التّاسع من بعد الأربعين

التّاسع من بعد الأربعين

68 0

الطّريقُ إلى المكتبةِ تارةً يضيقُ بسالكِه ، و تارةً يطولُ و لا ينتهي ، ذلك لأنّه قدِ افترقَ عن رفيقه ، و ترافقَ مع أفكارِه السّوداء و مخاوفه المتواصلةِ ممّا يمكنُ أن يحدث.

إيليا اليوم ليس أفضلَ حالاً من البارحة ، هو يصدّقُ أنّه لا يومَ أفضلَ من سابقه ، و أنّ حياته رهنُ مشكلاتٍ متتابعةٍ تنتظرُ دورها في زيارته ليس إلّا.

كانَتْ زقزقةُ عصافيرِ الشّارعِ كنعيقِ الغربان على مسمعه ، و وقعُ خطا المارّةِ القليلين في هذه السّاعةِ من الصّباحِ يسقطُ على رأسه لا على الأرض ، كلُّ صوتٍ كانَ كفيلاً بجعله يتوتّرُ أكثر ، إلى حدِّ لم يعد يستطيعُ رفعَ رأسه ، ظلّ مطأطئاً إلى أن وصلَ إلى المكتبة ، توغّلَ في عتمتها ، ألقى السّلامَ و باشرَ عمله.

لمحه زين من بعيد ، فزمَّ سترته استعداداً للحراك ، كانَ قَدْ فارقَ هذا الآخرُ ليلي منذُ وقت ، و وقفَ ينتظرُ إيليا أمام المكتبة ، لغايةٍ في نفسه منبعها شعورُه القديمُ ذاته ، حُبُّ ليلي رفيقةُ دربه؛

لم يخبرها بشعوره لا تجاهها و لا تجاه أيّ شيء ، فهي لم تعتد عليه ناعماً و لطيفاً و كثيرَ التّعبيرِ عن أفكاره العميقة ، كما لم يخطر لها ببالٍ أن يحملَ في قلبه مكانةً خاصّةً لها ، قَدْ تتجنّبُه لو حدثَ و أحسّت؛ على أيّةِ حال ، لقَدْ أحسّ أنّه مطمئنٌّ حول إيليا بعدما سمعَ بعض الأشياءِ عنه ، فبغضِّ النّظرِ عن شكّه الأخيرِ فيه و فيها ، ظلَّ يراه مُريحاً و لطيفاً و غيرَ مؤذٍ ، و لأنّها آمنةٌ إلى قربه ، و ستسعد ، ماذا قَدْ يريدُ أكثر؟

1

'هيّا زين! تشجّع!'

خاطبَ نفسه بلكنةٍ مزدرئة ، أوّلَ مرّة ، ثمَّ أعادَ الكرّة بلكنةٍ أشدّ:

'ما بك زين؟ لماذا أنت متردّد!؟ أفق يا غبيّ!'

أسرعَ إنهاءَ الاحتدامِ بينه و بين نفسه ، ثمّ ركضَ نحو المكتبةِ متجاوزاً التّفكير ، ولجَ إلى الدّاخلِ و هو يقمعُ السّؤالَ الأهمّ و الأكثرَ إلحاحاً في رأسه:

ماذا سيقولُ له؟

لا يهمّ ، سيقولُ أيّ شيء ، سيوضّحُ الأمور.. ربّما..

_"مرحباً.."

اجتاحتْ صدره هبّةُ مقتٍ قادمةٌ من الدّاخل ، من الضّوءِ الخافتِ و الاثنين الجالسين تحته ، و من غبارِ الكتبِ و عثّها غيرِ المرئيّ ، هو يظنُّ الكتبَ عديمةَ الفائدة ، خاصّةً تلك التّي تنظّرُ عن الحياة ، لا يهمُّ الآن؛

كانَ إيليا يربطُ مئزرَ العملِ حولَ جذعه ، و الجدُّ نيشيمورا يرتّبُ بعضَ الكتبِ الجديدةِ في الرّفوفِ الدّنيا ، إذ ما عادَ قادراً على رفعها إلى أعلى ، و كلاهما توقّف ، و أخذَ يحملقُ في زائرِ المكتبةِ العجيبِ هذا ، كلٌّ له تعبيرٌ شبهُ مختلفٍ عن دخولِ هذا الولدِ بالذّاتِ إلى هنا ، يشتركان في الاستغرابِ دون غيره ، استغرابٌ مستغرقٌ إلى حدّ أنّ أحدهما لم يردّ التّحيّةَ حتّى ، ينتظرُ أن ينطقَ زين بحرفٍ عمّا يريدُه

_"مرحباً"

أعادَ الكرّةَ بحزم ، جعلَ جدّه يرخي اشتدادَ ملامحه بعضَ الشّيء ، فزين لم يتغيّر فعلاً ، ما يزالُ ولداً أهوجَ لن يخفي نواياه ، ماذا تراه يريد؟

_"أهلاً زين ، ماذا تريد؟"

_"أريدُ أن أتحدّثَ مع إيليا يا جدّي"

بادلَ إيليا الجدَّ نظرةً سريعةً لا مغزىً لها ، تنهّدَ من بعدها و عضَّ على شفته ، ليس هنالك ما يناقشُه فيه ، ليس هنالك ما يجمعهما إلّا شيءٌ واحدٌ لن يناقشه فيه أبداً ، لكنّ الجدّ هنا ، لا يمكنُه فضحُ كلِّ شيءٍ ببساطة

_"فيمَ تريدُ مناقشتي؟"

_"ألا تأتي؟"

زفرَ غاضباً ، ثمّ خلعَ مئزرَ العملِ على عجلةٍ و وجّهه نحو الخارج ، تركَ الاثنان الجدّ منزعجاً على إثرِ ثلاثةِ أمور ، دخولُ زين الأهوج إلى المكتبةِ بعدما كسرَ له أحدَ الرّفوفِ منذُ وقتٍ ، وجودُ موضوعٍ يجمعه إيليا ، و خروجُ إيليا معه دون إذن ، ما بالُ هذين الاثنين اليوم؟

لا يهمّ

أخبرَ نفسه ، ثمَّ عادَ إلى عمله بين الكتبِ و الأوراقِ و الرّفوف ، إن كان له دخلٌ سيدخلانه ، و إن لم يكن له فسينسى الأمر ، سينساه في كافّةِ الأحوال ، فلمَ الإصرار؟

لماذا يفكّرُ في استجوابِ طفلين غريبي الأطوارِ في مواضيع على الأكيدِ متعلّقةٌ إمّا بكرةِ السّلّةِ أو البنات؟

كانَ زين في تلك الأثناءِ يرتجفُ في داخله ، يخافُ فوق كلّ همّه أن يراه علي و يعتقدَ أنّه مرسالُ السّلامِ بين أخته و حبيبها ، هو لا يعرفُ حتّى بأمرِ هذا الحبيب ، لذلك ردُّ فعله سيكونُ خطيراً ، بل و أكثر.

وقفَ إلى جانبِ بابِ المكتبة ، ثمَّ انتظرَ حتّى تبعه إيليا ، كانُ الأخير على أهبةِ الاستعدادِ لزجره و إبعادِه ، و ربّما لاتّهامه بشيءٍ و الانفجارِ في وجهه ، سيصبرُ قليلاً بعد ، نعم بالطبع

_"اسمعني إيليا ، ليلي.. أنا لا أعرفُ كيف تشكُّ بتلك البنت"

_"أخبرتك بهذه السّرعة؟"

قطبَ زين حاجبيه أمام النّبرةِ اللّئيمةِ التّي سُئلَ بها ، بيدَ أنّه لم يتوقّف عندها ، ما يزالُ الوقتُ مبكّراً قليلاً على ضربه ، يجبُ أن يجرّه إلى سببٍ معقولٍ يستدعي ضربه فعلاً ، أليس هذا ما كانَ يتعلّمه من العمِّ جمال؟ بل علي؟

_"لقَد أخبرتني اليوم ، كانَتِ المشكلةُ واضحة ، هي متضايقةٌ كثيراً"

نظرَ إيليا أخيراً في عينيه ، نظرةَ النّدِّ و العدوّ ، إحساسُه تجاهَ زين سيّءٌ جدّاً ، بيدَ أنّه لا يجدُ لذلك الشّعورِ أيّةَ مبرّراتٍ أو تسميات ، لا يمكنُه أن يفصحَ عنه أو أن يتصرّفَ بموجبه ، كما لا يمكنُه التّغاضي عنه ، عالقٌ بين السّماءِ و الأرض

_"ماذا تريدُ الآن زين؟"

_"أريدُ أن أخبركَ أنّ ليلي مثلُ أختٍ لي ، ليس هنالك شيءٌ آخر ، و هي تحبُّكَ كثيراً ، لا تسئ فهمها"

أشاحَ بوجهه ، و زفرَ زفرةً جعلت زين يُحِسُّ بثقلِ الأمرِ عليه ، من حيثُ لا يدري؛ زين لا يفهمه ، و إيلي واثقٌ أنّه لو كانَ في مكانه كانَ سيرتكبُ ذات الحماقة ، هذا لا يجعلُه أقلّ ذنباً لكنّه على الأقلّ..

شائع!

_"أنتَ لا تفهمُني ، و لا هي تفعل ، الأمرُ ليس في يدي"

_"هل تريدُني أن أبتعد؟ سوف أبتعد إن كانَ كذلك ، لا تكسرها"

انتفضتِ النّيرانُ في قلبه من جديد ، و وجدَ نفسه ينظرُ إلى زين بذاتِ الطّريقةِ العدائيّةِ السّابقة ، بل و على وشكِ افتعالِ مشكلةٍ معه بعدَ لحظات..

_"لماذا تشعرُني بأنّكَ تُحِبُّها أكثر منّي!؟"

_"أنا أشعرُك؟ أنتَ تتصرّفُ و كأنّكَ لا تُحِبُّها"

_"هي من تقولُ هذا أليس كذلك!؟"

_"طبعاً لا! ما الذّي تقولُه!؟"

استدارَ على انفعالٍ و راحَ يذرعُ الرّصيفَ بخطواتٍ غاضبة ، ذهاباً و إياباً إلى بوّابةِ المكتبة ، لم يعد ينظرُ في وجه مناقشه ، لن يصدّقَ في يومٍ من الأيّامِ أنّه جاءَ أصلاً بهدفِ الإصلاحِ بين الثّلاثة ، و إنّما يراه راغباً في بيانِ أفضليّته عليه ، أنّه الأنسبُ ليكونَ حبيباً لليلي ، طبعاً؛

1

علي يُحِبُّه ، و هو من عائلةٍ طبيعيّةٍ و يقضي طوال وقته تقريباً معها ، و أضف إلى ذلك ، هو أقلُّ همّاً منه بكثير

الفرقُ بينه و بين زين كالفرقِ بين السّماءِ و الأرض!

لماذا سيجرّبُ أن ينافسه أصلاً؟

_"أخبرها أنّني غيرُ مهتمٍّ حسناً!؟"

سكتَ زين ، و بدأ حسُّ الأهوجِ يستلمُ زمامَ الأمورِ في داخله ، هذا الطّفلُ الغبيّ غيرُ مهتمّ!؟ من هو حتّى لا يهتمّ!؟ من يظنّ نفسه!؟

_"سأفعل ، و سأرجعُ إليكَ و أضربك ، انتظرني"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة