المدرسةُ تعجُّ بالطّلّابِ في يومٍ مُشمِسٍ من أيّامِ أيلول ، أوّلُ يومٍ دراسيٍّ لليلي بغيرِ المُعلّمةِ نداء و حكاياتها عن البطلِ الصّنديد ، و أوّلُ يومٍ تخرجُ فيه مع طلّابِ الصّفوفِ الأولى في ذات الموعد ، ها قَدْ أصبحَتِ البنتُ في الصّفِّ الأوّلِ أخيراً ، كبيرةً بما يكفي لكي تعودَ في الحافلة ، و لكي ترى الطّلّابَ يملؤون ساحةَ الانصرافِ دون أن تخاف.
خرجَتْ يدها بيدِ زينة كالعادةِ إلى ساحةِ الانصراف ، و وراءها بالضّبطِ زين الشّقيّ ، لم يكن مع أصدقائه ، كانَ قَدِ انسلَّ بين الصّفوفِ كي يلاحقها و يشدَّ شعرها المربوطَ إلى أعلى ، و كانَتْ كلّما فعلَ تلتفتُ إليه و تمدُّ لسانها ، فيضحك ، ظلّا على هذه الحالِ طوالَ الطّريقِ في ممرّاتِ المدرسةِ و حتّى السّاحة ، هنالك حيث افترقَتْ ليلي عن زينة السّاكتة ، ودّعتها قبل ذلك ، و وقفَتْ جانباً ، و مع الأسف ، لم يستطع زين أن يستكملَ مشوارَ إغاظته ، فأبوه كانَ هنالك ليقلَّه ، سيوبّخُه لو علمَ بأنّه يحاولُ مضايقةَ بنتٍ هكذا
_"إلى اللّقاء ، صغيرة!"
_"إلى اللّقاء"
ردّتْ عليه ليلي ببساطة ، لم تكن منزعجةً منه ، و لا بأيِّ شكلٍ من الأشكال ، لقدِ اعتادَتْ حركاتِه الجديدةَ بسرعة ، و استظرفتها أيضاً ، هو صديقُها ، ستعجبُها كلُّ ألعابه.
شاهدت طلّابَ الصّفِّ الثّاني ، و في انتظارِ الثّالثِ حتّى ينتهي و يخرجَ الرّابع ، و من بينهم سيخرجُ العزيزُ إيلي ، أوصتها يارا بانتظارِه و الذّهابِ معه حيث يذهب؛
في الواقعِ لقَدْ سجّلتها آنفةُ الذّكرِ في حافلةِ انصرافِه بالاتّفاقِ مع والدته ، و دون علمِ علي الغائبِ في فرنسا طبعاً ، لو علمَ سيفتعلُ مشكلةً كبيرةً سيقعُ كلُّ البيتِ ضحيّةً لها ، فهم جميعاً شركاء لها في هذه المرّة ، لم يكن لديهم خيارٌ في الحقيقة ، إذ ليسَ فيهم متفرّغٌ واحدٌ في وقتِ الانصراف ، لا لكي يقلّ الطّفلة و لا لكي يستقبلَها في المنزل ، و الجميعُ يأمنُ للمديرةِ و لهذا الصّبيّ ، يارا تفعل.
لحظَتْ ليلي عصفوراً يقفزُ عندَ الحشائشِ النّاميةِ إلى قربِ السّور ، فركضَتْ إلى هنالك رغبةً في التقاطِه ، ظنَّتْ أنَّه غيرُ قادرٍ على الطّيران ، و بالفعلِ لم يطر في البداية ، أخذَ يقفزُ و يقفزُ بعيداً منها كلّما اقتربَتْ ، و أخذَتْ تلحقُ به على طولِ السّورِ المحيطِ بساحةِ المدرسةِ الخارجيّة ، أسرعَتْ في النّهايةِ لكي تستطيعَ أن تباغته ، بيدَ أنّه طارَ مُذْ وصلَتْ ، شعرَتْ بالخيبة.
بحثَتْ قليلاً عن عصفورٍ آخر ، و سرعانَ ما استسلمت ، استدارَتْ عائدةً إلى ساحةِ الانصراف ، طريقٌ طويلٌ من خلفِ المدرسةِ إلى عند البوّابة ، و عندما وصلت ، اكتشفَتْ أنَّها تأخّرتْ فعلاً ، لقدِ اختفى الطُّلّابُ و ما ظلّ في الأرجاءِ إلّا الرّجلُ المتباردُ ذاتُه ، ما يزالُ هنالك حصّةٌ كاملةٌ قبل انصرافِ الصّفِّ الخامس ، و لكن.. و لكن أين إيلي؟
استدعى رأسُها ذكرى ما حدثَ في عامِها الماضي ، و اغرورقتْ عيناها بالدّموع ، على عجل ، يبدو أنّه قَدْ نسيها أيضاً ، و انتهَتْ كلُّ طرقِ العودةِ إلى البيت ، هذه المرّةُ ستضيع.. ستضيعُ ليلي..
_"ليلي! يا ليلي! ليلي!"
سمعَتْ صراخاً قبلما بلغَتْ ذرفَ دمعةٍ واحدة ، و ركضَتْ في ناحيته ، كانَ ذلك صوت إيلي ، يصرخُ في الممرِّ المُقبلِ على الصّفوف في بناءِ المدرسة ، كانَ مدركاً لما يفعل ، مدركاً لأنّ المُدرّسين لن يتعاطفوا معه تماماً إذا ما أزعجهم ، لكنّه مضطرّ ، أين ليلي؟
لقَدْ بحثَ عنها في السّاحةِ و سأل البوّاب ، ثمّ عادَ أدراجَه إلى صفِّها و منه إلى الممرّات ، خالها قَدْ ضاعَتْ عنه ، لكنّه لم يكن يرى نفسه خائفاً ، لم يكن يميّزُ شعوراً واحداً في داخلِه ، برغمِ كلّ شيء
_"إيلي!"
عادَ بأقصى سرعةٍ إلى السّاحةِ ما إن سمعَ النّداء ، ثمّ تنفّسَ الصّعداءَ و ألقى عن ظهره حملاً ما ، أحسّ بخفّة ، يبدو أنّه كانَ خائفاً فعلاً ، لا ضرورةَ لذلك الآن ، فها هي البنتُ بخير ، تقفُ أمامه حقيبتُها على كتفها ، فمُها ململمٌ كالعادة ، و حاجباها مرفوعان ، الأهمُّ من كلِّ هذا أنّها بخير
_"حمداً للّٰه"
توجّهَ إليها بأقصى سرعة ، في حينِ ظلّت تنتظرُه في مكانِها ، و عندما وصل ، وقفَ أمامها يتفقّدُها بعينيه ، اطمأنّ قلبُه الصّغيرُ لحالها أكثر ، لا مشكلةَ أبداً ، حمداً للّٰه.
لانَتْ ملامحُ وجهه أخيراً ، و ربّتَ على رأسِها كما طالما فعل ، يبدو شعرُها غريباً اليوم ، لا مشكلة ، ما يزالُ جميلاً
_"أين كنتِ ليلي؟ خفتُ عليكِ"
_"كنتُ ألحقُ بالعصفور"
_"انتظريني لنلحقَ به معاً في المرّةِ القادمة"
أظهرتِ ابتسامةً واسعة ، و هزَّتْ برأسها متحمّسة؛ كانَتْ و مُذْ رأته قادماً تتوقّعُ أن يعاتبَها كما يفعلُ علي ، بل كما يفعلُ الجميع ، لكنّ ردّ فعله كانَ مخالفاً ، رقيقاً ، إيليا لا يحبّذُ بابَ العتاب ، فمثلُه مثلها ، ضاقَ بالعتابِ و الأسئلةِ الفارغةِ ذرعاً ، يكفيه لؤمُ خالِه كينجي.
أشارَ لها برأسِه ، و استبقَها السّيرَ نحو بوّابةِ المدرسة ، كانَ حدسُه ينبئه بأنّهما متأخّران جدّاً الآن ، يخشى أنّ الحافلةَ قَدْ رحلَت بغيرهما ، لا لماذا قَدْ يخشى ، الطّريقُ جميلٌ و ليلي معه ، أليس كذلك إيلي؟
تلفّتَ في ساحةِ الحافلات ، أخبرته والدتُه أنّ حافلةَ منطقتهم لهذا العامِ لونُها أخضر ، لم يكن هناك سوى حافلتان ، كلُّ واحدةٍ منهما أرجوانيّة.
خيراً
_"هيّا بنا ليلي ، ذهبتِ الحافلة"
دنا منها قليلاً و تناولَ كفّها الصّغيرة ، دسَّها في قلبِ كفِّه التّي تكبرُها بقليل ، و أحكمَ عليها شدَّ أصابعه ، لا يجبُ أن تنزلقَ هذه الكفُّ و لا أن تفلتَ صاحبتُها ، الطّريقُ ليس طويلاً ، و ليس قصيراً أيضاً ، لذلك سيحذر ، بدأ التّفكيرَ في الأمرِ منذُ اللّحظةِ الأولى
_"ماذا سنفعلُ الآن إيلي؟"
_"سنعودُ مشياً على الأقدام"
_"هل تعرفُ كيف؟"
_"إيلي مثلُ دورايمون ، يعرفُ كلّ الطّرق"
_"رائع!"
هتفَتْ باندفاعٍ أثارَ إعجابه ، و ارتباكه في ذاتِ الوقت ، يجدرُ به أن يكونَ مثل دورايمون حقّاً ، و إلّا خابَ ظنُّها و ظنُّ الجميع ، لماذا عليه أن يفكّرَ في كلِّ هذا الآن؟
بحثَ قليلاً عن صديقِه صاحبِ لقبِ زورو ، عادةً ما يعودُ تيم إلى الحيِّ سيراً على الأقدام ، أو بوساطةِ درّاجتِه الهوائيّةِ الصّغيرة ، كانَ يطلبُ منه دائماً أن يتركَ الحافلةَ و يعودَ معه ، يكرّرُ ذاتَ الألفاظ ، إيلي أنتَ لستَ عجوزاً و يجبُ أن نسيرَ كلّ يومٍ لنصبحَ لاعبي كرةِ قدمٍ محترفين؛ و لكن ما الحلّ ، ريّان اللّعينُ يبحثُ عن أدنى فرصةٍ ليتسبّبَ له بمشكلةٍ مع والدته ، سيتّخذُ هذه حجّةً هو واثقٌ من ذلك.
على أيّةِ حال ، لم يكن تيم في الأرجاء ، يبدو أنّه قَدْ سبقَهما إلى البيت ، و لكن لا مشكلة ، يريدُ أن يتابعَ الطّريقَ مع الصّغيرة ، هو يُحِبُّ ذلك
_"إذاً ليلي ، كيف كانَ يومُكِ؟"
_"مملّاً ، اشتقتُ للمعلّمةِ نداء"
_"فعلاً ، لا أحد مثلها"
تنهّدَ إيلي ، لقدِ اشتاقَ هو الآخرُ لحصصِ المعلّمةِ نداء ، كلُّ شيءٍ تغيّرَ في حياتِه من بعدِ ما تركتها ، يشعرُ بالحنين ، حنينٍ مؤلمٍ قادرٍ على استنزافِ مشاعره و هو في هذه السّنِّ الصّغيرة.
مرَّ الاثنان على الشّوارعِ شبهِ الفارغة ، كانا ساكتين تماماً ، على غيرِ عادتهما ، في الواقعِ هو واقعٌ في مشكلةٍ و ليس راغباً في العودةِ إلى البيت ، و ليلي تكرهُ البيت ، لا تُحِبُّ أن تجلسَ فيه ، الجميعُ يقولُ أنّها ثرثارةٌ برغمِ أنّها لا تحدّثُهم كثيراً ، هي تحدّثُ دميتها فحسب ، و إيلي عندما يكونُ الأمرُ مناسباً ، لكنّ الجميعَ ينزعجُ منها ، تتساءل ، لماذا هي فقط؟
_"إيلي.. هل أنا ثرثارة؟"
_"لا يُهِمّ ، أنا أُحِبُّ ثرثرتكِ"
_"حقّاً؟"
_"نعم ، لنثرثر معاً وقتما شئتِ"
أنهى الحديثَ بابتسامةٍ هيّنة ، و شدَّ على يدِها أكثر لئلّا تضيع ، لم يكن يؤلمُها ، فيدُها صغيرةٌ حتّى في يدِه ، كانَتْ تشعرُ أنّ مظهرَ يديهما معاً هكذا مميّز ، مثل مظهرِ يدِها في يدِ علي العملاقة ، أو في يدِ يارا النّحيلة ، يشبهُ الأمرُ قطعَ التّركيب ، أعجبها
_"إيلي"
_"نعم"
_"ثرثر أنت"
وقفَ لوهلةٍ في منتصفِ الطّريق ، نظرَ إليها و كلُّه عجب ، هذه الذّي ينعتُها الجميعُ بالصّغيرة ، حجماً و عمراً ، و التّي يتعجّبون لسيره و جلوسه معها طوالَ الوقت ، قَدْ وجدَتْ حلّاً لحالٍ لازمته منذُ وفاةِ والدِه تقريباً ، الثّرثرة ، نعم
هل يخبرُها عن حياته؟ هل يصحُّ أن يفعل؟
دلع☆