الشّمسُ اليومَ مُغيّبةٌ وراء تكدّساتِ الغيوم ، و المطرُ ينتظرُ فرصةً ما لكي يغدقَ الجوّ برائحةِ الرّحمة؛
ليلي تنتظرُ بفارغِ الصّبرِ عند النّافذة ، تنتظرُ مراقبةَ حبّاتِ المطرِ لتدقّقَ في هيئتها و تحفظها ، و تترقّبُ أن تمسكَ ببعضها و تحتفظَ بها ، تريدُ أن تركضَ في قلبِ المطر ، و أن تجدَ إيليا يركضُ معها ، فجأة ، تتمنّى ذلك.
رفعَتْ رأسها إلى السّماء ، و جمعتْ كفّيها أمام فمها ، كما تفعلُ عندما تلمُّ بتلاتِ الزّهرِ و تنثرُها على رؤوسِ أصدقائها ، لفظتِ الأمنيةَ همساً ، خبّأتْها بين راحتي يديها ، ثمَّ نفختْ عليها لكي تطيرَ إلى السّماءِ قبلَ أن يحلَّ المطر ، قَدْ تصبحُ الأجواءُ صعبةً ما إن يفعل ، و قَدْ تتأخّرُ الأمنيةُ و لا يأتي إيلي في الموعدِ المناسب ، ستحزنُ ليلي في هذه الحال ، هي حزينةٌ منذ الآن
_"هيّا يا مطر! تعال أنتَ و إيلي!"
جلسَتْ أرضاً بعدَ برهة ، بعدَ أن تأخّرَ المنتظران ، و ألقَتْ نظرةً على بابِ الغرفة؛
كانَتْ فرح العزيزةُ تزورُ يارا ، تجلسان في الصّالةِ و تتبادلان الأسرارِ همساً و تضحكان جهراً ، و الطّفلةُ على قدرٍ من الحماسةِ لتتسلّى بأحاديثهما ، بيدَ أنَّ الآنسة يارا قَدْ طردتها إلى الغرفةِ على نحوٍ غيرِ مباشر منذُ بدايةِ هذه الجلسة ، لا يجبُ أن تصبحَ مهتمّةً بهذا فعلاً ، فالجميعُ يعاملها هكذا كلّما زاره ضيف ، والدتُها أخبرتها في يومٍ أنّها كانَتْ تتمنّى أن تزورَ صديقاتها و تستمتع في وقتِ فراغها ، لكنّ وجودَها يقيّدُها ، إنجابُها أصلاً حدثَ عن طريقِ الخطأ ، لقَدْ بكتْ ليلي كثيراً في ذلك اليوم ، و تظنُّ أنَّها اعتادتِ الأمر ، هل يمكنُ الاعتيادُ على الآلامِ فعلاً؟
هل هذه آلام؟
نعم ، لقَدْ كانَتْ تتألّم ، كانتِ الآلامُ تحتلُّ جسدها دون أن يتوضّحَ لهذه الأحداثِ مشهد ، تمتصُّ طاقتها من الدّاخل ، و لا تعرفُ عنها شيئاً ، تعرفُ أنّها ضَجِرةٌ و ترغبُ في رؤيةِ إيليا و اللّعبِ تحت المطر ، هذا كلُّ الأمر.
فكّرتْ قليلاً ، فكّرتْ في أبيها الغائب ، و أُمِّها العصبيّة ، و في علي و فاتن بذاتِ ترتيبِ الأوصافِ أيضاً ، و في يارا ، الوحيدةِ التّي كانَتْ تبدو لطيفةً معها ، ربّما ما تزال ، ربّما.
غادرتِ الغرفةَ تجرُّ قدميها ، كانَتْ تشعرُ أنّها ستخيب ، لكن لا خيارَ أمامها ، لا يوجدُ سواها و سوى يارا و فرح اليوم في البيت ، و لا طفلَ في الجوار ، ليلي لا تريدُ البقاءَ لوحدها ، الأمرُ موحِش.
توجّهتْ نحو صالةِ البيت ، كانَتْ أختها تتنهّدُ في تلك اللّحظةِ و تستعدُّ للنّهوض ، و قَدْ لحظتها مع الأسف ، و عبستْ ، كالعادة
_"منذُ متى أنتِ هنا؟"
_"جئتُ الآن"
أجابتها ببرود ، و ألقَتْ نظراتٍ مشتاقةً على التّلفاز ، كانَتْ فرج تومئ ليارا و تحثُّها على تركها ، ترغبُ في رؤيةِ الطّفلةِ سعيدةً الآن ، لا ضيرَ في الأصلِ من وجودها و هما تتحدّثان فقط عن حسن ، بيدَ أنّ يارا ، و بغيرِ صبر ، توجّهتْ إليها و دفعتها نحو الخارج ، ها هي تصبحُ مثلهم ، الوحيدةُ التّي تُحِبُّها ليلي كثيراً..
_"كيف تستمعين إلى حديثنا!؟"
_"أنتِ و حديثُكِ خنازير! أكرهكم جميعاً!"
صرخَتْ في وجهها ، ثمَّ و على العادةِ ركضَتْ نحو الخارج ، خارجِ البيت.
وقفَتْ يارا مصدومةً لوهلة ، لا تؤتي بحركة ، يدُها أمام فمها فقط ، و وعيها شبهُ غائبٍ غيرُ قادرٍ على إصدارِ أحكام ، إلى حدِّ لم تعِ متى و كيف و لماذا تعضُّ على أطرافِ أظافرها ، لقَدْ صعقها ردُّ فعلِ الطّفلةِ العصبيّ ، بدأتْ تشعرُ بالذّنبِ أيضاً و وجدتْ نفسها مضطرّةً لتبريرِ ما فعلت؛
كلُّ الأمرِ أنّها خشيَتْ سماعَ ليلي لما تقولُ و بوحها به ، أن تخبرَ الجميعَ عن ريّان و عن محاولاته لرصدها عند الجامعة ، لن تستطيعَ ضبطَ تصرّفاتِ حسن أو علي أو أبيها لو سمعوا ، ستتسبّبُ بمشكلةٍ كبيرةٍ هم بغنىً عنها ، كما.. سيلومُها الجميع ، أخطأتْ يارا الحسبانَ من جديد..
_"هذه طفلة! ما بكم تعاملونها هكذا؟"
_"أتعرفين لو عرفَ.."
_"ما علاقةُ هذا بذاك!؟ لا تحمّليها ما لا ذنب لها به!"
و استمرّتِ المفاوضات؛
كانتِ الطّفلةُ في هذه الأثناءِ جالسةً أمام بابِ البناء ، تحتَ شجرةِ الأزهارِ التّي يسقيها العمُّ في العادة ، لم يكن هنالك أحدٌ في الجوار ، و كانَتْ ترغبُ في البكاء ، لقدِ اشتاقَتْ إلى علي أيضاً ، ذلك الذّي يفضّلُ فرنسا عليها ، و كلّما تكلّمَ عبر الهاتفِ وبّخها ، اشتاقَتْ إلى أحدٍ يضمُّها إلى صدره ، لا تريدُ أحداً منهم ، هي تريدُ إيليا ، حتّى لو كانَ ذلك عيباً.
مشَتْ قليلاً نحو الشّارع ، كانتِ السّيّاراتُ أقلَّ ممّا تكونُ عليه في العادة ، و الجوُّ باردٌ و قاسٍ ، الشّبّاكُ شبهُ المخلوعِ في بيتِ الجيرانِ يتحرّكُ مع الرّياحِ و يصفقُ بين الفينةِ و الأُخرى ، و صاحبُ محلِّ الخضراواتِ بدأَ يلملمُ أغراضَه استعداداً للعاصفة ، أين ستذهب؟
بيتُ إيليا في آخرِ الشّارع ، في الجهةِ الأُخرى من السّاحة ، أصبحَتْ تعرفُه مُذْ أنّها تقضي معظمَ الوقتِ معه تتمشّى ما بين البيتين ، بعد المدرسة؛
هل تذهبُ إليه؟ لا لا ، الأشرارُ في البيتِ لن يسمحوا لها.
ابتلعَتْ غصّتها ، و جلسَتْ من جديدٍ فوق الأرض ، فوق الرّصيفِ العتيق ، تراقبُ النّاسَ و الأشياء ، و تصلّي بغيرِ تضرّع ، بغيرِ معرفة؛
لم تمطر بعد ، الوقتُ ما يزالُ مبكّراً على الهرب ، لا تريدُ أن تهرب ، تريدُ أن تحتضنها السّماءُ بحبّاتِ المطر ، ربّما يكونُ ذلك كافياً ، ربّما..
لمحَتْ طفلاً يخرجُ من محلِّ الخضارِ في الجهةِ الأُخرى ، حسبتْه إيليا ، لذلك نهضَتْ فرحةً و استعدّتْ لأن تركضَ إليه ، بيدَ أنّه لم يكن ، لقَدْ كانَ تيماً ، صديقه الرّائع ، كانَ يبتاعُ غرضاً ، و يبدو على عجلةٍ من أمره ، ليسَتْ مهتمّةً به على أيّةِ حال.
لم ينتبه إليها حتّى عادَتْ و جلسَتْ ، وجدَ في خروجها الآن و على الرّغمِ من أنّه خطِرٌ حلّاً لمعضلةٍ ما ، إيليا لوحده في السّاحة ، و هو لا يستطيعُ البقاءَ معه بسببِ مشروعٍ عائليّ؛
أصبحَ يخشى تركه وحيداً في الآونةِ الأخيرة ، فهو حسّاسٌ و كثيرُ التفكير و المشكلاتُ تنهالُ فوق رأسه منذُ فترة ، و هو الوحيدُ العالمُ بما يحدثُ معه ، ذلك السّبب
_"يا ليلي! إيليا في السّاحة!"
صاحَ من حيث كان ، و سمعتْ من كلامِه القليل ، سمعَتْ ليلي و إيليا و السّاحة ، و لأنّها طفلةٌ و غيرُ صبورةٍ حقّاً ، لم تكترث بسؤاله من جديدٍ عمّا قال ، و لا حتّى بشكره ، نهضَتْ على عجلةٍ و جرَتْ في اتّجاهِ السّاحة ، حيث ستجدُ إيليا ، حيثُ تتمنّى أن تجدَه.
كانَ المذكورُ في ذلك الوقتِ جالساً فوق الصّخر ، يراقبُ الغيومَ و ينتظرُ المطر ، هو يُحِبُّ الغيومَ و يُحِبُّ المطر ، و حتّى لو لم يكن ، كانَ على استعدادٍ ليطمرَ نفسه في البرك ، المهمُّ ألّا يعودَ إلى البيتِ و خاله فيه.
سمعَ وقعَ خطواتٍ فوق العشب ، استدارَ في ناحيتها ، فرأى ليلي تجري إليه ، و قَدْ صارَتْ قريبةً منه ، ابتسم ، ابتسامةً ناعمةً ليس يخفي وراءها أيّةَ نيّة ، و لا حتّى فكرةً أو أمنية ، ابتسمَ بغيرِ أن يعي بذلك ، ابتسمَ بصدق ، ها قَدْ جاءَتْ
_"إيليا.."
إيليا؟
نادتْه ليلي باسمِه الكامل ، ربّما لأوّلِ مرّةٍ منذُ فترةٍ طويلة ، ما صاحَتْ و لا تحمّسَتْ ، نادته و وقفَتْ أمامه ، ما بالها؟
نزلَ من فوقِ الصّخر ، و توجّه نحوها مستعجلاً ، وقفَ أمامها و حاولَ أن يمسحَ على شعرها ، كعادته ، بيدَ أنّها و على سبيلِ الصّدمة ، تراجعَتْ نحو الخلفِ قبلما مسّها
'يا إلهي!'
_"ما الأمرُ ليلي؟ أنتِ تخيفينني"
_"لا أحدَ يريدُني.."
أجابته بصوتٍ خافتٍ مخنوق ، و أجهشَتْ بالبكاءِ على عجلة ، أسندت ساعدها إلى وجهها ، لقَدْ بلغَه ضيقُها أيضاً ، و أحالَ صدرَه ضيّقاً مضطرباً كصدرها؛
ليلي تشبهه ، تشبهه كثيراً في داخلها ، هما مصنوعان من ذاتِ المادّة ، كما القمرُ مصنوعٌ من الجبنِ و الغيمُ من غزلِ البنات ، هما مصنوعان من شيءٍ خاصّ ، ربّما من البوظة ، لمَ لا؟
الفرقُ الحائلُ بينهما أنّها واضحةٌ في التّعبيرِ عن هذه المادّةِ الطّريّة ، على عكسه ، يحاولُ إخفاءها بكلّ قدرته.
اقتربَ منها أكثر بعد برهة ، متغاضياً عن رغبتها في الابتعاد ، أمسكَ يدها و مسحَ على شعرها غصباً ، سيستطيعُ البطلُ حلّ الأمور ، حتّى لو كانَ طريّاً في الدّاخلِ كالبوظة
_"لماذا تقولين هذا؟"
_"الجميعُ يرمي حُبّي.. لا أحدَ يريدُه.."
_"أنا أريدُه ليلي ، سوف أحتفظُ به إلى الأبد"
_"حقّاً؟"
رفعَتْ رأسها إليه بشكلٍ برّاقٍ من أشكالِ الأمل ، أضاءَ قلبَه الصّغيرَ لوهلة ، فاستطاعَ أن ابتسمَ من جديد ، لقَدْ حلَّ الأمور ، أخيراً
_"طبعاً"
_"سأعطيكَ حُبّي كلَّه إذاً"
_"هاتيه"
أجابها ضاحكاً ، فوضعت يديها على صدرها ، ادّعت أنّها تأخذُ شيئاً كبيراً منه ثمَّ ترميه على إيلي بكلِّ قوّة ، ادّعى الصّغيرُ أنّه يُصابُ بسحرٍ أيضاً ، و أخذَ يضحك ، لقَدْ مرّ وقتٌ مُذْ ضحك إيلي و لعب هكذا
_"سيموتُ دورايمون غيظاً منّي الآن"
لفّها بذراعه و هو يقهقه ، لئلّا تبكي أكثر ، و لكي يحميها من الأمطارِ المباغتة ، تحقّقتُ أمنياتُ ليلي جميعاً..
دلع☆