المدينة التي لا تنام

المدينة التي لا تنام

28 0

البوابة خلفهما انغلقت بصوت كأنه أنين ميتٍ دفن حيًا، ومع كل لحظة تمر، يضيق الهواء حول مرام وسارة، كأن المدينة الجديدة لا ترحب بهما.

لكن لم تكن هذه مدينة عادية.

بل كانت مدينة طافية فوق الماء، لا تغرق… ولا تجف.

المباني من زجاج داكن مشقّق، والنوافذ تنظر إليهما كعيون قديمة تتجسس عليهما. الأرضية تحت قدميهما كانت صلبة لكنها شفافة، وتحتها… رأتا أجسادًا، كثيرة، تطفو ببطء، جميعها تحدّق إلى أعلى.

قالت مرام بصوت مرتجف:

"إنهم… أناس. هذه المدينة لم تُهجر. لقد أُغرقت، وهم ما زالوا فيها."

همست سارة:

"وراشدة؟ هل تكون… واحدة منهم؟"

بدأتا تمشيان، والهدوء حولهما غريب كأنه يحبس صوته في صدور الجدران. في الأفق، مبنى دائري كبير، تحيطه تماثيل حجرية لرؤوس بشرية يخرج من أفواهها ماء أسود، ينزل في قنوات طويلة ويدور في دوائر بلا نهاية.

اقتربتا من بوابة المبنى، فوجدتا كلمات منقوشة بلغة قديمة، لكن سارة قرأتها بسهولة:

"من أكل من نور المدينة، لا يعود لليل أبدًا. ومن شرب من لعنته، يُنسى في الأرض العليا."

قالت مرام:

"هل تعتقدين أن هذه المدينة هي نفسها التي تحدثت عنها النقوش؟ المدينة التي حاول الكهنة إخفاءها؟"

ردت سارة:

"نعم… أظن أننا وسطها الآن. لكن اللعنة ليست مجرد قصة قديمة. إنها حيّة… وتنتظر."

فتح الباب فجأة دون أن تلمساه.

في الداخل، كانت راشدة واقفة في منتصف القاعة… لكنها لم تكن كما عهدوها.

كانت ترتدي ثوبًا طويلًا أزرق بلون المحيط، وشعرها مفكوك، يتطاير رغم انعدام الرياح. وجهها جامد، وعيناها مغمضتان، لكنها تتكلم… بصوت ليس صوتها.

قالت:

"أنتم تأخرتم… المدينة اختارتني منذ دخلتموها أول مرة."

صرخت مرام:

"راشدة! نحن هنا لننقذك!"

فتحت راشدة عينيها ببطء… لم تكنا بلون البشر. كانتا زجاجيتين تمامًا، تشبهان النوافذ التي رأوها في المدينة. نظرت إليهما وقالت:

"لا أحد يُنقذ أحدًا هنا. أنتما فقط تؤخران النهاية."

تقدمت سارة خطوة للأمام:

"ما معنى هذا؟ هل المدينة لعنتك؟ هل يمكنك الخروج معنا؟"

لكن راشدة ابتسمت بمرارة، ومدّت يديها لتريهما راحتيها… كانتا مشققتين بنقوش دقيقة، نفس الرموز التي كانت على الجدران من قبل. قالت:

"هذه ليست نقوشًا. هذه مفاتيح. المدينة لا تفتح أسرارها إلا لمن ينتمي. وأنا… أصبحت منها."

فجأة، بدأ الجدار خلفها يهتز، وتكشف عن ممر مائي مظلم، ينبض مثل قلب المدينة.

قالت راشدة:

"إذا أردتما النجاة، فادخلا هذا الممر. لكن إن دخلتما… فليس هناك عودة. في نهايته، الحقيقة الكاملة. والموت الكامل."

ترددت سارة. نظرت إلى مرام، ثم قالت بصوت مكسور:

"هل نمشي وراء سرٍ قد يقتلنا؟ أم نعود بلا أجوبة ونعيش بلعنة الجهل؟"

قالت مرام وهي تمسك يدها بقوة:

"لن أتركك. ولن أترك راشدة. سنكمل الطريق. وسنواجه المدينة."

دخلا الممر، وكان داخله أبرد من الجليد، وأظلم من كابوس.

وفي نهايته… ضوء خافت. وصوت… يشبه صوت طفلة تبكي.

لكن حين اقتربتا أكثر، أدركتا أن الصوت ليس لبشر… بل لأحد الأرواح الأولى، التي لُعنت قبل آلاف السنين… والتي لم تعد تتذكر إن كانت يومًا بشرًا، أم لعنة تمشي على شكلهم.

كان الصوت في عمق الممر المائي يرتفع تدريجيًا، صدى بكاء الطفلة صار أوضح، أقرب، لكنه كان مشوشًا… كأنه يصدر من داخل عقلهما لا من حولهما.

خطت مرام بحذر، والماء تحت قدميها صار أكثر دفئًا، كأن الأرض تنز

كان الصوت في عمق الممر المائي يرتفع تدريجيًا، صدى بكاء الطفلة صار أوضح، أقرب، لكنه كان مشوشًا… كأنه يصدر من داخل عقلهما لا من حولهما.

خطت مرام بحذر، والماء تحت قدميها صار أكثر دفئًا، كأن الأرض تنزف من قلبها، وسارة خلفها، ترتجف لكن تصرّ على المتابعة.

عند نهاية الممر، انفتح المكان فجأة إلى كهفٍ واسع من الكريستال الأزرق، وسطه بحيرة مستديرة يتصاعد منها بخار خفيف، يضيء جوانبها بلون فضي، أشبه بوميض الأرواح.

وفي قلب البحيرة...

كانت الطفلة.

لكنها لم تكن طفلة.

كان جسدها صغيرًا، لكن عينيها… شابتين، غارقتين في آلاف السنين. عيناها تلمعان بلون أسود لامع، يبتلع كل ما ينظر فيه. كانت تطفو فوق الماء دون أن تتحرك، لكنها تنظر إليهما منذ دخلتا.

قالت الطفلة بصوتٍ ناعم لكنه مشقوق، كأن صوتها مكوّن من عدة أرواح:

"مرحبًا بكما في لبّ اللعنة… في منبع المدينة. أنتما آخر من يصل إلى هنا."

سارة همست، كأنها لا تصدق:

"هل أنتِ… لعنة الماء الأسود؟"

أومأت الطفلة، وقالت:

"أنا… أول من وُعد بالخلود. أول من صدق الكهنة. أول من غُسلت ذنوبه بالماء، فصار جسده لعنة تمشي. أنا ليست روحًا، بل نتيجة طمعهم جميعًا."

أرادت مرام أن تتكلم، لكن الطفلة أشارت بيدها، فجمدت الكلمات في حلقها. أكملت الطفلة:

"راشدة، تلك التي تحاولان إنقاذها، اختارت المدينة. لكنكما… لم تختارا بعد. ستُعرض عليكما ثلاث اختيارات، ومن تختارهما سيغير مصيركما للأبد."

ارتجف الكهف كله، وظهرت خلف الطفلة ثلاث بوابات:

الأولى: كانت مصنوعة من الزجاج، خلفها مشهد لهما وهما تخرجان من المدينة سالمتين، كأن شيئًا لم يحدث…

الثانية: مصنوعة من العظام، وخلفها راشدة، تجلس وسط عرش مائي، وتحمل كتابًا من جلد بشري…

الثالثة: باب من الماء نفسه، لا يظهر خلفه شيء… سوى الظلام.

قالت الطفلة:

"الباب الأول… كذبة. الثاني… تضحية. الثالث… الحقيقة."

نظرت سارة إلى مرام بعينين تمتلئان بالحيرة والخوف:

"إن عدنا، سننسى. وإن أنقذنا راشدة، قد نفقد أرواحنا. وإن دخلنا الثالث… لا نعلم إن كنا سنخرج."

اقتربت مرام من الباب الثالث. الماء يتراقص فيه كمرآة مكسورة.

قالت:

"أنا تعبت من الأكاذيب… أريد الحقيقة. وإن كانت موتنا، فليكن."

أمسكت سارة يدها، ابتسمت رغم الدموع في عينيها، وقالت:

"معك."

دخلتا الماء…

وفي اللحظة التي عبرتا فيها الباب الثالث، انغلق الكهف كله خلفهما، وصوت الطفلة قال:

"سيُكتب الآن فصل جديد… من اللعنة."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعنة الماء الأسود 🔮

المؤلف Clement Novelist
2025/07/30 مكتملة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة