لقدِ اتّفقَ زين و علي بسرعةٍ كبيرة ، على الرّغمِ من أنّ رقبةَ الأوّلِ كانَتْ مهدّدةً بالكسرِ على يدِ الثّاني في أوّلِ وهلة ، لكنّه سامحه ، علي يطمئنُّ لزين بعض الشّيء ، سيتركُ أخته تعودُ من المدرسةِ معه في بعضِ الأحيان ، المهمُّ أن يعرفَ هو أوّلاً ، ليته يعرف بالحقيقة.
توجّهَ الاثنان لمبارياتِ جهازِ الألعابِ الحماسيّةِ ضدّ حسن المتباهي و ابنه الصّغيرِ ذي القبضةِ المُطفأة ، و توجّهتْ ليلي إلى المطبخِ حيث تجلسُ أختاها ، و ما إن وطئت عند العتبة ، سكتت الاثنتان ، و انهالتْ فاتن عليها بأوامرِ إعدادِ العصيرِ و ما إلى ذلك؛
تنهّدَتْ ليلي ، ثمّ امتثلت للأوامرِ دون مناقشة _على غيرِ العادةِ طبعاً_ و جاءَتْ بإبريقِ ماءٍ و علبةِ العصير؛
كانَتْ تريدُ أن تبادلَ إحداهما الأسرار ، تريدُ أن تشكو لأختها ما يثقلُ رأسها ، إلّا أنّها بلا أخت ، فاتن و يارا أختان و هذا صحيح ، و هي خارجَ السّرب ، طفلةٌ من العائلةِ صغيرةٌ ما تزال ، لن تبرح إحداهما قبل أن تشي بأيّ كلمةٍ تسمعها عنها ، أو قبل أن تمسحَ بكرامتها الأرض ، لقَدْ سئمت من هذه العائلة
_"كيف كانَ يومُكِ؟"
سألَتْ فاتن بغتةً و هي تضعُ الكؤوسَ على الطّاولة ، هي تفعلُ أحياناً ، تسألُها عن حالها و تعدُّ لها اللّازمَ إذا ما مرضت ، لكنّها فاقدةٌ لحنانِ الكلمة ، لم تسمع به من قبل ، كلماتُها كالسّكاكينِ حدّةً ، مباشرةٌ و غليظة
_"جيّد"
_"لا أرى ذلك"
_"ضعي نظّاراتِكِ ، سترين"
سكتَتْ فاتن ، و ألقَتْ نظرةً سريعةً على يارا قبلَ أن أشارَتْ برأسها نحو ليلي من جديد ، تقولُ لها "أترين؟"
كانَت تخبرها قبل لحظاتٍ أنّ هنالك خطباً في حياةِ الصّغرى ، فاتن متأكّدة ، فهي لم تعد تأكل كما يجب ، تتشاجرُ مع علي كلّما جلسا على مائدة ، و إذا لم يكن حاضراً لا تأكلُ أبداً ، و لم تعد تضحكُ كثيراً أو تركّزُ في شيء ، تجلسُ أمام التّلفازِ و تشاهدُ البرامج ، و وجهها لا يتغيّرُ مهما كانَ البرنامجُ مضحكاً ، فاتن و علي قلقان جدّاً ، لذلك اقترحت على أخيها أن يتركَ زين حولها ، فهي تضحكُ معه أحياناً ، و هذا ما حدث ، تركه و شأنه.
ضاقَ صدرُ يارا ، فاقتربَتْ من ليلي المنهمكةِ بتحريكِ العصيرِ في الإبريق ، و مسحَتْ على شعرها؛
_"انظري إلى هذا الشّعرِ كم هو حلو ، ماذا تستخدمين؟"
_"معجون حلاقة ، ماذا أستخدمُ مثلاً؟"
ضحكتْ يارا رغماً عنها ، ممّا أثار استغرابَ ليلي أكثر ، هي على الأكيدِ تتجهّزُ لطلبٍ ما ، و قد كانَ توقّعُ ليلي في محلّه؛
يارا ترغبُ في إعادة طرحِ اقتراحِ حسن على العائلة ، القاضي بأن تأتي ليلي و تسكنَ عندهم و لو لفترة ، كان الثّنائيّ يفكّرُ في هذا الأمر مُذْ كانَ علي في فرنسا ، لأنّها كانَتْ تظلُّ وحدها و شيئاً من هذا القبيل ، بيدَ أنّ والدتها لم توافق في ذلك الوقت ، لا أحد يعرفُ لماذا ، و لم يعد يهمّ الآن ، فالقرارُ في يدِ علي لا في يدها
_"ليلي.. أتأتين لزيارتنا؟ سيسعدُ علي بكِ"
_"شكراً ، لا أريد"
_"لتخرجي من جوِّ البيت.."
_"إلى جوِّ بيتٍ آخر؟ شكراً ، لا أريد"
تركَتْ إبريقَ العصيرِ و غادرتِ المطبخ ، توجّهتْ نحو غرفةِ الجلوس ، و وقفت بالباب ، لا تعرفُ أين تذهب ، تراقبُ الثّلاثيّ العجيبَ يلعبُ بحماسة ، و علي الصّغير يقفزُ بينهم و يهتفُ للجميع.
مشتْ ليلي قليلاً ، و جلستْ إلى قربِ أخيها المركّزِ على اللّعبة ، لم يلبث أن تركَ القبضةَ لزين ، و لفّها بذراعه لكي يدللها ، على عادته؛
لقَدْ سألها ما بها ، سألها كثيراً ، و كانَتْ تجيبُ تارةً بأنّ الجوّ كئيب ، و تارةً بأنّها تشعرُ بالنّعاس ، و تارةً بأنّ رأسها يؤلمُها ، و تارةً و تارةً و تارة ، كانَتْ تختلقُ أعذاراً من هنا و هناك لئلّا يقلق ، و كانَ يقلقُ و يبالغُ في قلقه كلّما أجابت هكذا
_"ما بها طفلتي؟ فيمَ تفكّر؟"
_"علي"
_"عيونُه"
_"أريدُ أن أسجّلَ في نادي كرةِ السّلّة"
_"سلّة؟ تُحبّينها؟"
_"نعم ، زين أيضاً لاعبُ كرةِ سلّة"
التفتَ علي نحو زين ، الذّي تجمّدَ عند ذكرِ اسمه ، لا يعرفُ بعدُ أيفخرُ بذلك الخبرِ أم ينتظرُ ضربةً لأنّه حرّضَ البنتَ على هذا الطّلبِ الخطير ، و لكن يبدو أنّ عليّاً هادئ ، يرجو ذلك
_"لاعبُ سلّةٍ يا ضفدع؟ لماذا ظننتُكَ عديم الفائدة؟"
_"سامحكَ اللّٰه يا أخي ، لم ترني بعد"
_"لا شكراً ، تكفيني رؤيتكَ الآن"
_"خالي خالي"
نادى علي الصّغير على خاله ، ثمّ ركضَ إليه و شرعَ يشدُّ ملابسه ، يفعلُ هذا عندما يريدُ أن يشي بأحدٍ ما ، أو أن يشتكي أحدَ أبويه ، خالُه عظيم ، رائعٌ و يدلله دائماً ، و قويٌّ لا أحدَ يستطيعُ أن يقاتله ، خالُه الأقوى في العالم كلّه
_"ما الأمرُ علوش؟"
_"خالتي تقولُ أنّ ليلي لم تأكل فطورها"
_"علي!"
صاحَتْ ليلي متذمّرة ، ثمّ أغمضَتْ عينيها و زفرت؛
لا مهربَ الآن ، سيظلُّ علي يوبّخُها و يلومها طوال النّهارِ لأنّها لا تأكلُ و لا تستجيبُ له مهما فعل و قال ، لن يفهمَ الحقيقةَ و لن يصدّقَ أيّ كذبةٍ تقولها ، علقتِ.
ظلّ المنتظر ساكتاً ، لأوّلِ مرّة ، فكّرَ أن لا نفعَ يرجوه من أساليبِه السّابقة ، يبدو أنّ الأمرَ أصبحَ في حاجةٍ لإعلانِ طوارئ ، يجبُ أن يجدَ الحلّ ، لقَدْ مرّ بحالٍ مثل هذه عندما كانَ في فرنسا ، و لا يريدُ لليلي ذات المصير ، كلّ شيءٍ إلّا هذا
_"لماذا تفعلين هذا؟ هل تنقصُ شهيّتكِ؟ أم أنّ الطّعامَ لا يعجبكِ؟"
_"لا لا.. أنا آكلُ في المدرسة.."
رنّ جرسُ البيتِ في أثناءِ كانَ حاجبا زين يرتفعان و عيناه تتوسّعان و تفضحان كذبتها ، سيشي بها طبعاً طالما ستكذبُ هكذا ، كانَ على وشكِ أن يقف و يكذّبها أمام أخيها و زوجِ أختها ، لولا أنّها ركضَتْ هاربةً تفتحُ الباب ، لن يستطيعَ الوشاية بها من وراء ظهرها.
أسند علي رأسه إلى كفّه و كأنّه مصابّ بصداعٍ أليم ، و حسن تعاطفَ معه ، يشعرُ به كلّما رأى ابنه مريضاً
_"علي ، ليلي مراهقة ، من الطّبيعيّ أن تمرّ بهذه المراحل"
_"ماذا أفعل؟"
_"اسمعها فقط ، أو اترك لي الأمر"
_____
_"هناك شخصٌ يريدُكِ في المكتبة"
أبلغتها صبيّةٌ من بناتِ الحيّ الصّغيرات ، ثمّ غادرتْ بسرعةٍ تبتغي إخبارَ صديقاتها بما فعلت ، كانَتْ مرسالاً بين الاثنين على أساس أنّ أحداً لا يعرفُ أنّهما محبّان ، و لكن على من؟
تنهّدتْ ليلي و هي تراقبُ ظلّها ينحسرُ من أمام عتبةِ الباب ، ثمَّ أعملتْ رأسها قليلاً ، انتعلتْ حذاءها و نادَتْ على فاتن بصوتٍ عالٍ ، ستبلغُها بأنّها خارجةٌ بدلَ أن تبلغَ عليّاً ، أوّلاً لأنّها لا تكثرُ الشّكوك ، و ثانياً لأنّها و منذُ فترةٍ تحثّها على الخرجِ و رؤيةِ خلقِ اللّٰه ، لا يجبُ أن تظلّ شابّةٌ في عمرها محتجزةً بين أربعةِ جدران ، هذا سنُّ الزّهورِ و ليس سنّ العتمة ، و فكرها هذا جيّد ، جيّدٌ الآن.
توجّهت فاتن نحوها بعدَ برهة ، و راحَتْ تشزرُها من أعلى رأسها إلى أخمصِ قدميها ، رائع ، ستعلّقُ على شكلها الآن ، مرحى
_"ما الذّي..."
_"سأخرجُ يا فاتن ، لن أتأخّر ، هل تريدين أن أحضرَ شيئاً معي؟"
_"أحضري بعض اللّيمون ، أخبريه أنّني سأدفعُ فيما بعد ، و لا تتأخّري لأنّ الغداءَ جاهز"
هزّتْ برأسها ، و لم تحفظ كلمةً ممّا قالَتْ أختها ، كلّ ما أرادته أن تضيّعها عن الأسئلةِ و الملاحظاتِ و التّعليقات ، لن تخدمها في شيءٍ طبعاً.
انسلّتْ من البابِ بخفّةٍ و هرولتْ في اتّجاهِ الشّارعِ العامّ ، لاحَ لها خيالُ إيليا أمام المكتبةِ في الجهةِ الأُخرى ، فابتسمت ، تُحِبُّ رؤيته حتّى عندما يلفُّ نفسه بهذا الكمّ من الغموض ، صحيح ، لماذا طلبها الآن؟ على الرّغمِ من أنّ لديهما موعدٌ عند السّادسة؟
تلفّتت يمنةً و يُسرة ، و قطعتِ الشّارعَ ركضاً لئلّا تباغتها أيّةُ مركبة ، لحظها قبل أن تصل ، و أغمضَ عينيه ، يجبُ أن يكونَ هادئاً معها ، يجبُ أن يصونَ لسانه لئلّا يخرّبَ كلّ شيء ، فليلي صغيرة ، ستسيءُ فهمه على الأكيد..
_"إيليا.. مرحباً"
_"أهلاً"
اطّلعَ على مدخلِ بنائهم ، ليتحقّقَ من أنّ أخوها ليس قريباً ، ثمّ سارَ عائداً نحو المكتبة ، لم تتلفّظ بحرف ، تبعته بهدوءٍ شديد ، فقَدْ نالها الاختلافُ الغريبُ في بريقِ عينيه ، هنالك شيءٌ ما.
دلفَ إلى المكتبة ، سحبَ كرسيّاً و أشارَ لها لكي تجلس ، ثمّ جلسَ إلى جانبها ، عاقدَ الحاجبين ، يفكّر ، يخالُ نفسه و هو يرفعُ صوته ما إن يحرّكَ فاهه ، لن يتحكّمَ في نفسه ، هو غاضبٌ جدّاً ، و المكانُ فارغ
_"أنتِ و زين"
تكلّمَ أخيراً ، و أشاحَ بوجهه لئلّا يلحظَ علائمَ الخيبةِ في وجهها عندما تفهمُ حقيقةَ شكِّه بها ، يريدُ أن يخرجَ من المشكلةِ بأقلّ الخسائر..
أهذا ممكن؟
_"ما بنا؟"
_"ما بينكما؟"
_"ما بيننا؟"
_"توقّفي عن تكرارِ الأسئلة!"
فقدَ صبرَه سريعاً ، أسرع بكثيرٍ ممّا كانَ يتوقّع ، و لسوءِ حظّه ، نظرَ في عينيها في ذاتِ اللّحظة ، و رأى كيف فزعَتْ ، هذا ما كانَ ينقصُه!
مسحَ على رأسه و ازدردَ ريقَه ، يدُه أضاعت سبيلها إلى رأسه بادئ ذي بدء ، رفعَها و نسي الهدفَ من وراءِ ذلك ، ذهنُه مشوّشٌ بالغيرة ، بالشّكّ ، بالخوفِ و السّوداويّة ، و بتلك العبارة..
كالحبيبين..
يجبُ أن تجيبَ و بسرعة ، و إلّا ابتلعته الثّقوبُ السّوداءُ في داخله ، و حوّلته إلى كائنٍ جديد ، كائنٍ هو ذاتُه لم يكن ليقبلَ وجوده..
_"أجيبي ليلي ، أجيبي فقط"
_"أنتَ تعرفُ أنّنا صديقان مقرّبان"
_"أعرف ، و ما الذّي لا أعرفُه؟"
_"لا شيء ، هذا كلُّ الأمر ، هو يعرف عليّاً و أبي أيضاً"
ازدادَ عبوسُه مع ذكرِ اسمِ أخيها ، علي الذّي مانعَ وجودها معه عندما كانَتْ طفلة ، عندما كانَ كلاهما بريئاً لا ينوي على شيءٍ من هذه الصّداقة ، و الآن لا مشكلةَ لديه مع شابٍّ يتقرّبُ من أخته إلى هذا الحدّ؟ أين العدل في ذلك؟ لماذا هو؟
_"و علي تركَه يتقرّبُ منكِ"
_"زين لم يتقرّب منّي ، نحنُ هكذا منذُ الصّفِّ التّحضيريّ"
هزّ برأسه ، لا يعرفُ ما يفعل ، لا شيءَ تقولُه يبرّدُ اللّهيبَ في داخله ، لا شيءَ سيطفئ هذه الحرائقَ ما لم تتبدّى و تظهر ، لا شيءَ سيستطيعُ بلوغها ما لم تُلفَظ ، لا شيءَ سيهوّنُ الأمرَ ما لم يعظم
_"مقرّبان منذُ الصّفِّ التّحضيريّ"
_"نعم ، أنتَ و هو الوحيدان في حياتي منذُ ذلك الوقت"
رفعَ حاجبيه ، و ألقى نظرةً حديثةً حادّةً في عمقِ عينيها الثّابتتين ، نظرةً مستنطقة ، منزعجة؛
ليلي تعرفُ أنّها لم تقدم على خطيئة ، لذلك لن تندمَ و لن تخشى أن يفهمها خطأ ، هي و لو خافت ستخافُ أن تزعجه ، و خوفها هذا قَدْ وقعَ و تمّ ، ما من خوفٍ بعده يؤثّرُ فيها
_"أنا و هو؟"
_"نعم"
أمالَ جذعه إلى الأمام قليلاً بحيث قرّبَ وجهها من وجهها ، ثمّ حطّ راحةَ كفّه على وجنتها ، و وجّهَ عينيها التّائهتين إلى ملتقى عينيه الملتهبتين ، لا يذكرُ أنّه لمسَ وجهها كحبيبٍ من قبل ، تلك كانَتِ اللّمسةَ الأُولى ، التّي لا ينكفئ يندمُ عليها حتّى اللّحظة
_"لا يوجدُ أنا و هو ، إمّا أنا أو هو"
_"ما بكَ إيليا؟"
_"اختاري من تخسرين"
استعادَ يده و أشاحَ بوجهه ، إيليا ليس من هذا النّوع ، ليس من هذا النّوع ، ليس من هذا النّوع!
'يا ربّ السّماء!'
ناجى ربّه في أثناءِ كانَ يسترقُ السّمعَ إلى وقعِ خطواتها ، رحلَتْ و لم تجبه ، رحلَتْ و لم تقل شيئاً ، عيناها أبلغتاه بكلّ شيء ، عيناها حكتا عن كلّ الخذلانِ و الألمِ و الحنقِ الكائنِ في داخلها عليه ، عليه و على كلامه و تحوّله المفاجئ..
آه يا إيليا ، أنت ذاتك لا تصدّقُ ما خرجَ من فمك..
و لكن أين المهرب؟ هل ستعودُ الكلماتُ فقط لأنّه نادمٌ في ذاتِ ساعةِ قولها؟
دلع☆