طريق بلا عودة

طريق بلا عودة

32 0

كان الصباح في قرية "الملح القديم" لا يُشبه الصباحات المعتادة، إذ لم تُشرق الشمس تلك المرة، بل بدا كأن السماء نفسها قد غُلِّفت بقماش أسود ثقيل يمنع الضوء. كل شيء يشي بالموت، حتى أصوات الطيور اختفت، وكأن الحياة نأت بنفسها عن الأرض.

في داخل الكوخ، جلس الأربعة في صمتٍ عميق. مرام وسارة بجانب سليم الذي لا يزال وجهه شاحبًا، بينما راشدة تقلب في كتبها القديمة، تتصفحها بهدوء كمن يبحث عن قشة في بحرٍ من الظلمات.

"هناك شيء آخر..." همست سارة فجأة، تقاطع صمت المكان.

"ماذا تقصدين؟" سألتها راشدة دون أن ترفع عينيها عن الكتاب.

"بالأمس، قبل أن يُصاب سليم… رأيت فتاةً واقفة عند حافة البحيرة. لم تكن منّا… عيناها كانت بيضاء بالكامل، وكانت تهمس لي، رغم أنني لم أسمع حرفًا مما قالت."

توقفت راشدة عن التقليب، أغلقت الكتاب ببطء، ثم نظرت إلى سارة قائلة:

"المرآة."

"أي مرآة؟" سأل سليم بصوتٍ متهدّج.

"الكيان يتغذى على الصور العاكسة… المرايا، المياه الراكدة، حتى زجاج النوافذ. إنه يحاول اختراقنا عن طريق انعكاساتنا. ما رأته سارة لم يكن فتاة، بل انعكاسًا آخر من نفسه."

سكتوا.

قالت مرام فجأة، والقلق في صوتها: "علينا مغادرة هذه القرية. الآن."

لكن راشدة ابتسمت ابتسامة خافتة، حزينة:

"لا عودة بعد أن يرى أحدنا العين. من يراها، يُصبح جزءًا منها. والآن، أنتم رأيتم جميعًا…"

سليم تمتم: "وإن لم نُقاتل؟ وإن هربنا؟"

أجابته وهي تنهض واقفة:

"الهرب مستحيل. الماء سيتبعنا. الأرض ستنشق. الكيان لا يطارد الجسد، بل الاسم. وهو يملك أسماءكم الآن."

---

في تلك الليلة، أصرّت راشدة أن يأخذوا طريق “الحفرة المطموسة”، ممر قديم كانت الأجيال السابقة تستخدمه للهرب من فيضانات البحر، لكنه منذ زمن بعيد أُغلق بالشجيرات والأحجار… طريق لا يسلكه أحد.

وهم في طريقهم، كان الصمت ثقيلًا، يتخلله فقط صوت أقدامهم فوق التراب الرطب، ورائحة الغبار المختلط بالعفن.

لكن بعد قرابة نصف ساعة، بدأوا يسمعون شيئًا...

خطى خلفهم.

واحدة فقط… تتكرر.

سارة همست: "هل أحدٌ يتبعنا؟"

توقفوا جميعًا… التفتوا خلفهم… لا أحد.

لكن الخطوة التالية كانت أمامهم.

"شيء يتحرك على الجانبين." تمتم سليم.

قالت راشدة: "ابقوا خلفي. لا تفصلوا."

وفجأة، من الظلام، خرج ظلّ طويل، لا يملك وجهًا. فقط عينٌ سوداء واحدة، في منتصف رأسه. لم يتحرك، فقط راقبهم. من خلفه، كانت تظهر وجوههم هم أنفسهم… تنظر إليهم، تبتسم لهم، ثم تختفي.

مرام انهارت على الأرض صارخة: "هذا كابوس! كابوس!"

لكن راشدة رفعت يديها، ورسمت دائرة من الملح حولهم، وبدأت تردد:

"باسم من سُلب، باسم من فُقِد، باسم من تكسّرت أظافره في الطين… أغلِق الباب!"

ومع آخر كلمة… انطفأ كل شيء.

---

استفاقت المجموعة فجأة على نور خافت ينبعث من فتحة في سقف كهف حجري. يبدو أنهم جميعًا فقدوا وعيهم.

سألت مرام: "أين نحن؟"

ردت راشدة بصوت مرهق: "في المكان الذي لا يجرؤ فيه الكيان على الدخول… لكن ليس لوقت طويل."

ثم وقفت، وحدقت في النقوش على الجدران:

"نحن الآن… في قلب اللعنة."

كان الهواء في الكهف ثقيلًا، كأنهم يتنفسون من خلال فمٍ صخري ضيق. الضوء الخافت المتسلل من فتحة السقف لم يكشف سوى القليل: جدران محفورة بنقوش غريبة، أشكال تشبه الإنسان لكنها بلا أعين، كلها تتجه برؤوسها نحو الأسفل، كما لو كانت تنحني لما هو تحت الأرض.

اقترب سليم من أحد الجدران، وبحذر، لمس نقشًا صغيرًا. ما إن فعل، حتى انبعث صوتٌ خافت، أشبه بصرخة مكتومة في بطن الأرض، ترددت أصداؤها بين الصخور، ثم سكت كل شيء من جديد.

"هذا المكان..." تمتمت سارة، "هل هو مخبأ؟ أم فخّ؟"

أجابت راشدة بنبرة مرهقة:

"إنه قبر… قديم… خُتم قبل مئات السنين. يقال إن الماء الأسود حُبس فيه أول مرة."

اقتربت مرام من نقشٍ آخر، كان يختلف عن البقية. وجه فتاةٍ صغيرة، بعينين مفتوحتين على اتساعهما، وعلى فمها علامة X.

"من هذه؟" سألت، بينما شعور بارد صعد على ظهرها.

راشدة لم تجب مباشرة. بل جلست أرضًا، وضمت ركبتيها، ثم قالت:

"اسمها ليلى. أول من واجه اللعنة… ولم يعد أحد يذكرها."

"وهل سننتهي مثلها؟" سأل سليم.

نظرت إليهم راشدة ببطء، ثم همست:

"لن نُنهي ما بدأناه… إلا إن كُسر الختم."

سكتت، ثم أضافت وهي تخرج لفافة صغيرة من القماش:

"هذا الحجر… هو قلب اللعنة. سُرِق قبل سنوات، وكان ما تبقى من ختم ليلى. الكيان لا يملك قوته كاملة طالما هذا الحجر محفوظ…"

"إذن، ما المشكلة؟ نُعيده إلى مكانه!" قالت مرام بحماس.

لكن راشدة رفعت عينَيها بتعب:

"لإعادته… يجب على أحدنا أن يضحي."

"بماذا؟" سألت سارة بتوجس.

"باسمه."

سليم تقدم خطوة، وقال:

"وإذا ضحى أحدنا باسمه… ماذا يحدث؟"

قالت راشدة:

"ينسى من يكون. يمحى من ذاكرة الجميع… حتى من قلوب أحبائه. يختفي من التاريخ."

سكتوا جميعًا، وجلسوا أمام الحجر… صامتين.

---

مرت ساعات لم يعرفوا كيف حسبوها. ووسط الصمت، قالت سارة:

"أنا من رأيت الفتاة. أنا من سمح له بالدخول أول مرة. سأفعلها."

لكن راشدة أوقفتها:

"لا. الكيان يعرفك. سيرفض اسمك… إنه ملوث."

قال سليم فجأة:

"خذي اسمي. أنا فقدت كل شيء بالفعل… هذا أقل ما يمكنني فعله."

لكن مرام صرخت فيه:

"لا! سليم… لا يمكنني أن أنسى أخي مرة أخرى!"

اقتربت راشدة من الحجر، ووضعته في تجويف صغير على الجدار. ثم قالت:

"فكروا جيدًا. الباب سيفتح بعد لحظة، وستدخلون الممر الأخير… من يقرر التضحية، عليه أن يقول اسمه بصوتٍ عالٍ ثلاث مرات… ويتركه خلفه."

---

انفتح الجدار.

وامتد ممر مظلم، تصاعدت منه رائحة البحر والدم.

خطت سارة أول خطوة… تبعتها مرام.

وقبل أن يلحقهم سليم، استدار نحو الجدار، وهمس بصوتٍ خافت:

"...اسمي سليم... سليم... سليم."

وابتسم، كأن صدره تحرر من شيءٍ كان يخنقه منذ سنين.

---

دخلوا النور، لكن حين استداروا لم يجدوه.

وسألت مرام، وهي ترتجف:

"أين... سليم؟"

لكن لم يرد أحد. ولم يعرف أحد عن من تتحدث.

انتهى الفصل الثالث عشر. اتمنى تعجبكم الرواية احاول اخلصها بأسرع ما عندي وحرفيا اخدت مني وقت كثير..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعنة الماء الأسود 🔮

المؤلف Clement Novelist
2025/07/30 مكتملة
قائمة الفصول (22)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة