العاشر

العاشر

108 1

مخالفةُ تجاوزِ السّرعةِ المسموحةِ في داخلِ المدينة ، و ربّما اثنتان ؛ كانَ علي يحاولُ أن يطيرَ بالسّيّارةِ كي يصلَ إلى المدرسة ، و الأفكارُ المتضادّةُ في رأسِه لا ترحمُه ، لقَدْ فشلَ في المهمّةِ الوحيدةِ التّي أرادَ أخذَها على محملِ الجدّ ، رعايةِ ليلي ، لقَدْ فشلَ فشلاً ذريعاً ؛ هي على الأكيدِ واقفةٌ تبكي لوحدها في الشّارع ، أو ربّما ضاعَتْ عن المدرسةِ و هي تحاولُ العودة.. أو ربّما

ماذا لو اختُطِفَتْ!؟ ماذا لو حاولَتْ قطعَ الشّارعِ العامّ الذّي يعجُّ بالحافلاتِ و السّيّارات!؟ ماذا حدثَ لليلي!؟

وصلَ بمعجزة ، بعدَ أن كادَ لبرهةٍ يرى نفسه في قلبِ أحدِ الجدران و الحجارةُ و رجالُ الشّرطةِ من حوله ؛ كانَ يتوهّمُ بذلك ، علي كانَ قلقاً جدّاً ، كانَ متزعزعاً تماماً ، و لم يعِ بذلك بعد.

ركنَ السّيّارةَ و ترجّلَ منها ، و ركضاً ، توجّهَ إلى بوّابةِ المدرسةِ شبهِ المُغلقة ، تلفّتَ هنالك علّه يراها ، ثمَّ دخلَ و كأنَّه يقتحم ، لم يأبه بثقلِ البوّابة ، كانَ يتمنّى رؤيتَها.

_"ليلي!"

صاحَ بصوتٍ مخارجُه تجرّحت ، جفلَ الرّجلُ المُسِنُّ على إثرِ هذه الصّرخة ، كانَ ينظّفُ الأرضيّةَ إلى قربِ الزّرعِ بمكنسةٍ هرئة ، لم يكن ليجفلَ لولا أن سمعَ صوتَ علي من خلفِ ظهره ، فالرّجلُ معروفٌ عنه برودُ الأعصاب ، البرودُ المستفزّ.

التفتَ الرّجلُ بهدوءٍ نحو الشّابِّ الذّي يلتقطُ أنفاسه في قلبِ السّاحة ، ثمّ ، و ببطء ، تركَ المكنسةَ فوق الأرضِ و توجّهَ نحوه.

وجهُ الشّابِّ كانَ ملوّناً بألفِ لون ، تارةً ما يتحوّرُ غاضباً جدّاً و ساعياً للانتقام ، و في ذاتِ اللّحظةِ يبدو هيّناً ضعيفاً ، ثمّ شديداً قلقاً ؛ و في أثناءِ تفحّصُه السّريعِ جدّاً جدّاً ، استذكرَ الرّجلُ شيئاً ممّا غفلَ عنه..

_"عمَّ تبحثُ أيُّها الشّابّ؟"

_"أختي الصّغيرة.. لم.. لم يأتوا لأخذِها.. هي في الصّفِّ التّحضيريّ"

كانَ يلهثُ بين كلِّ جملةٍ و تاليتها ، نتيجةً للتّعبِ من جهة ، و نتيجةً للقلقِ من جهةٍ أُخرى ؛ حسنٌ ، كانَ كلامُه مفهوماً مسبقاً من قبلِ الرّجل ، لذلك لم يواجه مشكلةً في تحليله ، و لم يواجه قلقه أيّةَ عقباتٍ في هذه المرّة ، على العكس ، لقَدْ خشي لأوّلِ مرّةٍ من العاقبة ، فازدردَ ريقَه ، و شرعَ يفكّرُ على عجلةٍ في طريقةٍ للتّملّصِ ممّا حدث ، هو على قدرة ، يقدرُ على تناولِ الأمورِ بطبيعيّة ، نعم فما علاقتُه بالأمر؟

_"كيف تبدو؟"

_"صغيرةُ الحجم.. و تحملُ حقيبةً أرجوانيّة.. اسمُها ليلي إبراهيم.. "

_"من أيّ قرية؟ لم أرها ، لم يكن هنالك طفلةٌ ضائعة ، على أيّةِ حالٍ ادخل و اسأل الإدارة"

مسحَ علي على رأسِه منفعلاً ، يكادُ يبكي ، و عيونُه تتمركزُ على عكسِ هذا المفهوم ، تتمركزُ بحقدٍ لا يسمحُ بالنّظرِ فيهما ، حدقتاه ترتجفان ، و لا يُلاحَظُ هذا الرّجفانُ إلّا من بعدِ تركيزٍ يستحيلُ أن يتمّ ، علي لا يدركُ ما به بعد ، و لا يدركُ إلى أين ستؤولُ أفعالُه بعدَ لحظات ، يشعرُ بدموعِه تتجمّعُ بين عظامِ وجهه و تغرقُها بحرارةٍ ما ، فسّرها في غضونِ ثوانٍ ، و على استعجال ، على أنّها غضبٌ على هذا المتبارد ، لماذا يسأل عن القرية!؟ و ادخل الإدارة أيضاً!؟

_"سأبلغُ الشّرطة"

تلفّظَ بصوتٍ معتدل ، أُنهِكَ في خفضه ، ثمَّ استدارَ على عجلةٍ و همَّ بالرّحيل ؛ و هنا ، استيقظَ الرّجلُ و سارعَ اللّحاقَ به ، استحكمَه قبلَ المخرج ، أمسكَ ذراعَه و ردَّه قليلاً إلى خلف بحيث يوقفه ، و توقّفَ علي فعلاً ، بيدَ أنّه لم يستدر خيفةَ أن يضربَ رجلاً أكبرَ من أبيه و هو لا يعي.

استيقاظُ الرّجلِ لم يكن نتيجةً للاهتمام ، و لا خوفاً على المدرسةِ و المُشرِفة ، و إنّما لأنّه على أتمِّ الدّرايةِ بأنّ المديرةَ ستفصلُه لو كانَ سبباً في مجيءِ الشّرطة ، حتّى لو أثبتَ أن لا يدَ له في ضياعِ الطّفلة ، الآن سيفعلُ أيّ شيء ، نجح علي ، نظريّاً

_"انتظر! يمكنُ أن.."

_"انتظر!؟ أنا أخبرُكَ عن طفلةٍ ضائعةٍ هل تسمُعني!؟"

_"ماذا هناك؟"

ظهرَ شابٌّ بينهما بغتةً ، حسنٌ ، لقَدْ حاولَ قصارى جهدِه كي يعبرَ إليهما دون أن يلاحظاه ، و قَدْ نجح ، فقَدْ فزعَ الرّجلُ المُسِنُّ و شرعَ يومئ لعلي برأسِه و يديه كي يسكتَ و لا يتكلّم ، هذا هو من سوف يهدمُ كلَّ شيءٍ فوق رأسِ الرّجلِ و ليسَتِ المديرة.

رمقَه علي ، رمقةً مستخفّةً حملَتْ من الغضبِ ما حملَتْ ؛ كانَ الجديدُ في السّاحةِ يرتدي بنطالاً شبابيّاً أزرق واسعاً ، و كنزةً كبيرةً و واسعةً تبديه شبحاً في قلبِ كلِّ هذا الفضاء ، و شعرُه طويلٌ مصبوغٌ بلونٍ أحمر ، و مصفّفٌ باحترافيّة ؛ فكّرَ في مظهره قليلاً لبرهة ، للحظة ، لربّما يحسبُ نفسه نجماً ، لذلك يرتدي هذه الأزياء.

أين ينجرفُ فكرُه الآن؟ من الأهمُّ ليلي أم السّخريةُ من النّاس؟

_"و من حضرتُك؟"

_"مُعلّمُ لغةٍ إنكليزيّة ، ماذا تريدُ بمن أكون؟ أخبرني ما الأمر كي أساعدك"

كتمَ علي كلّ ما لديه من غضبٍ و سخريةٍ ها هنا ، لئلّا يتراجعَ هذا الأرعنُ عن مساعدته إن كانَ قادراً ، و قدِ استطاعَ مع آخرِ لحظة ، غيرَ أنَّه لم يحاول ضبطَ نظراتِه و شكلِ وجهه ، تكادُ ملامحُه تشتمُه فقط دون أن يحرّكَ فاه ؛ قالَ معلّمٌ قال.

ألقى نظرةً أخيرةً على الرّجلِ المُسِنّ ، ثمّ و لأجلِ ليلي التّي تنتظرُه في مكانٍ ما ، عادَ إلى ذلك ، لم يعرف كيف يصفُه على أحسنِ وجه ، يبدو مغترّاً ، و فارغاً ، تماماً كما ملبسُه ، يستطيعُ ضربَ هذا بالمناسبةِ لو أزعجه ، هو أفضل

_"أضاعوا أُختي الصّغيرة"

_"لعنةُ اللّٰه عليك ، لم يضيّعها سواك"

خاطبَ الشّابُّ الرّجلَ بلهجةٍ مستفزّةٍ مهدّدة ، جعلَتْ علي يقفُ كمثله ، منتظراً أن يعترفَ الحقيرُ بجريمته ، بيدَ أن حظّه كانَ أفضلَ من المتوقّع ، إذ رنّ هاتفُ علي الجوّالُ في ذاتِ اللّحظة ، تناوله من جيبه و انزوى جانباً ، هذا رقمُ البيت ، يرجو أنّ خيراً قَدْ حلّ

_"مرحباً علي"

_"أسرعي أنا مشغول"

_"ليلي وصلَتْ و هي بخير ، جاءَتْ مع ابنِ الجيرانِ بالحافلة"

سكت ، ابتلعَ غصّته و سكت ، سكنتِ الضّجّةُ في رأسِه أخيراً و ما ظلَّ فيه سوى الحنقِ و الغضب ، المهمُّ أنّها بخير ، و المهمُّ أيضاً أن يتحاسبَ الجميع ، لئلّا يتكرّرَ ما حدث ، لقَدْ كادَ يموتُ من شدّةِ الخوف.

عادَ في اتّجاه الشّابِّ و العجوزِ بخطا واسعة ، و وقفَ أمام كليهما باحثاً من جديدٍ عن المذنب ، يبدو أنّها قَدْ ضاعَتْ لا لشيء ، و إنّما لقلّةِ أمانةِ من يؤمّنُ على أخته عندهم

_"أصبحتْ في البيت ، عادَتْ مع ابن الجيران بالحافلة"

_"تعالَ اشتكِ للإدارة ، لا يجبُ أن تمرّرَ له هذا"

حطّ الشّابُّ يدَه على كتفه ، و وجّهَه نحو مبنى المدرسة ، و في الخفاء ، كانَ يظهرُ ابتسامةً مستفزّةً صفراء ، ليس فيها من مُحِبِّ المساعدةِ البائن شيء ، لقَدْ حانَ الوقتُ كي ينتقمَ من الرّجلِ هذا ، انتقاماً كبيراً كانَ صابراً لأجله كلَّ هذا الوقت..

حانَ الوقت!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة