العيون التي لا تنام

العيون التي لا تنام

40 0

في الصباح التالي، استيقظ إلياس على صوت الريح تعصف بنوافذ كوخه، وكأن الغابة قد قررت أخيرًا أن تتكلم.

فتح عينيه على شعاع باهت من الشمس يتسلل من بين الأغصان الكثيفة، فوجد القلادة قد سقطت على الأرض، لكنّها كانت تُصدر طنينًا خافتًا، أشبه بأنين حشرة محبوسة داخل زجاجة.

انحنى والتقطها، وعيناه لا تزالان معلقتين بذلك النقش الغريب.

"إنها لا تنتمي لهذا العالم..." همس لنفسه، ثم خرج إلى الخارج.

كانت البحيرة صامتة اليوم، ساكنة بشكل مريب. لا طائر يحلّق فوقها، ولا ضفدع يقفز عند ضفافها. حتى الريح، حين اقترب منها، توقفت فجأة وكأنها لا تجرؤ على ملامسة سطحها.

وقف هناك، يتأمل صفاءها المشؤوم، فسمع خلفه حفيفًا بين الأشجار. التفت بسرعة، فوجد رجلاً مسنًّا يراقبه من بين الظلال.

كان شيخًا ذا لحية رمادية طويلة، يلبس عباءة داكنة تشبه عباءات الكهنة، لكن عينيه... لم تكن لعينَي رجلٍ عجوز.

بل كانت حادة، يقظة، كمن يعرف أكثر مما ينبغي.

"أنت ابن ألريك؟" سأل الرجل بصوت كالحجارة تُسحق.

أجاب إلياس بتوجّس: "نعم... هل تعرفه؟"

لم يجب الشيخ، بل اقترب بخطوات ثابتة، ومدّ يده نحو القلادة التي تتدلّى من عنق إلياس. وما إن لامسها، حتى سطع ضوء خافت من النقش.

قال العجوز ببطء:

"الدم عاد إلى موضعه. وسينفتح الباب من جديد."

ارتبك إلياس وسأله: "أيّ باب؟ من أنت؟"

لكن الشيخ انسحب إلى الظلال، واختفى كما ظهر، ولم يترك خلفه سوى كلمات قليلة:

> "حين تصل الليلة الثالثة، لا تنم...

فالعين التي لا تنام، ستراك."

في قرية ميراث، بدأت العجائز يتحلّقن حول العرّافة القديمة، يهمسن بأدعية نُسيت منذ قرون. وفي وسط قاعة الطقوس، وُضعت سبع شمعات سوداء، وفي المنتصف خريطة من جلد قديم، تتقاطع فيها خطوط كأنها شرايين ميت.

قالت العرافة بصوت أجش:

"اللعنة لم تنتهِ بموت ألريك. لقد نُقل الختم إلى وريثه. واللعنة لا تموت... بل تنتقل."

في تلك الليلة، وبينما كان إلياس يشعل النار في مدفأته الخشبية، سمع الطرق على بابه.

دقات ثلاث. بطيئة. ثقيلة.

فتح الباب بحذر، فلم يجد أحدًا.

لكن عند العتبة، وُضعت ورقة قديمة، خطّت عليها عبارة واحدة بحبر باهت:

"نحن نراقب. لا تهرب من قدرك."

رفع بصره نحو الأشجار، فرأى الأعين مجددًا.

لم تكن وهمًا.

كانت هناك، في العتمة، تحدّق.

تراقب.

وتنتظر.

كان قلب إلياس يدق بعنف، ويداه لا تزالان ترتجفان وهو يُغلق الباب خلفه. تراجع إلى الداخل، يحدّق في الورقة المهترئة التي وُضعت عند عتبته. الكلمات المحفورة بخط غير مألوف جعلت أنفاسه تختنق:

"نحن نراقب. لا تهرب من قدرك."

جال ببصره أنحاء كوخه، باحثًا عن شيء يبعث على الاطمئنان، لكن كل شيء بدا جامدًا، صامتًا، كأن الأرواح غادرته منذ زمن. عاد إلى المدفأة، حيث كانت النيران تهمد شيئًا فشيئًا، تاركة ظلالًا ترتجف على الجدران الخشبية. جلس أرضًا، وراح يتأمل القلادة التي باتت تُشعُّ نورًا خافتًا منذ لمسها ذلك الشيخ.

همس لنفسه:

"قدري... أهو شيء قد كُتب عليّ قبل ولادتي؟ أم أنني أنا من بدأ هذا الطريق دون وعي؟"

صوت الطرق مجددًا.

ثلاث دقات... كما السابقة.

لكن هذه المرة، لم يكن عند الباب أحد.

بل جاءت الدقات من النوافذ.

وقف فجأة، والتفت. ثم من النافذة الشرقية، لمح ظلًا يعبر بسرعة، أقرب إلى طيفٍ منها إلى إنسان. ركض إلى الخارج دون أن يفكر، والقلادة تتأرجح على صدره.

الغابة لم تكن كما كانت في النهار. الأشجار بدت أطول، أشبه بأعمدة معابد قديمة. والضوء الوحيد كان ضوء القمر، مكتملًا فوق رأسه كعين بيضاء تحدق فيه دون رمش.

تتبع الظل الذي رآه، عبر الممرات التي لا يعرفها، وكلما تعمّق أكثر، شعر بالبرد يتسلل إلى عظامه. وأخيرًا، وصل إلى فسحة وسط الأشجار. هناك، كانت الأرض جافة، كأن المطر لم يطأها منذ سنوات، وفي منتصفها... بئر حجرية، بلا حواف، مغطاة بأغصان سوداء ملتفة.

اقترب منها ببطء، وكل خلية في جسده تصرخ أن يعود. لكن شيئًا أقوى قاده للاستمرار.

حين لامس حافة البئر، انفجرت صورة في ذهنه.

مشهد... قديم.

رأى رجلاً يشبهه، يقف في المكان ذاته، ومن خلفه أربعة رجال بعباءات سوداء، يتلون تعاويذًا بلغة لا يفهمها. الرجل صرخ، والدماء سالت من عينيه، ثم سقط في البئر، وانغلقت عليه الأغصان كما تنغلق فم أفعى.

تراجع إلياس وهو يلهث، وقد ابتلت جبهته بالعرق البارد.

"كان ذلك... والدي؟" سأل نفسه.

وفجأة، سمع صوتًا يأتي من البئر... صوت امرأة، بالكاد مسموع، لكن واضحًا بما يكفي ليُجمّد الدم في عروقه:

> "ساعدنا... أيها الوريث... قبل أن يغمرنا الماء الأسود مجددًا..."

ركض إلياس من المكان، دون أن يلتفت خلفه. كانت الأشجار تُفتح له الطريق، أو ربما تتراجع ببطء كما لو أنها تعرفه. وحين عاد إلى الكوخ، أغلق الباب بإحكام، وأسند ظهره إليه، لاهثًا.

جلس على الأرض، وهو يشعر أن العالم الذي كان يعرفه قد تصدّع. لم يعد مجرّد صياد بسيط في قرية نائية. لم يعد ذلك الفتى الهادئ الذي يكتفي بالصمت والكتب.

كان شيئًا أكبر... أو لُعنة تسير على قدمين.

في الليلة نفسها، في قصر قديم على أطراف مقاطعة "ديلوار"، كانت سيدة عجوز تقرأ في كتاب قديم، جلده من جلد ثعبان مجفف، ومكتوب بحبر أحمر قاتم.

رفعت بصرها إلى خادمها وقالت:

"القلادة أضاءت؟"

أومأ الخادم.

"إذن... بدأ العدّ التنازلي. هل وُلد تحت القمر المكتمل؟"

"نعم يا سيدتي. في الليلة ذاتها التي غرق فيها السيد ألريك."

ابتسمت ابتسامة واهنة، وقالت:

"كما توقعت... الدماء تسيل في دوائر مغلقة. وحين تُفتح البوابة، سيتغيّر كل شيء."

عند الفجر، استيقظ إلياس على صوت حفيف جديد... لكن هذه المرة من الداخل.

بحث بعينيه المتعبة، فوجد نقشًا جديدًا ظهر على جدار الكوخ... نقشًا لم يكن موجودًا من قبل.

ثعبانان يلتفان حول دائرة، وفي الوسط عين مفتوحة.

وعند أسفله، كُتبت كلمة واحدة:

"استعد."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعنة الماء الأسود 🔮

المؤلف Clement Novelist
2025/07/30 مكتملة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة