الطّريقُ إلى المكتبةِ تارةً يضيقُ بسالكِه ، و تارةً يطولُ و لا ينتهي ، ذلك لأنّه قدِ افترقَ عن رفيقه ، و ترافقَ مع أفكارِه السّوداء و مخاوفه المتواصلةِ ممّا يمكنُ أن يحدث.
إيليا اليوم ليس أفضلَ حالاً من البارحة ، هو يصدّقُ أنّه لا يومَ أفضلَ من سابقه ، و أنّ حياته رهنُ مشكلاتٍ متتابعةٍ تنتظرُ دورها في زيارته ليس إلّا.
كانَتْ زقزقةُ عصافيرِ الشّارعِ كنعيقِ الغربان على مسمعه ، و وقعُ خطا المارّةِ القليلين في هذه السّاعةِ من الصّباحِ يسقطُ على رأسه لا على الأرض ، كلُّ صوتٍ كانَ كفيلاً بجعله يتوتّرُ أكثر ، إلى حدِّ لم يعد يستطيعُ رفعَ رأسه ، ظلّ مطأطئاً إلى أن وصلَ إلى المكتبة ، توغّلَ في عتمتها ، ألقى السّلامَ و باشرَ عمله.
لمحه زين من بعيد ، فزمَّ سترته استعداداً للحراك ، كانَ قَدْ فارقَ هذا الآخرُ ليلي منذُ وقت ، و وقفَ ينتظرُ إيليا أمام المكتبة ، لغايةٍ في نفسه منبعها شعورُه القديمُ ذاته ، حُبُّ ليلي رفيقةُ دربه؛
لم يخبرها بشعوره لا تجاهها و لا تجاه أيّ شيء ، فهي لم تعتد عليه ناعماً و لطيفاً و كثيرَ التّعبيرِ عن أفكاره العميقة ، كما لم يخطر لها ببالٍ أن يحملَ في قلبه مكانةً خاصّةً لها ، قَدْ تتجنّبُه لو حدثَ و أحسّت؛ على أيّةِ حال ، لقَدْ أحسّ أنّه مطمئنٌّ حول إيليا بعدما سمعَ بعض الأشياءِ عنه ، فبغضِّ النّظرِ عن شكّه الأخيرِ فيه و فيها ، ظلَّ يراه مُريحاً و لطيفاً و غيرَ مؤذٍ ، و لأنّها آمنةٌ إلى قربه ، و ستسعد ، ماذا قَدْ يريدُ أكثر؟
'هيّا زين! تشجّع!'
خاطبَ نفسه بلكنةٍ مزدرئة ، أوّلَ مرّة ، ثمَّ أعادَ الكرّة بلكنةٍ أشدّ:
'ما بك زين؟ لماذا أنت متردّد!؟ أفق يا غبيّ!'
أسرعَ إنهاءَ الاحتدامِ بينه و بين نفسه ، ثمّ ركضَ نحو المكتبةِ متجاوزاً التّفكير ، ولجَ إلى الدّاخلِ و هو يقمعُ السّؤالَ الأهمّ و الأكثرَ إلحاحاً في رأسه:
ماذا سيقولُ له؟
لا يهمّ ، سيقولُ أيّ شيء ، سيوضّحُ الأمور.. ربّما..
_"مرحباً.."
اجتاحتْ صدره هبّةُ مقتٍ قادمةٌ من الدّاخل ، من الضّوءِ الخافتِ و الاثنين الجالسين تحته ، و من غبارِ الكتبِ و عثّها غيرِ المرئيّ ، هو يظنُّ الكتبَ عديمةَ الفائدة ، خاصّةً تلك التّي تنظّرُ عن الحياة ، لا يهمُّ الآن؛
كانَ إيليا يربطُ مئزرَ العملِ حولَ جذعه ، و الجدُّ نيشيمورا يرتّبُ بعضَ الكتبِ الجديدةِ في الرّفوفِ الدّنيا ، إذ ما عادَ قادراً على رفعها إلى أعلى ، و كلاهما توقّف ، و أخذَ يحملقُ في زائرِ المكتبةِ العجيبِ هذا ، كلٌّ له تعبيرٌ شبهُ مختلفٍ عن دخولِ هذا الولدِ بالذّاتِ إلى هنا ، يشتركان في الاستغرابِ دون غيره ، استغرابٌ مستغرقٌ إلى حدّ أنّ أحدهما لم يردّ التّحيّةَ حتّى ، ينتظرُ أن ينطقَ زين بحرفٍ عمّا يريدُه
_"مرحباً"
أعادَ الكرّةَ بحزم ، جعلَ جدّه يرخي اشتدادَ ملامحه بعضَ الشّيء ، فزين لم يتغيّر فعلاً ، ما يزالُ ولداً أهوجَ لن يخفي نواياه ، ماذا تراه يريد؟
_"أهلاً زين ، ماذا تريد؟"
_"أريدُ أن أتحدّثَ مع إيليا يا جدّي"
بادلَ إيليا الجدَّ نظرةً سريعةً لا مغزىً لها ، تنهّدَ من بعدها و عضَّ على شفته ، ليس هنالك ما يناقشُه فيه ، ليس هنالك ما يجمعهما إلّا شيءٌ واحدٌ لن يناقشه فيه أبداً ، لكنّ الجدّ هنا ، لا يمكنُه فضحُ كلِّ شيءٍ ببساطة
_"فيمَ تريدُ مناقشتي؟"
_"ألا تأتي؟"
زفرَ غاضباً ، ثمّ خلعَ مئزرَ العملِ على عجلةٍ و وجّهه نحو الخارج ، تركَ الاثنان الجدّ منزعجاً على إثرِ ثلاثةِ أمور ، دخولُ زين الأهوج إلى المكتبةِ بعدما كسرَ له أحدَ الرّفوفِ منذُ وقتٍ ، وجودُ موضوعٍ يجمعه إيليا ، و خروجُ إيليا معه دون إذن ، ما بالُ هذين الاثنين اليوم؟
لا يهمّ
أخبرَ نفسه ، ثمَّ عادَ إلى عمله بين الكتبِ و الأوراقِ و الرّفوف ، إن كان له دخلٌ سيدخلانه ، و إن لم يكن له فسينسى الأمر ، سينساه في كافّةِ الأحوال ، فلمَ الإصرار؟
لماذا يفكّرُ في استجوابِ طفلين غريبي الأطوارِ في مواضيع على الأكيدِ متعلّقةٌ إمّا بكرةِ السّلّةِ أو البنات؟
كانَ زين في تلك الأثناءِ يرتجفُ في داخله ، يخافُ فوق كلّ همّه أن يراه علي و يعتقدَ أنّه مرسالُ السّلامِ بين أخته و حبيبها ، هو لا يعرفُ حتّى بأمرِ هذا الحبيب ، لذلك ردُّ فعله سيكونُ خطيراً ، بل و أكثر.
وقفَ إلى جانبِ بابِ المكتبة ، ثمَّ انتظرَ حتّى تبعه إيليا ، كانُ الأخير على أهبةِ الاستعدادِ لزجره و إبعادِه ، و ربّما لاتّهامه بشيءٍ و الانفجارِ في وجهه ، سيصبرُ قليلاً بعد ، نعم بالطبع
_"اسمعني إيليا ، ليلي.. أنا لا أعرفُ كيف تشكُّ بتلك البنت"
_"أخبرتك بهذه السّرعة؟"
قطبَ زين حاجبيه أمام النّبرةِ اللّئيمةِ التّي سُئلَ بها ، بيدَ أنّه لم يتوقّف عندها ، ما يزالُ الوقتُ مبكّراً قليلاً على ضربه ، يجبُ أن يجرّه إلى سببٍ معقولٍ يستدعي ضربه فعلاً ، أليس هذا ما كانَ يتعلّمه من العمِّ جمال؟ بل علي؟
_"لقَد أخبرتني اليوم ، كانَتِ المشكلةُ واضحة ، هي متضايقةٌ كثيراً"
نظرَ إيليا أخيراً في عينيه ، نظرةَ النّدِّ و العدوّ ، إحساسُه تجاهَ زين سيّءٌ جدّاً ، بيدَ أنّه لا يجدُ لذلك الشّعورِ أيّةَ مبرّراتٍ أو تسميات ، لا يمكنُه أن يفصحَ عنه أو أن يتصرّفَ بموجبه ، كما لا يمكنُه التّغاضي عنه ، عالقٌ بين السّماءِ و الأرض
_"ماذا تريدُ الآن زين؟"
_"أريدُ أن أخبركَ أنّ ليلي مثلُ أختٍ لي ، ليس هنالك شيءٌ آخر ، و هي تحبُّكَ كثيراً ، لا تسئ فهمها"
أشاحَ بوجهه ، و زفرَ زفرةً جعلت زين يُحِسُّ بثقلِ الأمرِ عليه ، من حيثُ لا يدري؛ زين لا يفهمه ، و إيلي واثقٌ أنّه لو كانَ في مكانه كانَ سيرتكبُ ذات الحماقة ، هذا لا يجعلُه أقلّ ذنباً لكنّه على الأقلّ..
شائع!
_"أنتَ لا تفهمُني ، و لا هي تفعل ، الأمرُ ليس في يدي"
_"هل تريدُني أن أبتعد؟ سوف أبتعد إن كانَ كذلك ، لا تكسرها"
انتفضتِ النّيرانُ في قلبه من جديد ، و وجدَ نفسه ينظرُ إلى زين بذاتِ الطّريقةِ العدائيّةِ السّابقة ، بل و على وشكِ افتعالِ مشكلةٍ معه بعدَ لحظات..
_"لماذا تشعرُني بأنّكَ تُحِبُّها أكثر منّي!؟"
_"أنا أشعرُك؟ أنتَ تتصرّفُ و كأنّكَ لا تُحِبُّها"
_"هي من تقولُ هذا أليس كذلك!؟"
_"طبعاً لا! ما الذّي تقولُه!؟"
استدارَ على انفعالٍ و راحَ يذرعُ الرّصيفَ بخطواتٍ غاضبة ، ذهاباً و إياباً إلى بوّابةِ المكتبة ، لم يعد ينظرُ في وجه مناقشه ، لن يصدّقَ في يومٍ من الأيّامِ أنّه جاءَ أصلاً بهدفِ الإصلاحِ بين الثّلاثة ، و إنّما يراه راغباً في بيانِ أفضليّته عليه ، أنّه الأنسبُ ليكونَ حبيباً لليلي ، طبعاً؛
علي يُحِبُّه ، و هو من عائلةٍ طبيعيّةٍ و يقضي طوال وقته تقريباً معها ، و أضف إلى ذلك ، هو أقلُّ همّاً منه بكثير
الفرقُ بينه و بين زين كالفرقِ بين السّماءِ و الأرض!
لماذا سيجرّبُ أن ينافسه أصلاً؟
_"أخبرها أنّني غيرُ مهتمٍّ حسناً!؟"
سكتَ زين ، و بدأ حسُّ الأهوجِ يستلمُ زمامَ الأمورِ في داخله ، هذا الطّفلُ الغبيّ غيرُ مهتمّ!؟ من هو حتّى لا يهتمّ!؟ من يظنّ نفسه!؟
_"سأفعل ، و سأرجعُ إليكَ و أضربك ، انتظرني"
دلع☆