كانَ علي واقفاً في مكانِه منذُ برهة ، أمام محلِّ أبيه ، و أمام عينيه المشتاقتين إليه ، يحدّقُ في شجرةٍ صغيرةٍ ذاتِ أوراقٍ خضراءَ نضرة ، هذه الشّجرةُ مزروعةٌ في مكانِ شجرةٍ أُخرى يتذكّرُها الحنونُ جيّداً ، كانَتْ شجرةً كبيرة ، شجرةَ أكاسيا عطرةٍ لها زهرٌ أبيضُ و ريحٌ ناعمة ، كانَ يأتي إلى هنا مع يارا و يحملُها إلى جذعها ، و كانَ يجلسُ مستنداً إليها في بعضِ الأحيانِ عندما يحتاجُ وقتَ خلوة ، أخبرَه أبوه أنّها لم تنتظر من يسندُها في العامِ الماضي ، فهوتْ أرضاً؛
لقَدْ كبرت ، قالَ أبوه ، عمرُها يزيدُ على الأربعين عاماً و هذا نادرٌ في فصيلتها ، لقَدْ ماتَتْ واقفة ، شامخة ، ثمَّ وقعَتْ على الأرضِ التّي فيّأتها طوال هذه السّنين ، يكادُ علي يبكيها في داخله ، لكنّه في الظّاهرِ يبتسم ، يبسمُ بهدوء.
نظرَ أبوه إلى بدايةِ الشّارع ، لاحَ له ظلُّ بنتٍ تركضُ هناك ، هذه على الأكيدِ ليلي هاربةٌ من الحصّةِ الأخيرةِ كالعادة ، لا تستمعُ إليه في هذا الخصوصِ أبداً مهما حدّثها ، و هو يتفهّمُ رغباتها هذه أحياناً ، المهمُّ أنّها تهربُ لتأتي إليه ، و لكن ، هنالك لاعبٌ جديدٌ في الرّقعةِ لن يتفهّمَ كثيراً ، و ستوقعُ نفسها في المشكلةِ الحقيقيّةِ معه بعد قليلٍ ما لم تنتبه.
لحسنِ حظّها ، كانَ طريقُها قدِ افترقَ عن طريقِ زين مبكّراً اليوم ، قبل أوّلِ الشّارع ، في الواقعِ الشّابُّ راغبٌ في رؤيةِ العمِّ جمال و محادثته ، فقَدْ أحبَّه كثيراً و ألفه قلبُه منذُ اللّحظةِ الأولى ، بيدَ أنّ وقتَه ضيّقٌ مع الأسف ، أمامه عملٌ إذا لم ينفّذه سيسلّطُ عليه مراقبةَ أبيه الفظيعة ، و على أيّةِ حال ، لم تكن ليلي ستأخذُه إلى المتجرِ اليوم ، أوّلاً لأنّها ستغادرُ مع أبيها إلى المستشفى لمقابلةِ ابنِ أختها ، و ثانياً لأنّها سئمتْ من تصرّفاته حتّى لو تصالحا ، ربّما كانَ سيخبرُ أباها ببعضِ الأسرارِ ليستفزّها و يوقعها في المشاكلِ و لكي يبتزّها أيضاً ، حتّى لو قالَ أنّه لن يفعل ، ليس صادقاً.
كانَتْ تسابقُ نفسها في ذلك الوقت ، تتحدّاها بأنّها لن تصلَ قبلَ الرّقمِ مئة ، و تردُّ قائلةً في ذاتِ الوقتِ أن لا أحدَ يتحدّى البطلة! ستصلُ برغمِ أنفِ الأعداء!
و عندَ الرّقمِ سبعةٍ و سبعين ، أي قبلَ المتجرِ بقليل ، توقّفَ العدّ ، و توقّفتِ اللّعبةُ و المنافسةُ و توقّفَتْ ليلي ، لقَدْ رأته ، رأتِ الغالي واقفاً أمام المحلّ ، يتابعُها..
لم تره منذُ عامٍ كاملٍ و أكثر من ذلك ، كانَ هنا لأجلِ زفافِ يارا فقط ، و لم يبقَ أكثرَ من يومين قضَتْ أحدهما بعيدةً عنه ، لم تشبع اشتياقها لحضورِه و لا بأيِّ شكلٍ من الأشكال ، علي عادَ الآن ، عادَ الغالي.
تشهّقتْ بغيرِ قصد ، و اغرورقَتْ عيناها بالدّموعِ مع أوّلِ ابتسامةٍ رُسِمَتْ في وجهه لأجلها ، ثمّ لم تعد تعي بشيء ، أجهشَتْ بالبكاءِ في الشّارع ، أوشكتْ على أن تنوحَ أيضاً لولا أمسكتْ نفسها
_"علي!"
_"عيونُه"
مشى نحوها برزان ، ثمَّ التقطها بين ذراعيه بحنوِّ الأبِ و أغلى ، توّجَ رأسها بعدّةِ قُبَل ، و في هذه المرّة ، لم يقمع دموعه ، تركَها تنسابُ على خدّيه بصمتٍ رقيق ، علي نادمٌ لأنّه عاشَ حياته بعيداً و لم يحقّق شيئاً ممّا كانَ يسترئيه في شبابه الماضي ، كلّما أحسّ بأنّها تكبرُ بغيرِه عادَ النّدمُ و هيمنَ على صدرِه فأضاقه ، يريدُ أن يعيشَ معها مراحلها واحدةً واحدة ، لا أن يسمعَ أخبارها عبرَ الهاتفِ فحسب ، أليسَتْ طفلته؟
_"اشتاقَتْ إليّ طفلتي ، أليس كذلك؟"
_"بلى.. و أنتَ ستذهبُ مُجدّداً و تتركني"
تنهّد؛ يرى ليلي تتذمّرُ من جديدٍ لأنّه سيبتعد ، تقلقُ لأنّه سيبتعدُ قبلما يحلُّ شيءٌ من هذا ، كانَتْ تعاتبُه في الواقع ، تعاتبُه على كلِّ لحظةٍ احتاجتْه فيها و لم تجده إلى قربها ، لكنّها احتفظَتْ بكلِّ تلك التّفاصيلِ في قلبها ، لا تريدُه أن يقلقَ أكثر ، تعرفُ كم يفعل
_"لن أذهبَ بعدَ اليومِ حبيبي ، لن أذهب"
أسرعتِ الابتعادَ منه بقصدِ أن تنظرَ في عينيه ، ألن يذهبَ علي؟ أسيظلُّ أخوها الحنونُ إلى قربها فعلاً؟
هو جادٌّ تماماً ، مقلتاه محمرّتان كيومِ كانَ يودّعُ يارا و يعدُها بأنّه لن يتركَها أبداً ، و خدّاه يلمعان تحتَ ضوءِ الشّمس ، لن تدعو هذا بكاءً ، فعلي لا يعترفُ إن كانَ يبكي حتّى لو رأى دموعه العالمُ أجمع ، و إن حاولَتْ إحراجه في هذا الخصوصِ قَدْ يشتعلُ غضباً ، هذا ليس وقتَ الغضب ، ليس وقتَ أيِّ نوعٍ من المشاعرِ السّلبيّة ، هذا وقتُ الفرحِ به و بعلي الصّغير ، نعم ، وقتُ الفرحِ ليس إلّا
_"ستعودُ إلى البيت!؟"
سمعَ أبوهما الحديثَ كاملاً ، و عندما ذكرتِ العودةُ لم يجد نفسَه إلّا إلى قربهما و علي ينظرُ إليه؛ كانَ يريدُ طوالَ الأعوامِ العشرةِ الماضيةِ أن يتمّ هذا الحدث ، أن يعودَ نجلُه إلى الموطنِ بعد أن كانَ هو السّببَ الأساسَ في مغادرته ، لا أحدَ يعرفُ كيف يشعر ، كم ينزفُ في داخله ندماً ، و كم كابدَ لإعادتِه إلى بيتِه سعيداً مُكرماً ، و هوى عاجزاً في نهايةِ اليوم ، لا يستطيعُ إلّا أن يبكي ، هذه الحقيقة.
ابتعدَتْ ليلي من أخيها بعض الشّيء ، ثمَّ أمسكتْ ذراعيه و جعلتْ تخضّهما كي تستنطقه ، كانَ يضحكُ و أبوه منها ، لن تكبر أبداً
_"ستعودُ يا علي!؟ قل لنا!"
_"نعم ، و لكن بعد ستّةِ أشهر ، سأعودُ بشكلٍ دائم"
تهاونَت حماستُها العظيمةُ بعضَ الشّيءِ ما إن ذكرَ المدّةَ الباقية ، ستّةُ أشهر!؟ هذه مدّةٌ كبيرةٌ جدّاً على أن يبدأَ التّشويقَ قبل بدئها حتّى ، صحيحٌ أنّ عودته لم تكن محدّدةً من قبل ، و لكن.. ليلي لا تستطيعُ احتمالَ الانتظار!
تركَتْ يديه أخيراً ، و توجّهتْ إلى ناحيةِ أبيها الذّي لا تُقارَنُ سعادتُه بسعادةٍ في الكونِ الآن ، عانقتْ ذراعه بتودّد ، و أظهرتِ ابتسامةً شرّيرةً مصطنعة ، في بالها خطّةٌ خطيرة ، لا تجرؤُ على تنفيذها بغيرِ احتماء
_"لا بأس ، أعانَ اللّٰه فرنسا على هذه الأشهر السّتّة"
_"سأريكِ يا شقيّة!"
اختبأتْ وراءَ أبيها فوراً ، و راحَتْ تضحكُ و تقهقه في حينِ كانَ علي يقفزُ ليمسكَ بها دون تجاوزِ أبيه ، و الأخيرُ لم ينتبه إليهما لشدّةِ الضّحك ، في الحقيقة ، كانَ أخوها يداعبُها بتهديداته و حركاته في البداية ، فقَدْ أعجبته نكتتُها كثيراً ، ثمّ و لوهلة ، توقّفَ عن الحراكِ و ابتسم ، تذكّرَ قولَ فاتن عن أنّها لو عطستْ أمامه سيقولُ 'يا إلهي! عطسةٌ ذهبيّة!' ، صحيحٌ أنّ فاتن كانَتْ تحاولُ تحريضه عليها في ذلك الوقت ، لكنّ تعليقها كانَ مضحكاً أيضاً ، لا يذكرُ منه سوى ذلك؛
الأيّامُ تمضي بسرعة ، لا يكادُ يشعرُ بأنّه عاشها أو مرَّ بأحداثها مرورَ البطلِ فعلاً ، أصبحتْ أشبه بملاحظاتٍ صغيرةٍ من هنا و هناك سُجِّلَتْ في رأسه ، و بضعةَ مشاعر و أفكار ، كالحلم ، يبدو فيه جامداً لا قرارَ له و لا شأن ، يتساءلُ لماذا هذا و ذاك و لا يدرك ، كلُّ شيءٍ يمرُّ كالأحلامِ تماماً ، و هذا لا يروقُه حقّاً
_"صحيح ، ماذا عن خطيبتكَ يا علي؟ هل ستأتي معك؟"
و هنا..
سألَ أبوه السّؤالَ الذّي سيخرّبُ مزاجَه و مزاجَ العائلةِ بأكملها ، و الذّي لا مهربَ منه و لا جوابَ كاملاً له ، كانَ يبدو سعيداً و هو يسأل ، كيف لا و هو يحسبُ أنّ ابنه الوحيدَ سيتزوّجُ قريباً و سيعودُ ليستقرّ مع عائلته في البلاد؟ لماذا أحلامُ أبيه غريبةٌ و تصيبُه بالغثيان؟
تنحنحَ و اكفهرّ وجهه ، لمسَ أرنبةَ أنفه عدّةَ مرّات ، ثمَّ أضحى يحاولُ إخفاءَ يدِه اليُمنى التّي تخلّتْ حديثاً عن دبلةٍ حملتها لأكثرَ من عام ، لقَدْ تركَ خطيبته الأولى و حبيبته الرّابعة ، لا يعرفُ كيف ينقلُ لعائلته هذا الخبرَ الآن و قَدْ أصبحَ في الثّلاثين من عمره ، سيتّهمونه في هذه المرّةِ على الأكيد ، سيحمّلونه كاملَ مسؤوليّةِ فشلِ علاقاته العاطفيّة ، كيف سيقنعهم الآن؟
_"لنؤجّلِ الحديثَ أبي ، بعدَ إذنك"
_"لا تريدُ أن تتحدّثَ أمامي يا سيّد علي؟ بسيطة"
_"لا شأنَ لكِ بأحاديثِ الكبارِ يا شقيّة"
_"الكبار؟ أنا كبيرةٌ أيضاً سيّد علي! أنا في الإعداديّة!"
لقَدْ سمعَ مثل هذا الكلامِ من قبل.. و لكن أين؟
هذه الشّجرةُ الصّغيرةُ لن تحكي له ما غابَ عن ذاكرته لوهلة ، فهي يافعة ، لم تكن ها هنا من قبلُ عندما قيلت هذه الجملة ، لكنّها و في المقابل ، ستحكي له في المستقبلِ عمّا حدث اليوم ، لمَ لا؟
هذه شجرةٌ صغيرة ، لكنّها ذاتُ أثر
دلع☆