كانت المياه راكدة على غير العادة. لا أمواج، لا أصوات طيور، ولا حتى نسيم يحرّك الأغصان. كل شيء بدا ساكنًا... ساكنًا بطريقة تُجَمِّد الدم في العروق. وقف الفريق عند حافة البحيرة، حيث تناثرت الرموز القديمة التي رسموها منذ أيام، وحيث نُصبت الأعمدة الحجرية السبعة التي جمعت من مختلف أنحاء الجزيرة.
قالت ليلى بصوت مرتجف وهي تحدّق في الغيوم التي بدأت تدور في السماء فوقهم:
"هذه ليست مجرد عاصفة… الكيان قادم."
أكمل عادل وهو يشد قبضة خنجره الحديدي:
"بل هو الغضب الأخير… نحن فتحنا الباب، ولا يوجد طريق للعودة الآن."
وفجأة… حدث الشرخ.
انشقت المياه أمامهم، كأنها تتنفس، وتكوّن منها ممر مظلم ينحدر إلى باطن البحيرة. أصوات صرير عظمي وصرخات بشرية ممزوجة بالغرق كانت تتردد من العمق، تذيب الشجاعة في النفوس. نظروا إلى بعضهم بصمت، ثم تقدم ياسين أولاً وقال:
"لن أنجو وحدي، ولن أموت وحدي… إن لم نذهب الآن، لن يكون هناك فجر بعد الليلة."
دخلوا واحدًا تلو الآخر، وسط الغموض المائي المرعب. لم يكونوا يسبحون بل كأنهم يُسحبون عبر نفق مائي ساحر ومرعب في الوقت ذاته.
وفي عمق البحيرة، وجدوا أنفسهم داخل قاعة حجرية ضخمة، جدرانها مغطاة بأعين محفورة ترمش وتتحرك! في منتصفها… كان يقف الكيان.
لكن ليس كما عرفوه من قبل.
لم يكن كيانًا ضبابيًا هذه المرة، بل تجسَّد في هيئة رجل طويل، بجسد رمادي اللون، وعينين سوداوين تنبعث منهما ومضات من الأزرق القاتم. كانت الأوشام المائية تلتف حول ذراعيه كأنها أفاعٍ، وصوته كان كالرعد حين قال:
"أخيرًا… وجوه العهد القديم… الدماء التي خانت والعهود التي نُقضت. أيها الجبناء… إلى الجحيم جئتم برجلكم."
قفز عادل وهو يصيح:
"لن نسمح لك! نعلم من أنت وما الذي تحاول فعله. اللعنة ستنتهي الليلة!"
لكن الكيان ابتسم… ورفع ذراعه، فانفجرت من جدران القاعة أذرع مائية ضخمة هجمت على الفريق. بدأ القتال.
ليلى أطلقت شفراتها الزجاجية ضد الأذرع، بينما استخدم عادل خنجره لقطع مجسات الكيان. نادية أنشدت تراتيل من الرقوق القديمة لمحاولة إضعاف طاقته، لكنها سقطت مغشيًا عليها بعد أن اخترق صوت الكيان عقلها، كأنه نادى على طفولتها وذكرياتها وأغرقها فيها.
صاح ياسين وهو يتصدى لهجومين معًا:
"نحتاج إلى ضوء! الكيان يضعف بالنار والضوء المقدس!"
فجأة، رفعت ليلى تعويذة كانت أخفتها منذ البداية، وأشعلت بها إحدى الأعمدة السبع، لينبعث منها وهج أخضر فضي أربك الكيان، وجعله يصرخ بعنف حتى ارتجَّت القاعة.
في غمرة المعركة، سحب الكيان عادل من ساقه وسحبه نحو بركة داكنة في وسط الأرض. صرخ عادل وهو يقاوم، لكن الماء كان يغلي من حوله، وجسده بدأ يختفي تدريجيًا!
ركضت ليلى وصرخت:
"لااااا! لن أسمح!"
قفزت وراءه دون تفكير، وطعنت بركة الظلام بخنجرها، ليصدر صوت طنين يخترق كل الآذان، ويختفي الكيان فجأة.
ساد صمت.
ثم… اهتزت القاعة. المياه بدأت تتدفق من الجدران. الكيان لم يُهزم، بل انسحب. تركهم في الظلام… ليتذوقوا الخوف.
سُمع صوت ناعم، عميق، وكأنه ينبع من باطن الأرض:
"انتهى وقت اللعب… في الليلة التالية، سيكون الدم هو الحل الوحيد."
تراجعت المياه، وعاد الفريق إلى سطح البحيرة وهم يلهثون، نصفهم مصاب، ونصفهم في صدمة.
قال ياسين بصوت مبحوح:
"لم نكن مستعدين… لكنه أيضًا لم يكن مستعدًا لكل ما نعرفه الآن."
Clement Novelist