاءِ إجازةِ علي في وقتٍ ما ، ثالثها لإيليا في الشّارع ، و آخرُها لفاتن في يومِ خطبتها؛
تلك المشاهدُ أصعبُ ما فيها أنّها غيرُ متوقّعة ، مُباغتةٌ و بشعة ، و على الرّغمِ من كونها طبيعيّةً و مقدّرة ، و من كونها حقّاً لبطلها ، كانَ فيها هذا البطل ، أقوى من أعرفُ و أكثرهم قدرةً على الصّمود ، منهاراً ، باكياً ، يسألُني أن أرحلَ من أمامه لئلّا يبانَ ضعفُه في العراء ، و لم أكن أرحل ، كنتُ أسلبُه حريّته في الانهيار ، أسلبه رفاهيّةَ أن يهوي من كلّ هذا الارتفاعِ و يرتاحَ أرضاً ، ينامَ هنا ، تحت جناحِ رحمةِ اللّٰه ، منتظراً قدرته العظيمةَ على إنقاذه من أكبرِ بلاء ، من الغمّ.
أذكرُ يومَ رأيتُ إيليا في الشّارع ، لقَدْ أخبرني أنّه وقعَ على الأرض ، كذبَ عليّ و على الرّغمِ من أنّ الكدمةَ كانَتْ ظاهرةً في وجهه ، لم يكن يمكنُ أن تكونَ نتاجاً لوقوعٍ أو شيئاً من هذا ، و فوق كلّ ذلك قطعَ عليّ سبلَ التّواصل ، و غادرَ بحجّةِ أنّ لديه مباراةً و ليس في إمكانه أن يتأخّرَ عنها ، لقَدْ أوصلني قريباً من بيتي و غادر ، كم رغبتُ في مرافقته ، في تشجيعه من الخلفِ كلّما اقتربَ من الشّباكِ و لديه الكرة ، أذكرُ تلك الرّغبةَ كم كانَتْ ملحّة ، و أذكرُ أنّه منعني عن ذلك ، و حرمَني استذكارُ أخي العظيمِ في البيتِ من اللّحاقِ به رغماً عنه ، كانَ علي سيُجَنُّ لو تأخّرتُ أكثر ، أعرفُه..
و لكن ، إيليا ، ألم نكن مُحِبّين؟ كيف تتركُني قلقةً عليك هكذا؟
على أيّةِ حال ، اكتشفتُ لوحدي شيئاً من الأمر ، إذ انتقلَ بعدَ ذلك الحدثِ مباشرةً للسّكنِ مع تيم ، إذاً المشكلةُ في بيته ، و عندما سألتُه عن تفسيرٍ لم يخبرني ، و أخذَ منّي وعداً بألّا أسألَه فيما بعد أبداً ، كنتُ أشعرُ بأنّني غريبةٌ عنه ، الجميعُ يعرفُ عن إيليا و حالِه و ظروفِه إلّا البنتُ التّي يُفترَضُ أنّه كانَ يُحِبُّها ، ذلك السّببُ الذّي جعلَني..
سأحكي لك فيما بعدُ يا كتابي ، اصبر قليلاً.
______
أمسكَتْ مدرّسةُ الرّسمِ بالطّلّابِ الهاربين من الحصّةِ الأخيرة ، أخيراً ، مجموعةٌ من الطّلبةِ السّعيدين جدّاً ، على رأسِهم زين و ليلي ، و احتجزتهم في غرفةِ الإدارةِ ريثما اتّصلَ كلٌّ بأحدٍ من بيته ، اتّصلَ زين بموسى ، الذّي سيتحفُه بشتّى أنواعِ التّوبيخِ و الملامة ، و ليلي ، أقدمَتْ على أغربِ فعلٍ قَدْ تقدمُ عليه ، اتّصلَتْ ببيتِ تيم ، إيليا لم يذهب إلى المدرسةِ مذِ انتقلَ إلى هناك تقريباً ، و أعطاها رقمَ البيتِ لكي تتواصلَ معه بحريّتها ، و ها قَدْ فعلَتْ ، لقَدْ سألته أن يأتي ليحلّ مشكلتها مع مدرّسةِ الرّسمِ بغيرِ أن يعرفَ أحد ، و ضحكَ هو ، سمعَتْ ضحكتَه من جديد ، أخيراً ، سمعتها و استبشرتْ بها بعدَ أيّامِ عبوسٍ و يأس ، إيليا.. ليس يائساً ، ترجو ذلك.
جلسَتْ تنتظرُه ، جاءَ موسى قبلَه و أخذَ زين ، و جاءَتْ والدةُ بنتٍ أُخرى و أخذتها ، و ظلَّتْ ليلي تنتظرُ مع نصفِ الصّفِّ الهارب ، ربّما لم يُسمح لإيليا بأخذها ، و لكن هذا صعب ، فمدرّسةُ الرّسمِ تعرفُه ، لقَدْ درسَ هنا و أحبّه الجميعُ كالعادةِ في المدرسة ، سمعته يتكلّمُ عنها من قبل ، عن مدرّسةٍ شابّةٍ شغوفةٍ تُحِبُّ طلّابَها ، حسناً ، لم تكن على هذه الحالِ في وجودِ زين
_"ليلي"
أشرقَ وجهها ما إن سمعت اسمها ، كانَتْ تظنُّ أنّها ستخرجُ كما خرجَ من قبلها ، و تغادرَ برفقةِ إيليا ، بيدَ أنّ مدرّسةَ الرّسمِ قَدْ غيّرتْ خططها بغتةً ، إذ دخلَتْ إلى الإدارةِ و أدخلَتْ خلفها شخصاً ما..
هذا إيليا!
_"أترون هذا الشّابّ؟ كانَ أفضلَ طالبٍ مرَّ على هذه المدرسة ، لقَدْ جعلني أُحِبّ الطّلّابَ جميعاً و أُحِبّ المدرسةَ و الرّسمَ من جديد ، و أنتم ماذا تفعلون؟ ليتكم تتعلّمون نصفَ أخلاقه"
نهضَتْ ليلي على عجلة ، و اقتربَتْ من الاثنين بغيرِ أن تستمعَ فعلاً إلى كلامِ المُعلّمة ، لم يكن وجهُ إيليا فخوراً كما يُفترَضُ بأيٍّ في مكانه ، بل كانَ جامداً ، شبهَ متجهّم ، و مائلاً إلى الانزعاجِ في شيءٍ من تعابيره.
نظرتِ المعلّمةُ في وجهِ ليلي بعدَ برهة ، و عبسَتْ ، هذا الوجهُ بريءٌ و ظريفٌ لا يمتُّ لتصرّفاتِ صاحبته بصلة ، أخلاقُها تُفسَدُ بصحبةِ زين ، و تخافُ المُدرِّسةُ أن تصلَ إلى مرحلةٍ لا ينقذُها فيها مُنقِذ ، كانَتْ تتمنّى رؤيةَ أبيها لتبلغه بهذا الكلام ، و لكن لا بأس بجارها المهذّبِ هذا ، مؤقّتاً
_"أخلاقُ ليلي تضيعُ مع زين يا إيليا ، أخبر أهلها بذلك ، يجبُ أن تبتعدَ عنه قبل فواتِ الأوان"
_"من زين؟"
_"صديقُ الآنسةِ المُفضّل"
تعمّقَ تجهّمُ وجهِ إيليا حتّى وصلَ إلى حافّةِ الغضب ، لوحظَ هذا التّغييرُ بسهولة ، فهو نادرٌ جدّاً على وجهٍ رائقٍ و هادئٍ كمثلِ هذا الوجه؛
لم يعرف من هو زين ، لم تحكِ له ليلي على الإطلاقِ عن صديقٍ مُفضّلٍ لها في المدرسة ، و صديق سوء أيضاً؟
ازدردَ ريقَه ، ثمَّ تراجعَ خطوتين نحو الخارجِ رغبةً في الاعتذارِ من المعلّمةِ جانباً ، و تبعته ليلي المتوتّرةُ ، الأخيرة قَدْ قرأتْ إشارةَ الخطرِ في عينيه المُضيّقتين..
_"كما تريدين مُعلّمتي ، نحنُ آسفان"
_"لا بأسَ عزيزي ، هيّا ، في إمكانكما الرّحيلُ الآن ، أتمنّى يا ليلي أن تتعلّمي من إيليا بدلاً من صحبةِ السّوء"
_"ح.. حاضرة.."
أشارَ لها برأسه كي تسبقَه ، و بالفعل ، خرجَتْ أمامه من الإدارة ، ثمَّ حذتْ حذوه إلى خارجِ المدرسةِ كلِّها ، إلى الطّريقِ الطّويلِ شبه الفارغِ الذّي تتشاجرُ فيه مع زين عادةً ، و كانَ حبيبها ساكتاً ، ساكناً سكوناً لم يبلغ علي شبيهاً بهيبته ، لم تستطع أن تقولَ له شيئاً ، لا أن تسأله عن السّببِ و لا أن تفكّرَ فيه ، كانَتْ تحبسُ أنفاسها خشيةَ أن تصدرَ صوتاً ، و الآن ماذا؟ ماذا ستفعل؟
_"من زين؟"
تنفّستِ الصّعداء ، أحسّتْ أنّ صدرها كانَ مكبّلاً ممنوعاً عن النّفس ، و كلامُ إيليا كانَ المفتاح ، مفتاحُ أوّلِ الأقفالِ و ليس كلُّها..
لم ينظر في وجهها و هو يسأل ، إذاً فهذا ما يزعجُه ، نعم ، زين ، تبقّى أن تعرفَ ما يزعجُه في أمره ، أهو أنّها غفلت عن إخباره بأيّ شيءٍ من يوميّاتها معه مُذْ عادَتْ تلتقي به؟ أم كلامُ المُعلّمةِ عن كونه صحبةَ سوء؟ يجبُ أن تكتشف سريعاً
_"زين طالبٌ في صفّي ، معي من الصّفِّ التّحضيريّ و حتّى الآن ، و كنتُ أحكي لكَ عنه ، ألا تذكره؟"
_"لا أذكر ، فأنتِ ما جئتِ على ذكره من جديدٍ ، لم أعرف أنّه ما يزالُ معكِ ، و صديقكِ المفضّلَ أيضاً"
_"لم أجدِ الأمرَ مُهِمّاً"
هزَّ برأسه؛ كانَ لا يزالُ يسيرُ في الشّارعِ يشيحُ بعينيه عن أيِّ ما له علاقةٌ بها ، و باتَ التّواصُلُ معه في أقصى درجاتِ صعوبته ، هو لا يعبّرُ في العادةِ عمّا يجولُ في رأسه ، و عندما تكشفُه يصبحُ الأمرُ أصعبَ فأصعب ، هو حُبُّها الوحيد ، الحُبُّ الذّي عنون حياتها بأكملها و جعلَ لها لوناً و خصوصيّة ، و لا تريدُ أن ينزعجَ مهما كلّفَ الأمرُ منها ، لذا..
الأمرُ يستحقُّ أن تسأله ، حتّى و هو متحفّظٌ هكذا
_"فيمَ أزعجتكَ إيلي؟"
_"لم تزعجيني"
_"أنتَ منزعج"
_"لستُ منزعجاً ليلي"
_"حسناً.. انظر إليّ إذاً"
توقّفَ أخيراً عن السّير ، و توقّفتْ على إثره تنتظرُ أن يلبّي طلبها ، و بالفعل ، نظرَ في عينيها مباشرةً كما سألته ، بيدَ أنّه لم ينفِ كلامها بفعلته ، لم ينفِ منه حرفاً ، هو منزعجٌ و أكثرُ من منزعج ، ماذا ستفعل؟
_"أنا آسفة"
_"لماذا؟"
_"لأنّني وضعتُكَ في هذا الموقف.."
أخفضَ عينيه قليلاً؛
لقَدْ فشلَ للمرّةِ الألف في إخفاءِ حقيقةِ ما يشعرُ به عن هذه البنتِ بالذّات ، هذه البنتُ التّي لا تثقُ بكلامه أكثر ممّا تثقُ بحدسها مهما حاولَ و برّر ، و حدسُها صادقٌ دائماً لا مهربَ من صدقه ، عليه أن يكونَ صريحاً ، أو أن يقفلَ الأمر ، و هذه هي السّبيل التّي سيتّخذ
_"دعينا نتكلّم لاحقاً في هذا الأمر ، حسناً؟"
_"حسناً.. هل نلتقي في المكتبة؟"
_"في السّاعةِ السّادسة"
حسناً؛ إيلي ليس يائساً ، و ليس منزعجاً ، هو فقط إيلي ، إيلي فقط
دلع☆