في صباحٍ رماديٍ جديد، كانت قرية رينهولم تغطّ في هدوء خادع، كأن الأرض نفسها تحبس أنفاسها.
لم يكن إلياس قد غادر كوخه منذ مساء الأمس. يقلب صفحات الكتاب العتيق بعينين مشوشتين، بينما النار في المدفأة بدأت تخبو. كانت الكلمات المدوّنة بلغة قديمة، لكن شيئًا ما في داخله كان يهمس له بالمعنى، وكأنها محفورة في ذاكرته منذ ولادته.
في الصفحة التاسعة عشرة، وجد عبارة مقلقة:
> "حين يظهر الحامل الأخير، تبدأ الشقوق في الأرض، وتتكسر المرايا، ويُسحب القمر نحو الهاوية."
وفي اللحظة نفسها... اهتزّ الكوخ بأكمله.
نهض إلياس مذعورًا، وهو يسمع زئيرًا بعيدًا، أشبه بانفجار تحت الأرض. تهاوت بعض الكتب من الرفوف، وسقط مصباح الزيت وتحطّم على الأرض، وانتشر الدخان في الغرفة.
فتح النافذة، ليجد أن السماء قد اسودّت فجأة، والريح تعصف بغضب، كأنها تصرخ بلغة لا يُفهم منها سوى الألم.
وقبل أن يستوعب ما يحدث، ضُرب الباب بعنف ثلاث مرات.
تردّد، ثم تقدم وفتحه.
كانت تقف هناك... امرأة غريبة الملامح، ترتدي معطفًا داكنًا، يتناثر المطر على كتفيها دون أن ترفّ لها عين. كانت ألما.
نظرت إليه مطولًا، ثم قالت بنبرة خافتة:
"كنت أبحث عنك يا إلياس... منذ ولادتك."
لم يستوعب إلياس كلامها، لكنه شعر بانقباض داخلي غريب، كأنه يعرفها منذ زمنٍ بعيد، زمنٍ لم يكن فيه بشر، ولا قرى، ولا لعنات... فقط ظلال.
قال بتردّد:
"مَن أنتِ؟ وكيف عرفتِ اسمي؟"
دخلت ألما دون دعوة، وقلبت إحدى صفحات الكتاب، ثم نظرت إليه بعينين تلمعان بنارٍ خفيّة:
"أنا من تبقّى من حُرّاس الأختام... وأنت، آخر من يحمل الدم الممنوع."
اقتربت منه، وهمست:
"لعنة الماء الأسود ليست مرضًا يا إلياس... إنها إرادة، عقل حيّ تحت الأرض، يريدك أن تُكمل ما بدأه والدك."
تراجع خطوة، وعيناه تتسعان بدهشة:
"والدي؟ لكنه مات قبل سنوات!"
ابتسمت ألما بحزن:
"هو لم يمت كما تعتقد. بل غرق... واختار أن يصبح جزءًا من الساهر."
وفي تلك اللحظة، دوّى صوتٌ في السماء، أشبه بصرخة عملاقة، وتشقّق زجاج النافذة أمامهما. خرجا بسرعة إلى الخارج، ليشاهدا مشهدًا مروّعًا.
الماء في البحيرة القريبة قد بدأ يتبخّر، وصخور الأرض ترتجّ، وشقوق داكنة تُفتح في التربة، وكأنها أفواه تنادي.
سقط أحد رجال القرية في شقٍ مفاجئ، واختفى دون أثر، ولم يُسمع له صراخ، بل صوت بلل لزج يُشبه البلع.
صرخت امرأة:
"إنها النهاية! إنهم يعودون!"
أمسكت ألما بكتف إلياس:
"لم يتبقَ وقت، يجب أن نغادر. هنالك مكان... معبد الظل الأول، هو وحده من يمكنه إبطاء استيقاظ اللعنة."
سألها إلياس:
"ولماذا أنا؟ ماذا يُميّزني عن غيري؟"
أجابت:
"دمك، ونقشك، والسر الذي لا تعرفه... أنت النذير الأخير، وسواء شئت أم أبيت، مصير هذا العالم معلّق بك."
بينما كانت العاصفة تشتد، والأرض تتقيّأ ظلامها، نظر إلياس إلى القلادة التي ورثها عن والده، والتي لم يفتحها يومًا.
أخرجها من عنقه، وفتح القفل المخفي.
في الداخل... قطرة ماء سوداء محفوظة داخل زجاجة صغيرة.
همست ألما:
"وها قد فُتح الختم الأول..."
Clement Novelist