الفصل السادس والعشرون
تحت المستشفى القديم
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل.
لم يتحدث أحد داخل السيارة.
ميرالا كانت تجلس بجانب لينا في الخلف، بينما كان إيلان في المقعد الأمامي، ونادر يقود، وآدم وريان إلى جانبه.
لكن الصمت لم يكن هدوءًا.
كان انتظارًا.
انتظارًا للحقيقة.
كانت ميرالا تنظر من النافذة.
كلما اقتربوا من المستشفى القديم، شعرت بأن شيئًا داخلها يزداد وضوحًا.
صور متقطعة.
ممرات بيضاء.
طفلتان.
مفتاحان.
وصوت رجل يقول:
— لا تدعوهما تتذكران.
أغمضت عينيها.
فجأة شعرت بيد لينا تمسك يدها.
قالت:
— لا تحاولي إجبار ذاكرتك.
نظرت إليها ميرالا.
— لماذا؟
— لأن بعض الذكريات لا تعود وحدها.
— ماذا تقصدين؟
خفضت لينا صوتها.
— أحيانًا عندما تتذكرين شيئًا... تتذكرين معه كل الألم الذي حاول عقلك نسيانه.
سكتت ميرالا.
ثم سألت:
— وأنتِ؟
— ماذا؟
— هل تتذكرين كل شيء؟
نظرت لينا أمامها.
— تقريبًا.
— إذًا أخبريني.
ترددت.
— ليس الآن.
— لماذا؟
قالت لينا:
— لأن الشخص الذي خاننا قد يكون أقرب مما تتوقعين.
---
توقفت السيارة.
رفع نادر عينيه نحو المبنى.
كان المستشفى القديم مهجورًا منذ سنوات.
نوافذه محطمة.
جدرانه مغطاة بآثار الزمن.
لكن الغريب...
أن أحد أبوابه كان مفتوحًا.
قال ريان:
— شخص ما دخل قبلاً.
أجاب آدم:
— والد إيلان.
نظر إيلان إلى المبنى.
— أو شخص ينتظرنا.
نزلوا جميعًا.
وقفت ميرالا أمام الباب.
شعرت بقشعريرة.
قال إيلان:
— هل أنت بخير؟
نظرت إليه.
— نعم.
ثم أضافت:
— لكن هذا المكان مألوف.
قال:
— كنتِ هنا.
— وأنا طفلة؟
— نعم.
اقتربت منه.
— وأنت أيضًا؟
أومأ.
— نعم.
ترددت.
ثم قالت:
— لماذا لم تخبرني من قبل؟
خفض عينيه.
— كنت خائفًا.
— منك؟
— من الحقيقة.
ثم دخل.
---
كان الممر طويلًا.
أضواء قليلة كانت تومض من السقف.
تقدم نادر أولًا.
ثم آدم.
وبعدهما ميرالا ولينا.
كان إيلان يمشي خلفهما.
وفجأة توقفت ميرالا.
قالت:
— انتظروا.
نظر الجميع إليها.
كانت تحدق في جدار على اليمين.
اقتربت منه.
مررت أصابعها فوق الطلاء القديم.
— كان هنا باب.
قال آدم:
— لا يوجد شيء.
— لا.
هزت رأسها.
— أتذكره.
ضربت الجدار بيدها.
صدر صوت أجوف.
نظر نادر إلى آدم.
— ابتعد.
بدأ يفحص الجدار.
وبعد دقائق وجد فتحة صغيرة.
ضغط عليها.
تحرك جزء من الجدار.
ظهر ممر ضيق.
قال ريان:
— يبدو أن المستشفى كان يخفي أكثر مما نعرف.
دخلوا.
في نهاية الممر كان هناك درج ينزل إلى الأسفل.
قالت لينا:
— هذا هو.
سألها إيلان:
— كنتِ هنا من قبل؟
— مرة واحدة.
— متى؟
— بعد الحريق.
ثم نظرت إلى ميرالا.
— كنت أبحث عنك.
توقفت ميرالا.
— ولم تجديني؟
— وجدتك.
— ماذا؟
— رأيتك.
— أين؟
قالت لينا:
— في غرفة العمليات.
ساد الصمت.
قالت ميرالا:
— كنت طفلة.
— نعم.
— ماذا كنت أفعل هناك؟
ترددت لينا.
— كانوا يجرون عليكِ الاختبار الأخير.
تغير وجه إيلان.
— أي اختبار؟
قالت لينا:
— اختبار محو الذاكرة.
---
وصلوا إلى الأسفل.
كانت هناك أبواب معدنية كثيرة.
على أحدها كُتب:
PROJECT 04
شعرت ميرالا بأن قلبها تسارع.
قالت:
— هذا هو.
أخرج إيلان المفتاحين.
جمعهما.
اقترب من الباب.
لكن ميرالا أوقفته.
— انتظر.
نظر إليها.
— ماذا؟
وضعت يدها على الباب.
فجأة...
سمعت صوتًا.
صوت طفلة.
— ميرالا...
فتحت عينيها.
— لينا؟
قالت لينا:
— ماذا؟
— سمعت صوتك.
— لم أتكلم.
تراجعت ميرالا.
ثم جاء الصوت مرة أخرى.
— لا تفتحي الباب.
تجمد الجميع.
قال نادر:
— هل سمعتم ذلك؟
أجاب ريان:
— نعم.
نظر إيلان إلى آدم.
— هل يوجد أحد بالداخل؟
قال آدم:
— لا أعرف.
ثم سمعوا صوتًا آخر.
صوت رجل.
— افتحوا الباب.
عرف إيلان الصوت.
— أبي.
فتح الباب.
---
كانت الغرفة مظلمة.
في منتصفها كرسي واحد.
وخلفه شاشة كبيرة.
اشتعلت الشاشة فجأة.
ظهر رجل.
كان والد إيلان.
لكن هذه المرة لم يكن موجودًا أمامهم.
كان تسجيلًا قديمًا.
قال في التسجيل:
— إذا كنتم تشاهدون هذا، فهذا يعني أن المشروع عاد إلى الظهور.
نظر إيلان إلى الشاشة.
— لماذا؟
تابع التسجيل:
— لأن شخصًا ما أعاد تشغيله.
تقدمت ميرالا.
— من؟
كأن التسجيل يجيبها:
— الشخص الذي خانني.
ظهر على الشاشة ملف جديد.
أربعة أسماء.
كاسر.
والد ميرالا.
والد إيلان.
ثم اسم رابع.
هذه المرة لم يكن مشطوبًا.
ظهرت الأحرف بوضوح.
الدكتورة سيلين الراوي.
شهقت ميرالا.
قالت:
— سيلين؟
نظر إليها الجميع.
— تعرفينها؟
أومأت.
— كانت طبيبة تعمل معي قبل سنوات.
قالت لينا:
— ليست مجرد طبيبة.
تابع التسجيل:
— سيلين كانت العقل الحقيقي وراء المشروع.
تجمد إيلان.
— إذًا أبي لم يبدأه.
قال آدم:
— كان منفذًا.
هز إيلان رأسه.
— كان يحاول إيقافه.
ثم ظهرت صورة قديمة.
والد إيلان يقف أمام المختبر.
وبجانبه...
والد ميرالا.
وسيلين.
قال والد إيلان في التسجيل:
— اكتشفت أن سيلين لم تكن تدرس الذاكرة.
تغيرت الشاشة.
ظهر مخطط لعقل بشري.
— كانت تحاول التحكم بها.
قال ريان:
— لهذا ربطوا ذاكرة ميرالا ولينا.
أجاب التسجيل:
— كانتا أول حالتين نجحتا في الارتباط الكامل.
قالت ميرالا:
— لكن لماذا أنا؟
ظهر ملفها.
SUBJECT 04-A — MIRALA
ثم ملف لينا.
SUBJECT 04-B — LINA
ثم ملف ثالث.
SUBJECT 00 — UNKNOWN
تجمد آدم.
— ما هذا؟
قال إيلان:
— الحالة صفر.
نظر إليه نادر.
— تعرفها؟
صمت إيلان.
قالت ميرالا:
— إيلان؟
أجاب أخيرًا:
— نعم.
— من هو؟
نظر إليها.
— الحالة صفر كانت أول شخص خضع للتجربة.
— من؟
خفض رأسه.
— أمي.
ساد الصمت.
---
بدأت الشاشة تعرض صورًا قديمة.
امرأة شابة.
والد إيلان بجانبها.
ثم سيلين.
قال إيلان بصوت منخفض:
— أمي كانت تعاني من فقدان بعض ذكرياتها.
قالت ميرالا:
— فبدأ المشروع لعلاجها؟
— هذا ما كنت أعتقده.
— والحقيقة؟
— سيلين اكتشفت أن ذاكرتها يمكن أن تُستخدم لدراسة الآخرين.
قال آدم:
— ولهذا بدأ كل شيء.
ثم ظهرت صورة أخرى.
كانت لأم إيلان وهي تحمل طفلًا صغيرًا.
إيلان.
قال والد إيلان في التسجيل:
— عندما أدركت أن سيلين لن تتوقف، حاولت إخراج ابني من المشروع.
توقف التسجيل لحظة.
ثم ظهرت صورة للحريق.
قال:
— لكنني فشلت.
أغمض إيلان عينيه.
تذكّر.
النار.
الصراخ.
والده يصرخ:
— خذ إيلان!
ثم يد أخرى تمسكه.
يد امرأة.
سيلين.
ثم صوتها:
— لا تدعه يخرج.
فتح إيلان عينيه فجأة.
— أتذكر.
نظرت إليه ميرالا.
— ماذا؟
— هي كانت هناك.
— سيلين؟
أومأ.
— هي من بدأت الحريق.
---
وفجأة انطفأت الشاشة.
ثم أُغلق الباب خلفهم.
قال ريان:
— أحدهم أغلقه!
اندفع نادر نحو الباب.
كان مقفلًا.
بدأت لينا تبحث عن مخرج.
— هناك باب آخر.
ركضوا نحوه.
لكن قبل أن يصلوا...
اشتعلت شاشة صغيرة فوق الباب.
ظهرت رسالة:
مرحبًا بكم مجددًا.
ثم ظهرت جملة أخرى:
ميرالا، كنت أعرف أنك ستعودين.
توقفت ميرالا.
قالت:
— هي.
قال إيلان:
— من؟
نظرت إلى الشاشة.
— سيلين.
ثم ظهرت صورة مباشرة.
امرأة تقف في غرفة أخرى.
شعرها داكن، وملامحها هادئة.
قالت:
— مرحبًا يا ميرالا.
تجمدت ميرالا.
كانت تعرفها.
لكنها لم تكن تعرف لماذا...
كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.
قالت المرأة:
— اشتقت لك.
ثم نظرت إلى إيلان.
— وأنت أيضًا.
صرخ إيلان:
— ماذا تريدين؟
ابتسمت سيلين.
— أريد فقط أن أعيد ما بدأته.
قال نادر:
— لن يحدث ذلك.
ضحكت.
— أنتم ما زلتم تظنون أنكم تستطيعون إيقافي؟
ثم نظرت إلى ميرالا.
— اسألي أختك.
التفتت ميرالا إلى لينا.
— ماذا تعرفين؟
خفضت لينا رأسها.
قالت:
— كل شيء.
— إذًا قولي.
رفعت لينا عينيها.
— سيلين لم تكن تريد قتلنا.
توقف الجميع.
— كانت تريد شيئًا أسوأ.
قال إيلان:
— ماذا؟
أجابت لينا:
— كانت تريد أن تجعل ذاكرة شخص واحد...
توقفت.
ثم قالت:
— تتحكم بذاكرة الجميع.
نظرت سيلين من الشاشة.
— والآن حان الوقت.
انطفأت الشاشة.
وفي اللحظة نفسها...
انفتح باب خلف ميرالا.
استدارت.
كان هناك ممر طويل.
وفي نهايته رجل يقف في الظلام.
قال بصوت هادئ:
— ميرالا.
تجمدت.
كان والدها.
حيًا.
رفع يده نحوها.
— تعالي.
لكن إيلان أمسك بيدها.
— لا.
نظر والدها إليه.
ثم ابتسم.
— كنت أعرف أنك ستفعل ذلك.
وفجأة ظهرت خلفه سيلين.
قالت:
— لأن هذا هو الجزء الذي لم تتذكريه بعد.
نظرت ميرالا إليها.
— أي جزء؟
ابتسمت سيلين.
— لماذا اختار إيلان أن يتركك في تلك الليلة.
اتسعت عينا ميرالا.
نظر الجميع إلى إيلان.
ولأول مرة...
لم يستطع إيلان أن يقول شيئًا.
يتبع...
سالي🌼🤎🍁🍂