في الصباح التالي، وبينما كانت خيوط الشمس تحاول التسلل من بين سحب رمادية ثقيلة، لم يكن إلياس قد أغلق عينيه بعد. جلس قرب المدفأة التي لم تطفأ نارها طوال الليل، يتأمل النقش الغريب الذي وُجد على جدار كوخه.
كان يعلم أن ما رآه لم يكن حلمًا، ولا هذيانًا، بل مفتاحًا لأول باب في سلسلة أبواب تُفضي إلى ماضٍ لم يكن يعلم بوجوده.
لكن لم يكن يعلم أن شخصًا ما، في الجهة الأخرى من العالم، قد بدأ رحلته نحوه أيضًا.
على بُعد أميال، في دير مهجورٍ فوق تلة تُدعى سِنّ الملاك، كانت هناك امرأة تُدعى ألما، تُقلّب أوراقًا بالية، تنبعث منها رائحة العفن والموت. كانت طويلة، نحيلة، ذات شعر أسود يتدلّى كسياط الليل، وعينين بلون الحبر الجاف.
ألما لم تكن مثل بقية البشر.
كانت من آخر حاملي "السِّجل الملعون"، وهو كتاب لا يقرؤه إلا من نجا من لمسة الماء الأسود.
وحين وقعت عيناها على إحدى الصفحات، تجمدت لحظة، قبل أن تهمس:
"إلياس... إنه حيّ..."
خلفها، وقف شاب يُدعى كايل، مبتل الثياب، وعيناه تلمعان بغرابة.
قال بهدوء:
"هل هذا هو الوريث الذي نُبئنا به؟"
أومأت ألما، ثم نهضت.
"إنه ابن ألريك... الأخير من سلالة الحُماة."
سأل كايل بقلق:
"لكن ألم تُبَدَ السلالة بالكامل في مذبحة البئر؟"
ردت بنبرة حزينة:
"هذا ما كنا نظنه... حتى الآن."
وبينما كانت ألما تستعد للرحيل، كانت ذكريات قديمة تُعاودها، قوية لدرجة أنها شعرت أن الزمان قد انطوى وفتح أمامها بابًا إلى الوراء.
**
قبل مئة عام
في إحدى ليالي الشتاء القارس، اجتمع كبار القبائل في وادٍ عميق أُطلق عليه اسم مقرّ الظلال. كانوا يعرفون أن شيئًا ما في العالم قد استيقظ، شيئًا لا يُشبه ما اعتادوا عليه من الأرواح أو الجنّ أو حتى الشياطين.
كان الأمر يتعلّق بـ"الماء الأسود".
سائل كثيف، داكن، لا يعكس الضوء، بدأ بالظهور أولًا في نبع القرية القديمة. من يشرب منه، لا يموت... بل ينسى اسمه، ينسى لغته، ويصير عبدًا للصوت الذي يخرج من الأعماق.
وكان ذلك الصوت يُعرف باسم "الساهر تحت الماء".
قال حكيم القبيلة آنذاك، واسمه أرغون:
> "إنها لعنة أطلقتها يد إنسان. في الماضي، حاول أحد السحرة السيطرة على الموت، وفتح بوابة إلى الظل الأزلي. لكنه فشل. انفجرت اللعنة، وانسكبت في الماء، فصار من يشرب منه ميتًا دون أن يموت."
وفي تلك الليلة، تطوّع خمسة من أبناء القبائل لحمل أختام الحماية، لمنع انتشار اللعنة.
لكن أحدهم خان العهد.
وكان اسمه: ألريك.
الرجل الذي سيُعرف لاحقًا كوالد إلياس.
**
العودة إلى الحاضر
جلست ألما في زاوية العربة التي ستقلّها إلى قرية إلياس، وحدّثت كايل قائلة:
"اللعنة ليست نائمة يا كايل... إنها تنتظر أن يُفتح الختم الأخير، والقلادة التي يحملها إلياس هي المفتاح."
رد كايل:
"ولماذا لا نحذره؟"
قالت:
"لأن ما ينتظره... لا يمكن لأحد النجاة منه إن لم يواجهه بنفسه."
وفي تلك اللحظة، وفي كوخ إلياس، كان الأخير يُحاول فتح كتاب قديم وجده مخبّأ تحت ألواح أرضية متهالكة.
كان الكتاب بلا عنوان.
وحين فتحه، كانت أولى صفحاته تحوي رسمًا دقيقًا لبئرٍ سوداء، محاطة بخمسة رموز.
وتحتها كُتب:
> "الخطيئة لا تموت... بل تنتظر من يرثها."
نظر إلياس إلى الرمز الثالث، فإذا به مطابق للنقش الذي ظهر على جدار كوخه.
همس لنفسه، وقد بدأ يفهم:
"أنا لم أختر هذا الطريق... لكنني خُلقت فيه."
وفي اللحظة ذاتها، وصلت عربة ألما إلى أطراف القرية.
أغمضت عينيها، وشهقت ببطء، ثم قالت:
"بدأ كل شيء من هنا... ومن هنا سينتهي."
Clement Novelist