السّادس عشر

السّادس عشر

102 1

بدأت تجهيزاتُ العشاءِ المنتظرِ تتكاثفُ عندَ حلولِ السّاعةِ السّادسة ، العشاءِ الأوّلِ الذّي سيجمعُ الإخوةَ المعروفين بالأخوين فرح و حسن ، و صدحَتْ في البيتِ أصداءُ أوامرِ فاتن و هي تنهالُ على رأسِ يارا بتردادٍ يكادُ يصيبُها بالدّوار ، ثمَّ على رأسِ علي الذّي لم يثبت في مكانٍ منذُ ساعةٍ تقريباً ، يخرجُ ليجيءَ بغرضٍ من محالِّ الحيِّ و يعود ، فيسألونه إحضارَ شيءٍ آخرَ بحجّةِ أنّهم لم ينتبهوا إليه في البداية ، و هو لم يبحث في الأهدافِ و لم يناقش كثيراً ، كانَ يخرجُ ساكتاً ، بيدَ أنَّ الكيلَ قَدْ طفحَ في النّهايةِ و طافَ القِدر ، لقَدْ خرجَ سبع مرّاتٍ و سألوه أن يخرجَ للمرّةِ الثّامنة ، وجدَ نفسه عندئذٍ يكادُ يقفزُ غيظاً ، و يوبّخُ شقيقتيه بصوتٍ عالٍ ، لقَدْ كانَ من أعدّ طبق المعكرونةِ قبل أن يخرجَ فوق كلّ هذا.

حلّ كلُّ ممكنٍ على هذه التّحضيرات ، من الشّجاراتِ و الصّراخِ إلى المصالحاتِ و التّعاونِ و بعضِ العجائبِ أيضاً ، لقَدْ صنعَ علي طبقاً كما سبقَ و ذُكِر ، طهى المدلّلُ الذّي لم يكن يعدُّ لنفسه كأس شاي ، بل و أصبحَ خبيراً في كافّةِ الأعمالِ المنزليّة ، على العكسِ من يارا التّي تنفّذُ الأوامرَ بالحرفِ و حسب ، و تنساها بعد برهة ، بل و تفشلُ في نصفها أيضاً ، هذا ما يفعلُه الخروجُ من تحتِ جناحِ الأبوين و السّكنُ وحيداً في الغربة ، مسكينٌ علي.

و ليلي الصّغيرةُ كانَتْ خارجَ كلّ هذا ، فقَدْ جلسَتْ في غرفةِ الجلوسِ تشاهدُ التّلفازَ مُذْ بدؤوا تقريباً ، مُذْ طردتها فاتن من المطبخِ بتعبيرٍ آخر ، خرجَتْ لتغييرِ ملابسها فقط ثمَّ عادَتْ إلى أمام التّلفاز ، و لم تستطع التّركيزَ في شيءٍ ممّا يُعرَضُ فيه ، كانَتْ حاقدةً على فاتن ، لماذا لا تتركُها تساعدُ مثلاً؟ ماذا ستخسر؟

لا يُهِمّ ، تبقّى نصفُ ساعةٍ على حضورِ فرح اللّطيفةِ و أخيها ، أخبرتها يارا بذلك و هي تساعدُها في تبديلِ ملابسها ، قبل قليل ، كما طلبَتْ منها أن تكونَ مهذّبةً و لطيفةً و ألّا تتعاملَ مع فرح كما تفعلُ في العادة ، و هي لم تعرف ما يجبُ فعلُه ، و لا تريدُ ذلك ، ليلي لا تريدُ أن تجلسَ معهم اليوم ، بل تفضّلُ أن تخرجَ لرؤيةِ ما إن كانَ إيلي في السّاحة ، و ما إن كانَ سيظلُّ حتّى المساء ، غير أنّها لم تصارح عليّاً بذلك بعد ، ماذا تراه سيفعل؟

غادرتِ الطّفلةُ غرفةَ الجلوسِ ، و وقفَتْ في الممرِّ ريثما يعودُ البطلُ المنشودُ من محلِّ القهوة ، سمعته يقولُ أنّها آخرُ مرّةٍ يخرجُ فيها لإحضارِ شيء ، و إلّا سيمرّغُ رأسَ أختيه ، في القهوة.

هل سيفعل؟

دخلَ بعدَ لحظات ، دخولَ الإعصار ، مرَّ على المطبخِ أمام ليلي ، رمى بالكيسِ الثّامنِ في وجهِ يارا الجالسةِ إلى الطّاولة ، ثمَّ عادَ إلى الممرِّ دون أن يرفقَ بأفعاله كلاماً ، يبدو أنّ تحذيرَه كانَ جدّيّاً ، لا تعرفان بعد.

استوقفته ليلي ، اعترضَتْ طريقه المستعجلَ إلى الصّالة ، بدا لها غاضباً إلى حدٍّ ما ، لكنّها لم تكترث كثيراً ، كلُّ شيءٍ ممتازٌ طالما لم يكن غاضباً عليها هي

_"ما الأمر؟"

_"أريدُ أن أشتري"

تنهّدَ يائساً ، و نظرَ إلى عينيها الموسعتين لأجلِ الطّلب ، كعيني الهرر؛

كانَ التّحذيرُ لفاتن و يارا فقط ، لم يشمل ليلي ، أليس كذلك؟

_"ماذا تريدين؟ سأحضرُه فوراً"

_"طبعاً\! نحنُ تصرخُ و توبّخُ و هي لا تصمدُ أمامها لثانية!"

أفزعَه صوتُ فاتن إذ صدرَ بغتةً من وراءِ ظهره ، و دون سابقِ إنذار ، ثمّ أضحكَه قولُها ، يبدو أنّها قَدْ أخذتِ الأمرَ على محملِ الجدِّ ، ليس و كأنّها تعرفُ أنّ عليّاً لا يرفضُ طلباً لهذه الشّقيّة ، و لا يقاومُ لطفها و ظرافتها أبداً\.

استدارَ نحوها بغيةَ متابعةِ الحديث ، رأى يارا تقفُ هنالك أيضاً ، تضمُّ ساعديها إلى صدرها و تحدّقُ فيه ، لحظة ، هل الأمرُ جدّيٌّ فعلاً؟

_"كوني لطيفةً مثلها و لكِ عيناي لو أردتِ"

_"تقصدُ أنّني لستُ لطيفةً سيّد علي؟"

_"لا تحرجيني"

أفلتتْ يارا ضحكةً خافتةً مُذْ تكلّم ، ثمّ غطَّتْ في نوبةِ ضحكٍ عاليةِ الأصداء ، على إثرِها ضحكَتْ ليلي و علي أيضاً ، و ظلّتْ فاتن تراقبُ بوجهٍ جامد ، لقدِ انزعجت فعلاً ، فكّرَتْ يارا

_"هيّا هيّا ، اقتربَ الموعد"

دخلَتْ إلى المطبخِ أمامهم ريثما أنهوا سخريتهم ، و في الواقع ، استطاعَتْ حركتُها تلك أن أنهتْ ضحكَ يارا على الفورِ و قلبَتْ مزاجها ، فوقفَتْ تراقبُها عند البابِ و هي تغسلُ الصّحون ، تضربُها بالإسفنجةِ و تطرقُها ببعضها البعض ، سوف تقلبُ ليلتهم رأساً على عقبٍ بسببِ ما قيل منذُ قليل ، تعرفُ يارا هذا جيّداً ، كانَتْ ترى ذلك في كلِّ مشكلة ، حتّى عندما لا تفهمُ ما تفكّرُ فيه كما اليوم.

فاتن غيرُ حسّاسةٍ على الإطلاقِ و ليسَتْ ترغبُ في أن تبدوَ لطيفة؛

في الحقيقة ، تراكمَتِ السّلبيّاتُ في داخلها مع كلِّ موقفٍ يتسبّبُ فيه علي ، و ليس هذا جُلَّ الأمر ، لقَدْ فقدَتْ فاتن حسَّ الأختِ الكُبرى على مدارِ الفترةِ الماضية ، و لم تتوضّح لها الأمورُ حتّى اليوم ، توضّحتْ بشكلٍ مزعج

_"علي ، ادخل و كلّمها ، تعرفُ كم تُحِبُّك"

شعرَ بقليلٍ من الاستفزازِ على إثرِ كلامِ يارا ، لكنَّه لم يصرّح به ، في الواقعِ إزعاجُ فاتن كانَ هدفاً له مُذْ رآها تحملُ في يدِها علبةَ السّجائر ، أهدافُه و سبلُه مضمّنة ، لذلك لن يناقشَ أحداً فيها ، لا وقتَ لديه.

دنا من ليلي لكي يخاطبها ، فلملمتْ فمها كالعادةِ لكي تستعطفه ، لم ترد منه أن يخرجَ و يحضرَ لها شيئاً ، لم تنوِ افتعالَ كلِّ تلك المشكلة ، السّخيفة ، تريدُ فقط أن تخرجَ لرؤيةِ إيليا ، تريدُ رؤيةَ إيلي

_"ماذا تريدين إذاً؟ أسرعي قبل أن يصلَ الضّيوف"

_"علي.. أريدُ أن أرى إيليا أيضاً.."

تبدّلَتْ ملامحُه في غمضةِ عين ، من المستلطفةِ إلى الغارقةِ في الجديّة ، بل الممتعضة ، أحسَّتْ ليلي بألمٍ مقدّمٍ في أذنيها ، استشعرتِ الألمَ على إثرِ النّظرِ فقط إلى وجهه ، ماذا فعلَتْ في هذه المرّة؟

جلسَ القرفصاء أمامها بعدَ لحظات ، و تنهّدَ يمنحُ نفسه فرصةً للتّفكيرِ أكثر؛ علي يكرهُ إيليا ، دون أن يلتقي به و دون أن يعرفَ عنه أيّ شيءٍ تقريباً ، مجرّدُ ردِّ فعل.

تنهّدَ من جديد ، و لكيلا تحوزَ الأفكارُ الصّبيانيّةُ على عقله ، مسحَ على شعرِها ، و ردَّ بعض الخصلِ عن وجهها ، يهدأ عندما يرى هذا الوجه ، ليس هنالك ما هو أجملُ من طفلته في العالم بأسره

_"سأشتري لكِ ما تريدين ، و لكن لا لعبَ مع الصّبية ، مع البناتِ فقط"

_"لماذا؟"

سألته بنغمةٍ متذمّرةٍ خائبة ، تخشى ألّا تستطيعَ اللّعبَ مع إيليا من جديد بسببه ، و لا حتّى مع زين صديقها الجديدِ جدّاً ، لن يظلَّ بجانبها أحدٌ سوى زينة ، و زينة لا تُحِبُّ اللّعبَ على الإطلاق ، لا يجبُ أن يحدثَ هذا!

_"لأنّكِ بنت ، و يجبُ أن تلعبي مع البنات"

_"لكنّني لا أُحِبُّ اللّعبَ مع أحد.. أُحِبُّ اللّعبَ مع إيليا فقط.. دعني.."

_"قلتُ لا"

أسكتَها بحزم ، ثمَّ أشاحَ بنظرِه لئلّا يرى نتائجَ فعلته ، هو يعرفُ كم هي حسّاسة ، و كم سيضايقُها تصرُّفُه ، لكنّ كلامها استفزّه كثيراً ، شعرَ بأنّ ذلك الطّفلَ الغريبَ قد تمكّنَ فعلاً من الاستحواذِ على مكانةٍ كبيرةٍ في قلبِها ، و غداً عندما سيسافرُ سيأخذُ كلَّ شيء ، لن يسمحَ بهذا مهما كلّفَه الأمر.

خرجَتْ فاتن من المطبخِ في تلك اللّحظة ، تجاوزَتْ يارا المتجمّدةَ بغباءٍ خارق ، عبرَتْ إلى ذلك المتعجرف ، و منه إلى الصّغيرة ، التقطَتْ يدَها و وجّهتها نحو خزانةٍ الأحذية ، لقَدْ وجدَتْ فاتن جبهةً ممتازةً لبدءِ الحرب ، للانتقامِ الذّي تسعى إليه منذُ البداية ، و لا يجبُ أن تفرّطَ فيها

_"ماذا تفعلين؟"

سألها منفعلاً ، فالتفتَتْ إليه ببرود ، ليس و كأنّ هنالك شيئاً يحدث ، و ابتسمَتْ ، استفزّته إلى أقصى حدّ؛

هذه طبولُ الحربِ قَدْ قُرِعَتْ ، حربِ الاستفزازِ للحصولِ على السّلطةِ ما بين أقوى قوّتين في البيت ، علي و فاتن ، و حسبما يتوعّدُ كلٌّ الآخر ، هذه البدايةُ فحسب

_"سمحتُ لها برؤيةِ ذلك الصّبيّ ، و لو لديك مانعٌ اتّصل بأبي"

رنّ الجرسُ قبل أن يردَّ عليها ، و عُقِدَتِ الهدنةُ غيرُ المعلنةِ على طولِ فترةِ العشاء ، و حتّى مغادرةِ الضّيفين ، يعرفُ كلٌّ منهما ما يجبُ أن يفعل ، و سوف يفعل

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة