السّاعةُ التّاسعةُ و الرّبعُ مساءً ، الغيومُ متكدّسةٌ في السّماءِ و لونها الغامقُ أقربُ إلى النّورِ منه إلى الظّلمة ، ريحُها الرّطبةُ تنعشُ روحَ إيلي المُنتَظرِ في ساحةِ اللّعب ، و تعيدُ إلى رأسِه مجموعةً أدبيّةً لا بأسَ بها من الاقتباسات ، لقَدْ قرأ كثيراً عن المطر ، الأدباءُ و العامّةُ و المتعلّمون و الجاهلون و المتديّنون و اليائسون و العاطلون و العاملون و السّيّئون و الأخيارُ و الرّجالُ و النّساءُ و الشّيوخُ و الأطفالُ يُحِبّون المطر ، مجموعةٌ واسعةٌ تضمُّ النّاسَ أجمع ، و تستثني في أحوالٍ نادرةٍ بعضَ هواةِ المقتِ و بعضاً ممّن انتظروا جوّاً مغايراً ، للعبِ كرةِ القدمِ مثلاً؛ المطرُ ضيفٌ لم يكن خفيفاً يوماً ، كانَ بثقلِ الخير ، و الخيرُ ثقيلٌ ثقيلٌ إلى درجةِ الخلود ، الخيرُ خالدٌ في ذكراه ، خالدٌ في محبّةِ اللّٰه له ، خالدٌ لأنّه الخير ، لا ينزاحُ من حيث حلَّ أبداً و لو أنكره النّاس.
تمدّدَ إيليا على العشبِ كما كانَ يُحِبُّ في طفولته القريبةِ البعيدة ، و استنشقَ ريحَ ما قبل المطرِ باستمتاع ، هو في انتظارِ ليلي لتأتي و تشاركَه هذه الجلسةَ اللّطيفة ، و ليلي تتأخّر اليوم ، كما يتأخّرُ المطر.
لم يحاول قمعَ خياله مع تعمّقِ اللّيل ، كانَ يتذكّرُ شكلها هنا و هناك ، و يتخيّلُها إلى قربه كما تجلسُ البطلةُ إلى قربِ البطلِ في الأفلامِ الرومنسيّةِ الهادئة و في الرّواياتِ الرّائقة ، هو راضٍ بطريقةٍ ما ، حتّى لو لم تأتِ و حتّى لو تركته ينتظرُ طوالَ اللّيلِ دون خبر ، كانَ تخيُّلُها ممتعاً ، موقظاً للحواسِ و العواطف ، كما أنّه يتفهّمُ أيّ شيءٍ قَدْ تفعله ، فقَدْ سمعَ بالصّدفةِ البحتةِ أنّ عليّاً قادمٌ من الجدِ فؤاد صاحبِ المكتبة ، لقدِ انشغلَ بدوامه المدرسيِّ الطّويلِ و لم يزره اليومَ أيضاً ، خسارة ، كانَ راغباً في ترتيبِ المكتبةِ برفقته.
نهضَ بعدَما لحظَ مرورَ نصفِ ساعةٍ على الموعد ، و أكثر ، نفضَ ملابسَه ، و فركَ ساعديه بحيثُ يدفّئ بدنه ، الجوُّ باردٌ جدّاً ، و يزدادُ برودةً كلّما مرَّ الوقت ، كأنّما يطالبُه بالرّحيل ، هو يشعرُ أنّ الوقتَ يمضي ، أنّه يغادرُه بلا عودةٍ و يتركُه حائراً فيما كانَ يجبُ فعله ، لم يصلِّ اليومَ بعدُ أيضاً ، لإيليا فكرةٌ لطيفةٌ عن الصّلاة ، يقولُ لنفسه أنّ كلماته في أثنائها و لو لم تُسمَع في الأرض ، فهي تلفُّ رحابَ السّماء ، يشعرُ أنّها السّبيلُ الوحيدُ لسماعِ ضجيجِ دواخله ، أنّ اللّٰه هو الوحيدُ المهتمُّ بسماعه ، و هو الوحيدُ الذّي يفهمُه ، يفهمُه أكثرَ من نفسه حتّى لو ما تكلّم
'أُحِبُّكَ يا إلهي'
رفعَ رأسه إلى السّماء و تمتمَ بين أنفاسِه المستغرقةِ في شعورٍ لا يدركه ، حُبُّ اللّٰه عبادةٌ قدسيّةٌ بحدِّ ذاتها ، و هي أقدسُ من كلّ الأديانِ و المذاهب ، و السّبيلُ الوحيدُ للخير ، كانَ أبوه يخبره بذلك يوم كانَ طفلاً؛
تنهّدَ تنهيدةً مُثقلةً ثمّ ابتسم ، هو في حاجةٍ إلى لحظةِ صفاءٍ بعدَ كلّ ثانيةٍ تمرُّ عليه ، لقَدْ أتعبَه عقلُه ، أثقلَ حمله و أنهكَ مقدرته ، هذا يكفي ، يجبُ أن يجدَ حلّاً ، مأوىً شبهَ دائم ، ليس هنالك ما هو دائم ، ما يريدُه هو شيءٌ غيرُ متزلزل ، شيءٌ لا مجالَ للشّكِّ فيه ، أهو صعبٌ إلى هذا الحدّ؟
تنهّدَ من جديد ، ثمّ ابتدأ السّيرَ إلى ناحيةِ نافذةِ ليلي ، يريدُ أن يتأكّدَ من أنّها لن تأتي بعد أن يغادر ، استرقَ السّمعَ إلى ما داخلَ الغرفة ، سمعَ بكاءَ طفلٍ صغير ، و في نفسِ اللّحظةِ صدرَ صفيرُ الرّيحِ و أصابه بردها ، كانَتْ لحظةً غريبةً جدّاً ، لكنّه لم يعلّق ، هو لا يُحِبُّ الأطفالَ ربّما ، و ربّما يفعل.
يبدو أنّ بعضَ أقرباءِ ليلي قَدْ مرّوا عليهم للزّيارةِ أيضاً ، أو ربّما.. بل لا بدّ من أنّ هذا طفلُ أختها ، ليلي خالةٌ الآن ، الأمرُ ظريف ، ظريفٌ جدّاً.
استدارَ راحلاً ، و في قلبِه غصّةٌ لم يعِ بسببها تمامَ الوعي ، يريدُ لو يراها بعد ، يراها و لو قليلاً ، يريدُ أن يكونَ شابّاً طبيعيّاً مُرحّباً به بينهم ، جاراً على الأقلّ في إمكانِه إلقاءُ السّلام ، بيدَ أنّه محرومٌ أبسطَ حقوقه ، فقط لأنّ الملعونَ ريّان خالُه ، ذلك الذّي يقضي حياته ساعياً للتّخلّصِ منه ، و السّببُ الأكبرُ في خرابِ هذه الحياة ، هو ذاتُه الذّي لا يقبلُ الاعترافَ به لأنّ أباه يتبعُ لغيرِ نهجٍ دينيّ ، أصبحَ انتماءُ شخصٍ مثله إلى عائلته بالاسمِ عائقاً أمامه ، ليته يموتُ و ينتهي الأمر ، لن يخجلَ إيليا من الاعترافِ بهذه الأمنيةِ بعد الآن
____
سرقَت ليلي وشاحَ فاتن الأحمرَ من الصّالةِ و توشّحتْ به ، هذه ليلةُ سهرةِ نهايةِ الأسبوعِ مع إيلي ، و قَدْ تأخّرتْ عليه نصفَ ساعةٍ ريثما تأكّدتْ من أنّ عليّاً غفا في غرفته ، لا تعرفُ إن كانَ سينتظرُها في السّاحةِ أكثرَ من ذلك ، هي ترجو فقط أن يفعل ، فقط لعشرِ دقائق أُخرى ، ستكونُ عنده ، هل سيصبرُ أكثر؟
هي لا تعرف ، تعرفُ أنّه صبورٌ في العادة ، و لكنّها لا تستطيعُ حدّ صبرِه ، تتمنّى لو يظلّ..
ألقَتْ نظرةً على نفسها ، و على الصّالة ، أبوها جالسٌ هنالك يتابعُ الأخبارَ بعصبيّة ، الحربُ مندلعةٌ في مكانٍ ما من البلادِ من جديدٍ و هو مركّزٌ جدّاً ، لن تستطيعَ الخروجَ من البابِ على الرّغمِ من ذلك دون أن تلفتَ انتباهه ، لا يظلُّ أمامها سوى نافذةُ غرفتها ، و المشكلةُ طبعاً أنّ يارا نائمةٌ هنالك مع علي الصّغيرِ الحبّوب ، و ستظلُّ عندهم فترةً حتّى ترتاحَ جيّداً من آثارِ الحملِ و العمليّة ، مصيبة.
توجّهتْ إلى غرفتها سريعاً ، كانَ الصّغيرُ يبكي منذُ فترةٍ و يستحيلُ أن تكونَ يارا نائمة ، لذلك ، يجبُ أن تحتالَ عليها ، و هي الأفضلُ في ذلك.
و بالفعل ، كانَتْ معتدلةً و هو في حضنها ، ترضعُه ، شدَّ المنظرُ ليلي لوهلةٍ ، بدا لها غريباً لم ترَ كمثله من قبل في الحياةِ الواقعيّة ، غيرَ أنّها أشاحَتْ بوجهها فوراً عنه ، و توجّهت إلى الخزانةِ تبحثُ فيها؛
هي لا تعرفُ لماذا استغربت ، و ليستْ متفرّغةً فوق ذلك للتّفكيرِ في السّبب ، عقلُها عند إيلي فقط ، ستحضرُ سترتها الآن و ترحلُ إليه ، هذا المهمّ
_"ماذا تفعلين يا ليلي؟"
_"ارتاحي أنتِ ، سأذهبُ لرؤيةِ القمرِ في السّاحةِ فقط ، لن أتأخّر"
_"تريدين أن يخنقكِ علي؟"
زفرَتْ متضايقة ، أضحتِ الآن ترى عليّاً في نومها و هو يمسكُ بها بالجرمِ المشهود ، يصيحُ بها فتستفيق ، هي لا تخافُه كما يبدو الأمر ، فهو لم يفعل شيئاً من قبلُ يجعلها تفعل ، على النّقيضِ من والدتها مثلاً ، لكنّها لا تُحِبُّ عندما يخاصمُها ، يصبحُ غليظاً و فظّاً جدّاً ، و صعبَ المرأسِ و كثيرَ الأوامرِ و مستحيلَ الإرضاء ، و يكادُ يخنقُها فعلاً بتصرّفاته ، يارا على حقّ.
أسندَت ظهرها إلى بابِ الخزانةِ و طأطأت رأسها ، فكّرتْ في طريقةٍ لإقناعِ أختها فعلاً ، هي لا تهتمُّ بأمرها إلى هذا الحدّ ، كلُّ همّها ألّا تقعَ في المشاكل ، لذا..
_"لن يعرف ، هيّا يارا ، يكادُ يغيب ، لن أخبر عليّاً أنّكِ تركتني"
_"سيعرف ، ثمّ انتظري حتّى غدٍ و اخرجي في وقتٍ مبكّر ، لمَ الاستعجال؟"
_"الغد؟ لن.. لن يعودَ بدراً.. هيّا هيّا نامي و دعيني أخرج ، لن أتأخّرَ أبداً"
_"قلتِ لن يعودَ بدراً؟ من تظنّينني؟ لقَدْ كنتُ في مثلِ عمركِ و أعرفُ كلّ شيء"
زفرَتْ من جديد ، و لكن بحنقٍ قَدْ تضاعفَ عن المرّةِ السّالفة ، كانَتْ حضرتُها تخرجُ و تعودُ وقتما شاءت و لم يسألها أحدٌ شيئاً ، و الآن لا تريدُ أن تسمحَ لها بالتّنفّسِ حتّى؟ أيّ عدلٍ هذا؟ ما كلُّ هذا الحرمان الذّي تعيشُه بعدما عاشَ إخوتها حياتهم كما أرادوا؟
_"قال تعرف ، و ماذا تعرفين يا عبقريّة؟"
_"من سوف تقابلين؟"
_"أقابل؟ من تظنّينني؟"
_"حسناً إذاً ، سأوقظُ عليّاً ليأخذكِ"
_"ماذا تقولين!؟ لماذا أنتِ هكذا!؟"
ضحكتْ يارا على نحوٍ مستفزّ ، بعدما أثبتت أنّها تعرفُ كلّ شيءٍ فعلاً ، أمّا ليلي التّي استشاطتْ غضباً ، فقَدْ بدأت تحسُّ فوق ذلك بأنّ شخصيّةَ زين تتلبّسُها.. ثمّ..
_"علي! أُمُّكَ سفيهةٌ و وضيعةٌ و...!"
دلع☆