الكيان

الكيان

26 0

كانت الأرض لا تزال تهتز تحت أقدامهم بعد ظهور الكيان الهائل من شق الأرض، لا يحمل جسدًا محددًا، بل كأنه غيمة سوداء تتخذ هيئة متغيّرة، تتخللها أقنعة بشرية تتحرك دون وجه.

كل قناع يحمل ملامح شخص ما… كأنها أرواح محتجزة.

سلوى شهقت حين رأت أحد الأقنعة يشبه وجه أمها.

"ما هذا…؟!" تمتم باسل، ويده ترتجف على مصباحه الذي لم يُضيء شيئًا أمام هذا الظلام المتحرّك.

الكيان تحدث بصوت آلاف الأصوات:

"أنتم دخلتم البحيرة… ظننتم أن استعادة فتى ضائع ستكسر اللعنة؟ لم تروا شيئًا بعد."

مدّ الكيان ظلاً أسود نحو ليث، الذي كان لا يزال منحنياً، وكأنه لا يستطيع المقاومة بعد.

لكن جمال قفز أمامه، ممسكًا بصفحة ممزقة من الدفتر. كانت تحمل طلاسم قديمة مرسومة بالدم.

قرأ الكلمات بصوتٍ مرتجف… فبدأ الكيان يصرخ.

"كلمات الدم لن تُنجّيكم للأبد!" صرخ الكيان وهو يتراجع للحظة. "هي فقط تبطئ… لا تُنهي."

وبدأت الأرض تنغلق من جديد.

لكن لم يكن هذا نهاية المواجهة… بل بدا وكأنها بداية عبور إلى مستوى أعمق من اللعنة.

أرض لم تُكتب بعد.

**

بعد ساعات، عادوا إلى الكوخ، ووجه ليث شاحب.

"أنا… لا أتذكر كل شيء." قال وهو يضع رأسه بين يديه. "لكنني رأيت… شيئًا يشبه المدينة… تحت الماء. كانت مليئة بالناس… كانوا يتكلمون، ويصرخون، لكن لا أحد يسمعهم."

قالت سلوى وهي تفتح الدفتر: "هذا يتطابق مع ما كتب عماد هنا… عن مدينة غارقة. قال إنها تحت البحيرة مباشرة، وقد تكون هي أصل اللعنة."

جمال عضّ على شفتيه ثم تمتم: "البوابة… ليست في البحيرة. إنها تحتها. والمفتاح… لا يزال ناقصًا."

"وما هو؟" سأل باسل.

هنا، أجاب ليث بصوت خافت:

"الدم… دم شخص وُلد في الليلة التي غرقت فيها المدينة."

وساد الصمت…

لأن الكل عرف أن ليث… وُلد تلك الليلة.

كان الصمت في تلك الليلة أثقل من الرصاص، والضباب يزحف من أعماق الغابة ككائن حي يزحف نحو المدينة. عند أطراف النهر، سُمع أول صرخة... لم تكن صرخة عادية، بل صوتًا مشوّهًا لا يمكن نسبه لأي كائن معروف.

ركض "ليان" و"يوسف" نحو مصدر الصوت، يتبعان آثارًا غريبة في الوحل. أقدام طويلة نحيلة، كأن من سار عليها لا ينتمي لهذا العالم. كل شيء كان يشير إلى شيء واحد فقط... الكيان ظهر.

في وضح الضباب، رأوا جسدًا معلّقًا على أحد أعمدة الكهرباء. كان جسد "رامي"، أحد السكان المحليين الذي كان يراقب التحركات الليلية لصالحهم. كان جسده جافًا

...ارتجف قلب يوسف، وكأن صدى الكلمات صفعه بقوة لا تُرى.

"أنا؟" همس متراجعًا خطوة إلى الوراء. "هذا مستحيل… أنا لا أملك شيئًا، لا قوى، لا أسرار، أنا مجرد…"

قاطعته ناهدة بصرامة:

"بل أنت من يحمل الدم القديم… الدم الذي لم يُلوث بلعنة الماء. لقد نجا أحد أسلافك من الطقوس، وترك لك شيئًا لا يعرفه أحد… إرث المقاومة."

أرادت ليان أن تقول شيئًا، لكن الأرض بدأت تهتز فجأة، وبقوة. تهاوت بعض الجرار القديمة في كوخ ناهدة، وسُمع صوت خافت، أشبه ببكاء طفل قادم من البحيرة… أو شيء يدّعي أنه طفل.

"لقد عرف بوجودنا هنا…" تمتمت ناهدة، ثم أمسكت بيد يوسف بقوة وأخرجت من تحت الأرض سكينًا نحاسية قديمة، نقوشها محفورة بدقة مخيفة.

"هذه ليست لتُقاتل به… بل لتوقظ ما بداخلك."

أمسك يوسف بالسكين، وبدا وكأنها تتوهج ببطء بين أصابعه. شعور دافئ اجتاح جسده، كأن شيئًا ما كان نائمًا فيه، واستيقظ الآن فقط. بداخله، سمع صدى صوتٍ لم يعرف مصدره، لكنه خاطبه بوضوح:

"حين تكتمل المياه، يبدأ الحساب… قاوم أو غُمر."

نظرت ليان إليه بخوف ودهشة.

"يوسف… هل أنت بخير؟"

أدار وجه

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعنة الماء الأسود 🔮

المؤلف Clement Novelist
2025/07/30 مكتملة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة