كانت الليلة باردة على نحو غير طبيعي، كأن كل حرارة قد سُحبت من الهواء. الأشجار حول الكوخ تمايلت في صمت، وأصوات الحيوانات اختفت. بدا العالم كأنّه ينحبس في لحظة انتظار… انتظار شيء لا اسم له، لكنه يقترب.
داخل الكوخ، لم ينَم أحد. راشدة جلست عند الزاوية الشرقية، تهمس بلغات لا يعرفها أحد، وتحرق أعشابًا غريبة تفوح منها رائحة التراب الرطب والرماد. حولها جلس نوار وسليم ومرام وسارة، يشاهدون في صمت.
"اللعنة لا تبدأ من البحيرة،" همست راشدة. "بل من الجسد."
رفعت كمّها، فكشف عن ذراع نحيلة منقوشة بعلامات ووشوم قديمة، محفورة في الجلد كأنها وُلدت معها. قالت:
"هذه الأختام وضعتها أمي حين كنتُ رضيعة… لأكبح النبض الأسود إن وُلد داخلي."
حدّق فيها سليم مشدوهًا:
"النبض الأسود؟"
"هو الصدى الأول للكيان. إذا اخترق أحدكم الحاجز، حتى في حلم… فإن النبض قد استيقظ فيه. وإن لم يُكبح… سيصبح بوابة."
---
خارج الكوخ، كانت الأمواج تتلوى على سطح البحيرة كما لو أن شيئًا يتحرك تحتها. وعند الحافة الجنوبية، ظهرت آثار أقدام عارية في الطين… لكنها لم تكن بشرية. الأصابع طويلة، تنتهي بنقاط كالمخالب.
في الداخل، لم تلاحظ مرام أن الظلال في زوايا الغرفة أصبحت أكثر كثافة، كأن النور نفسه يرفض البقاء. فجأة، صاحت سارة:
"المرآة… انظروا!"
تجمّعوا أمام المرآة القديمة المعلّقة في منتصف الجدار. كانت تعكس الغرفة بوضوح… ما عدا وجه سليم.
لم يكن له انعكاس.
ارتجف. لم يشعر ببرده من قبل كما يشعر الآن. اقترب ببطء، وهمس:
"هذا… مستحيل."
قالت راشدة، وهي تنهض فجأة:
"بدأت البوابة تفتح. إنه أنت."
تراجع سليم، قلبه يخفق بشراسة، وصوت داخلي يصرخ: "لا. لا أريد أن أكون المفتاح!"
لكن صوتًا آخر، أعمق… أهدأ… قال له:
"أنت كنت دائمًا كذلك."
---
في تلك اللحظة، اهتزت الأرض تحتهم. ارتفعت صرخات الطيور من الغابة، وسمع الجميع صوت خوارٍ عميق… كأنّ جوف البحيرة أنين مخلوقٍ يُنتَزع من النوم بالقوة.
ركضوا نحو الخارج، فشاهدوا عمودًا من الضباب الأسود يرتفع من منتصف البحيرة، يلتفّ ويتلوى، وفي داخله ظلّ لشيءٍ يسبح، يتنفس، يتشكل.
صرخت راشدة:
"إنها الرؤية الأولى! الكيان لا يزال مقيدًا، لكنه يُرسل ظله ليختبر الأرض."
قالت مرام بصوت مرتجف:
"وإذا خرج الظل من الماء؟"
قالت راشدة ببطء:
"سيبحث عن جسدٍ… ليحلّ فيه."
---
تراجعت المجموعة، وسليم ظل واقفًا يحدّق في الضباب. هناك، في قلب العتمة، ظهرت عين… واحدة فقط… تنظر نحوه.
كانت نفس العين التي رآها في حلمه.
"اذكر اسمك…" قالت راشدة فجأة، "بسرعة، اذكر اسمك الكامل!"
لكن سليم لم يستطع.
كان قد نسي اسمه.
---
وفي الداخل، كانت المرآة قد بدأت تتشقق، وكل شقّ يرسم خطًا أسودًا كأنّه ينزف لعنةً لا تُرى. وعلى الجدار، بدأت الكلمات تظهر:
"الدم الأول… اقترب."
"سليم!" صرخت مرام وهي تمسك بذراعه. "لا تقف هناك، عُد إلينا!"
لكنه لم يتحرك. كان جسده ثابتًا، كأنه تحجّر، بينما عيناه معلقتان بتلك العين داخل الضباب… لم تعد نظراته خائفة، بل خالية تمامًا.
راشدة تقدّمت ببطء، تمتمت كلمات غريبة ثم غرزت إبهامها في كف يدها حتى سال الدم، ورسمت دائرة على الأرض عند قدميه. قالت بصوتٍ حاد:
"هذا ليس هو. هذا ظلّه. الكيان بدأ ينسخ منّا!"
خطت سارة للخلف وهي تبكي: "نسخة؟ ماذا تقصدين؟"
"الكيان لا يملك جسدًا. لكنه ينسخ الوعي… يختار الأضعف، ويسكن فيه على شكل ظلّ أولي. وسليم كان يعاني منذ البداية. لقد لمح العين منذ الليلة الأولى. نحن غفلنا عن العلامات."
---
لكن ما لم تتوقّعه راشدة، أن سليم بدأ يتحرك… ببطء. لم يكن يمشي كالبشر، بل يسحب قدميه فوق التراب. وكلما اقترب، كانت الأرض تتصدّع تحته، وتذبل الأعشاب بجواره.
"سليم، أرجوك!" صاحت مرام.
لكنّه رفع رأسه… وعيناه صارتا سوداويْن تمامًا، دون بؤبؤ.
قال بصوت مزدوج، ليس صوته:
"إنه لا يسمعك الآن."
هنا، أمسكت راشدة بقطعة من العظم المُعلّق برقبتها، وكسرتها بقبضتها، فانطلقت منها ومضة رمادية، وارتدّ سليم للخلف صارخًا، كأن نارًا اشتعلت في داخله.
"اسمه الحقيقي… نحتاج اسمه الحقيقي!" قالت راشدة.
مرام صرخت:
"اسمه الكامل هو… سليم عمران الرفاعي!"
في لحظة، اهتزّ الهواء. بدا أن كل شيء توقف. الضباب الأسود تراجع قليلاً. العين في البحيرة أغلقت.
وسقط سليم على الأرض.
---
لاحقًا، داخل الكوخ، جلسوا جميعًا حول سليم، الذي بدأ يستعيد وعيه شيئًا فشيئًا. عيونه عادت لطبيعتها، لكنه كان شاحبًا، وكأن جسده فَقَدَ حرارة الحياة.
قالت سارة وهي تمسك بيده: "هل تتذكّرنا؟"
"أنا… رأيت شيئًا. شيء ليس من هذا العالم… قال لي إننا مجرد بداية… قال إننا خيطٌ في نسيج أقدم من البحر ذاته…"
نظرت راشدة للجميع وقالت بصوتها الهادئ، العميق:
"لقد تخطينا أول اختبار… لكن الكيان الآن يعرف أسماءنا، وأصواتنا… بل وحتى مخاوفنا."
ثم رفعت رأسها، وعيناها تحدّقان في الظلام خلف النافذة:
"اللعنة لم تبدأ بعد… لقد استيقظت فقط."
Clement Novelist