وجوه لسيت وجوههم

وجوه لسيت وجوههم

31 0

جلس ليث قرب الرجل المصاب، جمال الخالدي، محاولًا تضميد جرحه بخيوطٍ من القماش الممزق، بينما كانت سلوى تمسك بالمصباح وتسلّط الضوء على وجه الرجل الذي بدا وكأنه خرج من قبرٍ قديم.

"ثلاثون عامًا؟" تمتم باسل، "ما الذي كان يفعله هنا طوال تلك السنوات؟ ولماذا لم يُكتشف أمره؟"

جمال فتح عينيه ببطء وقال بصوتٍ خافت: "لأن هذه الأرض تُخفي نفسها عمّن لا تنتمي إليهم... وأنت، يا ليث، من أولئك الذين تنتمي أرواحهم إلى هذا المكان."

تجمد ليث مكانه، نظر إلى الرجل بدهشة: "ما الذي تقصده؟"

ابتسم جمال ابتسامة متشققة: "أبوك لم يخبرك، أليس كذلك؟ لقد كان من نسل حُرّاس الممر الأسود... من آخر من وقفوا في وجه الكيان قبل أن يُختم."

همست سلوى: "أبوك...؟ هل كان يعرف عن اللعنة؟"

لم يجب ليث، فقد انغمر في صمتٍ ثقيل، صوت أبيه القديم يعود إلى ذهنه: "هناك أبواب لا تقترب منها، حتى وإن ظننت أن داخلك يتحمل."

نهض باسل فجأة وقال:

"الكيان لم يرحل. لقد ترك أثره هنا. منذ دخلنا هذه الغابة، والأشياء تفقد معناها."

وأشار إلى أطراف الغابة، حيث بدأت الأشجار تأخذ هيئة وجوه بشرية... وجوههم.

نعم، كانت وجوههم، كما لو أن الأشجار نسخت ملامحهم. سلوى رأت وجهها على جذع شجرة، دامعًا. باسل رأى نفسه يصرخ. وليث... رأى نفسه وهو يحترق.

"ما هذا؟!" صاحت سلوى، ودموع الرعب تغمر عينيها، "هل هذه هلوسات؟"

جمال تمتم، وهو يضع يده على قلبه: "الكيان بدأ في خرق الحواجز بين الوهم والحقيقة. أنتم لم تعودوا تميزون بين أنفسكم وصوركم... وهذه هي المرحلة الأولى من فقدان الوعي بالذات."

"وما المرحلة التالية؟" سأل باسل بخوف.

"أن تبدأوا بقتل بعضكم ظنًا أن الآخر ليس هو..."

صمتٌ مروع ساد بينهم.

أدار ليث رأسه ببطء إلى سلوى، ثم إلى باسل، ثم نظر إلى يديه... كانت مغطاة بطين أسود... لا، ليس طينًا، بل جلدٌ بشريّ ميت.

"أعطني السكين." قال ليث.

"ماذا؟ لماذا؟" ارتبك باسل.

"لأجرح نفسي... لأتأكد أني ما زلت أنا."

"لا، لا تفعل!" صاحت سلوى وهي تبعد السكين، "هذا بالضبط ما يريده الكيان... أن نفقد الثقة في أنفسنا."

لكن ليث رفع عينيه، وقال بصوتٍ بارد: "ومن قال إنني ما زلت ليث؟"

ساد صمت ثقيل، قبل أن يصرخ جمال: "اركضوا!!"

فجأة، هاجم ليث سلوى بقوة غير بشرية، وعيونه وقد اسودت بالكامل. لم يكن ليث... كان الكيان قد لبسه.

باسل رمى المصباح نحو ليث، وتحطم الضوء واندلع لهيب صغير، فارتد ليث – أو الكيان الذي في جسده – صارخًا، ثم انطلق راكضًا إلى داخل الغابة.

سلوى تنهض من على الأرض، تبكي وهي تصرخ: "ليث... ليث الحقيقي، أين أنت؟!"

جمال قال بصوت مختنق: "لقد تم اختطاف روحه... وما عاد جسده ملكه. لكن لازال هناك أمل..."

"كيف؟!" صاح باسل.

جمال نظر إليهم بعينين دامعتين: "هناك مكان في أعماق الغابة... البحيرة المعكوسة... إذا وصلتم إليها، قد تتمكنون من إحياء جزء من روحه. لكن عليكم أن تصلوا قبل اكتمال القمر."

سلوى تنظر إلى السماء، ثم تهمس: "القمر... سيكتمل غدًا."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعنة الماء الأسود 🔮

المؤلف Clement Novelist
2025/07/30 مكتملة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة