"عندما يرى الزّنبقُ هذه الرّسالة ، سيكونُ نورُ الصّبحِ قَدْ أنارَ بتلاته البيضاء
هل أخبرتُك أنّك زنبقٌ أبيض حصراً؟
أنّكَ نقيٌّ و رقيقٌ و طاهرٌ و ليس مثلك في الزّهرِ أحد؟"
الفجرُ لاحَ و بانَتْ علائمُه ، و رسالةُ إيليا كانَتْ تلوحُ مع نسائمه الأولى مُعلّقةً بقضبان نافذةِ ليلي ، ثمَّ أضحتْ و الضّحى بين يديها الباردتين ، و في مجرى دموعها الحارّة ، أصبحَ يكنّي نفسه بالحديقةِ حديثاً ، بالحديقةِ البائرة ، لم يعجبها شيءٌ من هذه الكنية ، و لا من بقيّةِ الرّسالة ، فطوتها بين يديها ، و قصّتها بحذر ، حفظتِ المُقدّمةَ في دفترها الصّغير ، و دسّتْ ما قصّته في جيبها لتعرضه على زين ، ليس في استطاعتها أن تستشيرَ غيره في أمرِ إيليا ، لا أحدَ سيحاولُ فهمها إلّاه.
طُرِقَ البابُ بعدَ وقت ، و فتحتْه فاتن ، ها قَدْ جاءَ المُنتظرُ آنفُ الذّكر ، لقَدْ باتَ يرافقُ الصّغيرةَ إلى المدرسةِ عوضاً عن إخوتها ، بطلبٍ سرّيٍّ من العزيزِ علي.
"آهٍ منه!"
لم يعد يكلّمها مُذْ صادفها في المكتبة ، أصبحَ يتجاهلها حيثما كانَتْ و لا يجالسها في مكان ، لم يعد يسألها عن شيءٍ أو يهتمُّ بأمورها ، عادَتْ ليلي وحيدة ، و عادَتِ الأيّامُ تمرُّ على حالتين ، إمّا أن تبان ثقيلةً كأنّها سنوات ، أو أن تمرّ بسرعة ، ليس و كأنّها جزءٌ من حياتها ، ليس و كأنّها تعيشُها.
حملَتْ حقيبتها و غادرَتْ غرفتها ، إلى ممرِّ البيتِ حيث يقفُ زين منتظراً ، الوقتُ مبكّرٌ قليلاً على الدّوامِ المدرسيّ ، بل كثيراً ، و لكن لا بأس ، ستجدُ مساحةً لتخبره عن إيليا في الطّريق.
ابتسمَتْ له ما إن لمحها قادمة ، و فكّرتْ في أن تسلّمَ عليه ببشاشة ، بيدَ أنّه لم يردَّ الابتسامة ، بل و أشاحَ بناظريه عنها ما إن اقتربت ، ما بالُ هذا الثّالثِ اليوم؟
_"ما بك؟"
_"ما بي؟"
_"براحتك"
حاولتْ تجاوزَ جسدِه في طريقها نحو الباب ، و طبعاً لم تستطع ، فحسُّ الظّرافةِ فيه ما فتئ و غابَ للحظةٍ حتّى عادَ يحرّكُ بلادةَ الأجواء ، كلّما أخذتْ جهةً تسيرُ عبرها تحرّكَ و قطعها ، تحاولُ أن تمرّ عبر اليمين فيقفُ هنالك ، تجري إلى اليسارِ فتجدُه في وجهها ، تعودُ إلى المنتصفِ فيعودُ أسرع منها ، إلى أن نفدَ صبرُها ، رفعَتْ رأسها إليه و تجهّزت لكي تشتمه ، لا لا ، و لكن ستريه!
_"زين!"
_"ماذا؟"
سألَ بنغمةٍ يدّعي بها المسكنة ، و زمَّ شفته السّفليّةَ إلى أعلى ، كانَ شكلُه مستفزّاً جدّاً بالنّسبةِ إليها ، إلى حدِّ أرادَتْ ضربَه ، لكنّها لا تستطيع ، فمبادئه العظيمةُ التّي تمنعه عن ضربِ الفتياتِ تنتهي عندها ، جيّدٌ أنّه يشدُّ شعرها فقط ، فما حدث بشعرِ ريم و سترتها كانَ فظيعاً ، الضّربُ أهون عليها منه
_"امشِ أمامي زين"
_"الآن؟"
_"امشِ قبل أن.."
_"أهلاً زين ، أقبل للحظة"
ناداه علي من حيث لا تدري ، و لم ترد أن تدري ، لم تلتفت إليه ، أرادَتْ أن تحاربه بسلاحه ، لو أرادَ أن يحدّثها فلن..
على من تكذب؟ هي تعرفُ جيّداً أنّها سترتمي في حضنه فوراً حتّى لو لفظَ اسمها بالخطأ ، الجميعُ يعرفُ هذا.
راقبَتْ زين و هو يتحرّكُ في ناحيته ، ثمَّ استندَتْ إلى الجدارِ ما إن غابَ ظلُّه ، تفكّر ، و تفكّر ، و تفكّر..
لماذا هم جميعاً هكذا؟ لماذا عليها احتمالُ تصرّفاتهم الغبيّةِ و عقوباتهم لأشياء ربّما مسموحةٌ في أماكن أُخرى!؟
ذلك لا يريدُ أن تكونَ صديقةً لشابّ ، و ذلك لا يريدُ أن تخرجَ دون علمه و تحدّثَ أحداً ، و ذلك لا تدري ما يخطرُ في باله.
'الشّبّانُ هم أسوأ شيءٍ حدث على هذه الأرض!'
حدّثتْ نفسها.
كانَ علي يسترقُ النّظرَ إليها من بابِ المطبخ ، ثمّ عادَ تركيزُه بالكاملِ نحو زين ، أبوه كانَ في المطبخِ أيضاً ، يراقبُه و هو يعطي زين صندوقَ الغداءِ الذّي أعدّه بنفسه لأجلِ ليلي ، يضعُ فيه كلّ طعمٍ تحبّه ، و لم يكن يعجبه ما يفعل ، لماذا يدّعي كلّ هذا طالما لا يستطيعُ الإقدامَ على جزءٍ منه فعلاً؟ لماذا يقسو على ليلي إن كانَ قلبُه ما يزالُ أرقَّ من بتلاتِ الزّهرِ في شعوره نحوها؟ لماذا لا يحلُّ الأمرَ بحبٍّ طالما لديه منه الكثير؟
_"راهنها على شيءٍ زين ، يمكنُ لهذا أن ينجح في جعلها تأكل ، يجبُ أن يكونَ الرّهانُ حماسيّاً"
_"لا تقلق أخي ، سأحلُّ الأمر"
ربّتَ على كتفه ، و زادَ في شدّةِ قبضته في التّربيتةِ الأخيرة ، يعطيه القوّة ، علي عند الشّبّان كمثلما كانَ جرجس عنده ، لكنّ الحياةَ قصّت له أجنحته باكراً ، باكراً جدّاً
_"شكراً لكَ زين"
_"في الخدمةِ دائماً أخي"
غادرَ زين المطبخَ بحماسةِ طفلٍ صغير ، و توجّهَ نحو ليلي بابتسامةٍ عريضة ، لقَدْ وكّله علي بمهمّتين في نفس اليوم ، علي يثقُ به و يجدُ أنّه على قدرٍ من الجودةِ لينفّذَ ما يريد ، هذا رائع!
عادَ علي إلى كرسيّه ، و أسندَ رأسه إلى كفّه و هو يفكّرُ في كلِّ ما حدث ، كانَ أبوه ما يزالُ يراقبُه ، و ما يزالُ الكلامُ عالقاً في حنجرته ، لا يستطيعُ رؤيةَ أبنائه متخاصمين ، هذا مستحيل
_"ماذا تفعلُ يا علي؟ لماذا لا تهتمُّ بها بنفسكَ إن كنتَ ستظلُّ مهتمّاً مهما حدث؟"
_"كيف ستفهمُ ما أريدُ إذاً؟ أين العقوبةُ في الأمرِ أبي؟"
_"بحُبّ ، كلّمها بهدوءٍ و سوف تفهمك"
_"أنتَ تعرفُ جيّداً أنّها تستهينُ بعقوبتك لهذا السّببِ أبي"
_"و أنتَ تعرفُ أنّها لا تخرجُ عن مشورتي"
_"هل كنتَ تعرفُ أنّها تذهبُ لرؤيةِ ذلك الشّابِّ في المكتبة؟"
_"كنتُ أعرفُ أنّها تذهبُ إلى المكتبة"
_"هذه القضيّة ، أنتَ تربّيها بطريقةٍ مختلفةٍ عن تربيتنا"
ابتسمَ أبوه بغيرِ سبب ، ثمّ سرعان ما اندثرت الابتسامة ، إذ لحظها و فكّرَ مليّاً في السّبب؛
صحيح ، تربيةُ السّيّدِ جمال لفاتن و علي و يارا مختلفةٌ تماماً عن تربيته لليلي ، لربّما كانَ السّببُ أنّه يشعرُ بالذّنبِ تجاه الصّغيرة ، لم يكن يراها بما فيه الكفاية ، و لم يؤمّن لها ما تحتاجه أيّةُ طفلة ، حتّى مشكلاتُ والدتها معها كانَ مرضه سبباً في أغلبها ، لولا علي لا يعرفُ ما كانَ سيحدث ، لا يعرفُ و هو المسؤولُ عن ولادتها و عنها..
هو لا يريدُ أن يبعدَ علي عنها لهذا السّبب
_"أنتَ تقسو عليها يا علي ، هذا يكفي"
_"صدّقني أبي ، أنا أقسو على نفسي قبلَ أن أقسو عليها"
____
مرَّ الطّالبان الغريبان إلى قربِ كنيسةِ الحيّ ، تمتمَتْ ليلي بصلاةٍ قصيرةٍ تسلّمُ بها على بيتِ الدّين ، علّمها هي إيليا ، و قد أثارتِ استغرابَ زين إلى حدٍّ ما ، بيدَ أنّه أسرعَ القول:
_"آمين"
ابتسمتِ البنت ، و تمسّكتْ بذراعه رغبةً في مجاورته السّير ، كانَتْ قد لمعَتْ في رأسها ذكرىً عجيبة ، ذكرىً لها مع إيلي ، في عامهما الأوّلِ كمحبّين ، أي منذ عامين ، كانَتْ تسألُه عن شيءٍ يقضُّ مضجعها ، و قَدْ علقت إجابته في رأسها و قلبها و روحها ، لقَدْ أبكتها ، لم تستطع التّحكّمَ في دموعها في ذلك الحين.. و لن تستطيعَ الآن..
تذكرُ الموقفَ و كأنّه حدث منذُ لحظات ، تشعرُ أنّ عودتها إليه مغمورةٌ بالموسيقى ، بالبيانو ، مغمورةٌ بمقاطعِ البيانو النّقيّة.. كالزّنبقِ الأبيض..
____
_"إيلي.. هل اللّٰه يُحِبُّني؟"
_"أخبروني مرّةً أنّ اللّٰه يُحِبُّ الجميع"
_"لا يهمّني الجميع.. أعني أنا، هل يُحِبُّني أنا؟"
_"اللّٰه وحده يعلم ، و لكن أتعرفين؟ أظنُّه يُحِبُّكِ"
_"لماذا؟"
_"لأنّه جعلني أُحِبُّكِ أيضاً ، و جعل يارا و علي يُحِبّانكِ ، و جعل الكثيرين أيضاً ، أليس هذا رائعاً؟"
_"هذا مختلف.."
_"هي كذلك ، محبّةُ اللّٰه مختلفةٌ يا ليلي ، محبّتنا للّٰه دين ، و محبّةُ اللّٰه لنا.. أعمقُ و أهمّ و أعظمُ و أصدق ، فهو يرى الأمورَ بطريقةٍ مختلفة ، يراها على حقيقتها ، يقولون أنّه أكثرُ غيرةً علينا من الخطأ من أبوينا ، و أكثرُ حناناً علينا منهما"
_"من أين تعرفُ كلّ هذا؟"
_"من الكتب ، و من الكبارِ و المتديّنين ، و من قلبي"
دلع☆