انعكاسات لا تنطفئ 🔮

انعكاسات لا تنطفئ 🔮

42 0

في عمق الليل، حين كانت النجوم تراقب الأرض من عليائها بعيون باردة، وقف إلياس على حافة البحيرة التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. مياهها سوداء كالحداد، ساكنة حد الفزع، لا تعكس السماء بل وجوه من غرقوا فيها، أو هكذا يُقال.

كانت الريح ساكنة، لكنها تحمل في هدوئها أصواتًا خافتة، كأنها نداءات من عالم غائر تحت السطح. إلياس لم يكن يخشاها. بل كان يستمع.

وقف هناك، وحده، بينما قمرٌ مشقوقٌ يتدلّى فوق الجبال البعيدة، يسلط نوره الرمادي على صفحة الماء. انعكاس وجهه لم يكن كما يتوقّع. وجهه كان هناك، نعم، لكن العينين... لم تكونا عيناه.

إحدى العينين كانت فضية، تومض بلون لا يخص البشر، والأخرى ظلالٌ غامضة تتلاشى كلما ركّز النظر. ابتعد خطوة إلى الوراء، لكن الانعكاس لم يتحرك. ظل ثابتًا، يحدّق فيه، ببرود و... معرفة.

مرت سبع سنوات منذ اختفى والده في هذه البحيرة.

مرت سبع سنوات، ولم يعد أحد.

لكن الليلة، شيء ما تغيّر.

"أنت عدت"، تمتم الصوت من الماء، لم يخرج من فم إلياس، بل من داخل البحيرة نفسها.

تراجع، لكنه لم يسقط. كان مستعدًا لهذا. طوال حياته وهو يسمعهم يهمسون:

"الماء الأسود لا يبتلع أحدًا، بل يحتفظ بهم."

أخرج من جيبه قطعة حجرية صغيرة، نُقش عليها رمز قديم بالكاد يُرى. دفنها والده ذات يوم في جذع شجرة قرب البحيرة، وقال له: "إن وجدت نفسك ضائعًا، عد بها."

وحين عاد، حمل الحجر معه، وقلبًا أثقل من الجبال.

اقترب من الماء ثانية.

"إن كنت ما أظنه... فخذني"، قالها بصوت خافت، لكن البحيرة استمعت.

موجة صغيرة تشقّ السكون. ثم أخرى.

حتى انتفخت صفحة الماء بهدوء... كأنها تتنفس.

ثم برزت يد.

بشريّة... ولكن مغطاة بطبقة من طحالب سوداء.

يد تناديه.

في قرية "ميراث"، البعيدة عن هذه البحيرة، استيقظت العرافة العمياء فجأة، وأنفاسها متقطعة.

همست وهي تمسك صدرها المرتجف:

"استيقظت اللعنة... الدم المختلط يعود."

أحاطت يد الماء بمعصم إلياس، باردة كالموت، رخوة كأنها صنعت من طين الأحلام. حاول أن يسحب يده لكنه لم يستطع. لم يكن الخوف ما منعه، بل الفضول—ذاك الفضول العميق الذي وُلد بداخله يوم سمع أولى حكايات البحيرة من جدّته العجوز.

سحبت اليد شيئًا صغيرًا من الأعماق، ووضعته في راحة يده. لم يكن حجرًا. لم يكن ذهبًا. بل... قلادة معدنية بسيطة، ذات سلسلة صدئة، يتدلّى منها رمز مألوف:

نفس النقش الذي حُفر على الحجر الذي يحمله.

رفع رأسه بسرعة، لكن اليد اختفت.

وكأنها لم تكن.

لكن البحيرة ظلّت تموج.

كان هذا وحده كافيًا.

قبض على القلادة بقوة، وخطا للخلف، ينظر إلى النقش بعينين مرتجفتين. كيف وصلت هنا؟ هل كانت لوالده؟ أم لأحد آخر؟ هل هذه علامة... أم لعنة بدأت تهمس في أذنه؟

ترددت خطواته بين الطين والعشب، حتى بلغ حافة التل المطل على البحيرة. التفت خلفه، فوجد الضباب قد بدأ يعلو فوق الماء، كثيفًا، يزحف ككائن حي يملك نَفَسًا خاصًا به.

وحين أدار ظهره ليعود إلى كوخه في الغابة، سمع الصوت مرة أخرى. لكن هذه المرة، لم يأتِ من البحيرة... بل من داخله.

"الدم القديم أُيقظ. وما أُخفي سيُكشف."

في أعماق الغابة، كانت شجرة السنديان الضخمة تهتزّ رغم سكون الرياح. تتدلّى من أغصانها أحجبة قديمة، تتراقص كأنها تهمس بأشياء لا تُفهم.

وفي قرية ميراث، كانت العرافة تقلب صفحات كتاب جلدي غريب، أوراقه لا تُقرأ إلا بنور الشموع السوداء.

صفحة واحدة كانت فارغة البارحة.

والليلة... ظهرت فيها عبارة واحدة:

"عاد الوريث."

نام إلياس تلك الليلة داخل كوخه، والقمر يراقبه من شقوق السقف، بينما القلادة تحت وسادته، والحجر القديم بين يديه، ووجه أبيه لا يغادر خياله.

لكن قبل أن يغفو، لمح في الظلام أعينًا.

واحدة... اثنتان... ثلاث.

تراقبه من خلف الأشجار.

ثم اختفت.

على مشارف البحيرة، خرجت المرأة ذات الرداء الأزرق من الظلال. كانت ملامحها غامضة، كأنها خرجت من الحكايات القديمة.

همست للماء:

> "استعد، يا بحر النسيان. لقد عاد ابن الخطأ."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعنة الماء الأسود 🔮

المؤلف Clement Novelist
2025/07/30 مكتملة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة