الفصل الحادي والعشرون
الرجل الذي ظننته أبي
لم يستطع إيلان الكلام.
حتى نادر، الذي بدا وكأنه يعرف الكثير من الأسرار، بقي صامتًا.
أما ميرالا فكانت تحدق في الفراغ.
كانت الذكرى لا تزال واضحة في عقلها.
رجل يقف أمامها عندما كانت صغيرة.
يمسك يدها.
يبتسم لها.
ويقول:
— لا تخافي، أنا هنا.
كانت تلك الجملة التي سمعتها آلاف المرات.
الجملة التي جعلتها تشعر بالأمان.
لكن الآن...
كانت تعني شيئًا آخر.
قال إيلان:
— ميرالا، هل أنت متأكدة؟
رفعت عينيها.
— نعم.
— ربما الذاكرة غير كاملة.
— لا.
وضعت يدها على رأسها.
— هذه المرة أتذكر.
ثم قالت:
— الرجل الذي ربّاني بعد اختفاء أمي... هو نفسه الرجل الذي كان في المستشفى.
قال نادر:
— اسمه كاسر.
تجمدت.
— كاسر؟
أومأ.
— هذا الاسم الحقيقي الذي كان يستخدمه قبل أن يختفي.
قال ريان:
— ولماذا ظننتِ أنه والدك؟
أجابت ميرالا:
— لأن أمي كانت تناديني باسمه أمام الناس.
سكتت.
ثم أضافت:
— وكانت تقول إنه سيحميني.
قال إيلان:
— ربما كانت مجبرة.
نظرت إليه.
— لكن لماذا؟
لم يجد جوابًا.
وفجأة...
سمعوا صوتًا من الممر.
خطوات.
اقتربت.
ثم توقفت أمام الباب.
قال صوت رجل:
— ميرالا.
تجمدت.
كانت تعرف الصوت.
إنه هو.
كاسر.
قال:
— افتحي الباب.
لم تجب.
— أعلم أنك تسمعينني.
قال إيلان:
— لا تقتربي.
لكن ميرالا لم تتحرك.
كان صوت كاسر هادئًا.
— لم أكذب عليك في كل شيء.
صرخت:
— كذبت في كل شيء!
ساد الصمت.
ثم قال:
— لا.
— قلت إن أمي ماتت!
— لأنني كنت أحاول حمايتك.
ضحكت ميرالا بسخرية.
— تحميني؟ من ماذا؟
أجاب:
— من الحقيقة.
قال إيلان:
— افتح الباب.
رد كاسر:
— لا أريد قتالكم.
قال نادر:
— وأنت تعرف أننا لا نصدقك.
ثم سمعوا صوتًا آخر.
— نادر.
تغير وجهه.
قال كاسر:
— أنت تحديدًا يجب أن تفهم.
— أفهم ماذا؟
— لماذا أبقيتك حيًا.
صمت نادر.
قال كاسر:
— لأنك تحمل الشيء الوحيد الذي أحتاج إليه.
سأل إيلان:
— ما هو؟
أجاب:
— الذاكرة الأصلية.
ثم سمعوا صوت أجهزة خارج الباب.
قال ريان:
— علينا الخروج.
أشار إيلان إلى الممر الآخر.
— من هنا.
---
ركضوا في الممر.
كان ضيقًا ومظلمًا.
ميرالا كانت في المنتصف.
إيلان أمامها.
ونادر خلفها.
قال نادر:
— لا تتوقفي.
لكنها توقفت.
— لحظة.
قال إيلان:
— ماذا؟
نظرت إلى الجدار.
كان هناك رسم قديم.
ثلاث دوائر.
داخل كل دائرة حرف.
I
M
N
قالت:
— هذا نحن.
اقترب نادر.
وضع يده على الحرف الثالث.
فتح جزء من الجدار.
ظهرت غرفة صغيرة.
قال ريان:
— ممر آخر.
دخلوا.
لكن داخل الغرفة كان هناك شيء غريب.
ثلاثة كراسي.
وأمامها شاشة.
وعلى الشاشة:
MEMORY ROOM
قال نادر:
— هذه هي.
سأله إيلان:
— الغرفة 17؟
أومأ.
— نعم.
قالت ميرالا:
— لكنك قلت إنها داخل ذاكرتك.
— هي كذلك.
ثم أشار إلى الجهاز.
— هذا المكان هو الذي صنعوا فيه الذكريات.
جلس ريان أمام الجهاز.
— أستطيع تشغيله.
قال إيلان:
— افعل.
ضغط زرًا.
اشتغلت الشاشة.
ظهر تاريخ قديم.
17 / 00:00
ثم ظهرت صور الأطفال الثلاثة.
إيلان.
ميرالا.
نادر.
ثم ظهرت ليان.
كانت تبكي.
قال صوت في التسجيل:
— يجب أن نختار طفلًا واحدًا.
قال والد إيلان:
— لا.
رد الرجل:
— لا يمكن إنقاذهم جميعًا.
ثم ظهرت ليان:
— سأضحي بنفسي.
قال والد إيلان:
— ليان، لا.
لكنها أجابت:
— إذا بقيت أنا، سيتركون الأطفال.
ثم انقطع التسجيل.
قالت ميرالا:
— أمي ضحّت بنفسها؟
قال نادر:
— لا.
نظر إليها.
— هي لم تكن الضحية.
ثم ظهر تسجيل آخر.
ليان تقف أمام كاسر.
قالت:
— سأبقى معك.
قال كاسر:
— ولماذا؟
— لأنك لن تقترب من الأطفال إذا بقيت أنا.
قال:
— وماذا ستفعلين إذا اكتشفوا أنك خدعتهم؟
أجابته:
— سأنتظر حتى يكبروا.
توقفت ميرالا.
— كانت تعمل معه؟
قال نادر:
— كانت تتظاهر بذلك.
ثم ظهرت ليان وهي تهمس أمام الكاميرا:
— إذا كنتما تشاهدان هذا يومًا، فاعلما أنني لم أترككما.
بدأت الدموع في عيني ميرالا.
ثم قالت ليان:
— أنا أراقبكما منذ البداية.
قال إيلان:
— ماذا؟
ظهرت صور.
ميرالا في المدرسة.
ميرالا في المستشفى.
إيلان في شوارع المدينة.
إيلان مع ريان.
ثم ظهرت صورة لهما معًا.
قالت ليان في التسجيل:
— كنت أعرف أنكما ستلتقيان مرة أخرى.
قالت ميرالا:
— لماذا لم تقترب مني؟
أجاب التسجيل:
— لأن كاسر كان يراقبك.
ثم ظهرت جملة:
«إذا عرف أنك تعرفين الحقيقة، سيقتلك.»
ساد الصمت.
ثم تغير التسجيل.
ظهر نادر.
كان طفلًا.
يجلس وحده.
أمامه جهاز.
وكان كاسر يقف خلفه.
قال:
— تذكر.
قال نادر:
— لا أريد.
— تذكر!
وضع كاسر يده على رأسه.
صرخ نادر:
— أوقف هذا!
ثم انقطع التسجيل.
خفض نادر عينيه.
قال إيلان:
— ماذا فعل بك؟
أجاب:
— حاول أن يجعلني أتذكر كل شيء بالقوة.
— ولماذا؟
— لأنه كان يريد معرفة مكان المفتاح.
سألته ميرالا:
— أي مفتاح؟
رفع نادر رأسه.
— المفتاح الحقيقي.
قالت:
— أين هو؟
نظر إليها.
— معك.
تجمدت.
— ماذا؟
— المفتاح لم يكن القلادة.
نظر إلى قلادتها الزرقاء.
— القلادة مجرد غطاء.
قال إيلان:
— إذًا أين المفتاح؟
اقترب نادر منها.
— في ذاكرتك.
قالت:
— لا أفهم.
— عندما كنتِ طفلة، أعطاك إيلان المفتاح.
نظرت إليه.
— المفتاح الفضي؟
— لا.
هز رأسه.
— المفتاح الذي لا يستطيع أحد رؤيته.
ثم قال:
— أنتِ خبأته في مكان لا يمكن لكاسر الوصول إليه.
سألت:
— أين؟
نظر إلى عينيها.
— داخل أول ذكرى نسيتها.
فجأة...
انطفأت الشاشة.
ثم ظهر صوت كاسر من مكبرات الغرفة.
— أحسنتم.
رفع إيلان رأسه.
— أنت هنا.
— نعم.
قال ريان:
— أين؟
ضحك كاسر.
— لا تحتاجون إلى معرفتي.
ثم قال:
— يكفي أن تعرفوا أنني أسمعكم.
قال إيلان:
— ماذا تريد؟
— أريد ميرالا.
تقدم إيلان خطوة.
— لن تحصل عليها.
أجاب كاسر:
— أنت لا تفهم.
ثم قال:
— هي ليست مجرد شاهدة.
تغير وجه ميرالا.
— ماذا أنا؟
صمت كاسر لحظة.
ثم قال:
— أنتِ الشخص الوحيد الذي يستطيع فتح الذاكرة الأصلية.
قالت:
— ولماذا أنا؟
— لأن أمك اختارتك.
— اختارتني لماذا؟
— لتكوني الحافظة.
سأل إيلان:
— حافظة ماذا؟
أجاب كاسر:
— كل ما حدث في ليلة السابع عشر.
ثم سمعوا صوت باب يُفتح.
ظهر ضوء قوي من الممر.
كان رجال كاسر يقتربون.
قال ريان:
— علينا التحرك الآن.
أمسك إيلان يد ميرالا.
— تعالي.
ركضوا.
لكن نادر لم يتحرك.
قال إيلان:
— نادر!
هز رأسه.
— اذهبوا.
— لن نتركك.
ابتسم نادر.
— هذه المرة دوري أنا.
ثم أغلق الباب بينهم وبين الرجال.
صرخت ميرالا:
— نادر!
سمعوا صوته:
— لا تنسي الوعد.
ثم أغلق الباب.
بدأ إيلان يسحب ميرالا بعيدًا.
لكنها قاومت.
— لن أتركه!
قال:
— إذا بقينا جميعًا، سيأخذوننا.
— لكنه أنقذنا!
— ولهذا سنعود من أجله.
ركضوا.
وصلوا إلى نهاية الممر.
وجدوا بابًا حديديًا.
فتحوه.
خرجوا إلى الغابة.
كان الليل قد حل.
توقفت ميرالا.
كانت تسمع أصواتًا خلفها.
ثم...
سمعت صوت نادر.
بعيدًا.
— اذهبا!
ثم صوت ارتطام قوي.
سكت كل شيء.
أمسك إيلان بيدها.
— يجب أن نذهب.
نظرت إليه.
ثم إلى الغابة.
— سنعود.
أجاب:
— سنعود.
---
بعد دقائق، وصلوا إلى السيارة.
جلس ريان خلف المقود.
لكن ميرالا لم تتحرك.
كانت تحدق في قلادتها.
بدأ الضوء الأزرق يظهر.
ثم شعرت بألم خفيف في رأسها.
أغمضت عينيها.
وفجأة...
ظهرت الذكرى.
كانت صغيرة.
تحت الشجرة.
إيلان يقف أمامها.
وفي يده مفتاح صغير.
قال:
— لا تخبري أحدًا.
ضحكت الطفلة.
— لماذا؟
قال:
— لأنه إذا عرفوا، سيأخذونه.
— أين أضعه؟
نظر حوله.
ثم قال:
— في المكان الذي لا يستطيعون دخوله.
سألته:
— أين؟
اقترب منها.
ووضع المفتاح في يدها.
ثم قال:
— داخل قلبك.
فتحت ميرالا عينيها.
كانت تلهث.
قال إيلان:
— ماذا رأيتِ؟
نظرت إليه.
ثم قالت:
— تذكرت.
— ماذا؟
رفعت يدها إلى صدرها.
— المفتاح لم يكن عندي.
صمتت.
— كنتُ أحمله...
ثم نظرت إلى إيلان.
— وأعطيته لشخص آخر.
سأل ريان:
— لمن؟
قالت ميرالا:
— لأمي.
ثم جاءتها ذكرى أخيرة.
ليان تحمل المفتاح.
وكاسر يقف أمامها.
يقول:
— أين المفتاح؟
فتجيبه:
— لن تجده أبدًا.
ثم تلتفت نحو شخص يقف خلفها.
نادر.
وتعطيه المفتاح.
فتحت ميرالا عينيها.
— نادر كان يحمل المفتاح طوال هذه السنوات.
قال إيلان:
— إذًا كاسر لم يكن يبحث عنك فقط.
— كان يبحث عن نادر.
نظر ريان إلى الغابة.
— وهذا يعني أنه لم يتركه حيًا من أجل الذاكرة فقط.
سأل إيلان:
— إذًا لماذا؟
لم يجب أحد.
حتى وصل إشعار إلى هاتف ميرالا.
رسالة واحدة.
من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة نادر.
واقفًا في غرفة مظلمة.
وهو ينظر مباشرة إلى الكاميرا.
وتحت الصورة:
«لا تقلقي يا ميرالا.»
ثم وصلت رسالة ثانية:
«أنا بخير.»
لكن الرسالة الثالثة جعلت الدم يتجمد في عروقهم:
«المشكلة أن كاسر لم يأخذني.»
ثم:
«أنا ذهبت معه بإرادتي.»
تبادل إيلان وميرالا النظرات.
وفي اللحظة نفسها...
ظهرت رسالة رابعة:
«لأنني عرفت من هو الشخص الذي خاننا في ليلة الحريق.»
ثم اختفت الرسائل كلها.
وبقيت كلمة واحدة على الشاشة:
«الأب.»
سالي🌼🤎🍁🍂