الفصل الرابع والعشرون
الحقيقة التي يخفيها إيلان
ظلّت ميرالا تحدّق في شاشة هاتفها.
كانت الكلمات الأخيرة ما تزال عالقة في ذهنها:
«إيلان ليس الشخص الذي تظنينه.»
ثم انطفأت الشاشة.
لم تتحرك.
لم تتكلم.
حتى أنفاسها أصبحت هادئة بشكل غريب.
لاحظ إيلان ذلك فورًا.
اقترب منها خطوة.
— ميرالا؟
رفعت عينيها إليه.
كان وجهه هادئًا.
هادئًا أكثر مما ينبغي.
قال:
— ماذا أرسلت لك؟
ترددت.
نظر نادر إليها، ثم إلى إيلان.
كان يشعر بأن شيئًا تغير.
قال ريان:
— ميرالا، ماذا كان في الرسالة؟
أغلقت يدها حول الهاتف.
— لا شيء.
رفع إيلان حاجبه.
— لا شيء؟
— مجرد رقم مجهول.
تدخل آدم:
— هل قال شيئًا عن لينا؟
تجمدت ميرالا.
كانت إجابة صمتها كافية.
اقترب آدم.
— ماذا قالت؟
لم تجبه.
فقال إيلان:
— آدم، توقف.
نظر آدم إليه.
— لماذا؟
— لأنها لا تريد الكلام.
رد نادر بهدوء:
— أو لأنها خائفة من شيء.
نظر إيلان إليه.
— وما الذي تريد أن تقوله؟
أجاب نادر:
— لا شيء.
ساد الصمت.
لكن عيون نادر بقيت على إيلان.
كان هناك شيء غريب.
شيء لم يستطع تفسيره.
---
خرجت ميرالا من الغرفة.
أغلقت الباب خلفها.
وقفت في الممر وحدها.
وضعت يدها على صدرها.
لم تكن تعرف لماذا شعرت بالخوف.
لم تكن الرسالة وحدها هي السبب.
بل لأنها عندما قرأت:
«إيلان ليس الشخص الذي تظنينه.»
شعرت بشيء داخل ذاكرتها يتحرك.
صورة.
صوت.
مكان.
رجل يقف أمام طفلتين.
ثم صوت لينا:
— لا تثقي به.
لكن من كان المقصود؟
إيلان؟
أم شخص آخر؟
وضعت ميرالا يدها على رأسها.
— ماذا يحدث لي؟
وفجأة سمعت صوتًا خلفها.
— لأنك بدأت تتذكرين.
استدارت بسرعة.
كان آدم.
قالت:
— ماذا تعرف؟
— أكثر مما أستطيع قوله هنا.
— إذًا قل لي.
اقترب منها.
— عندما كانت ذاكرتك مرتبطة بلينا، لم تكن كل ذكرياتك تخصك وحدك.
— أعرف.
— لا، أنت لا تعرفين.
نظر حوله.
ثم قال:
— هناك ذكريات زرعها المشروع داخل عقولكما.
اتسعت عيناها.
— ذكريات مزيفة؟
— بعضها.
— ولماذا؟
— حتى لا تعرفا الحقيقة.
— وما الحقيقة؟
صمت آدم.
ثم قال:
— إيلان كان هناك ليلة الحريق.
توقفت ميرالا.
— ماذا؟
— كان موجودًا.
— هذا مستحيل.
— كنتِ طفلة.
— وأنا أتذكره.
— هذا هو السبب.
اقتربت ميرالا منه.
— ماذا تقصد؟
قال آدم:
— لأنك لم تتذكري إيلان كما كان.
سكت لحظة.
— تذكرتِ النسخة التي سمحوا لك بتذكرها.
---
في الغرفة الأخرى، كان إيلان يقف أمام نادر.
قال:
— أنت تشك بي.
لم ينكر نادر.
— عندي أسئلة.
— اسأل.
— لماذا تعرف طريق هذا المنزل؟
تغير وجه إيلان قليلًا.
— لم أقل إنني أعرفه.
قال نادر:
— لكنك عندما دخلنا، لم تتردد.
صمت إيلان.
تابع نادر:
— كنت تعرف أين الباب المخفي.
— ربما كان مجرد تخمين.
— وأنت عرفت أن هناك أحدًا في الخارج قبل أن نسمعه.
نظر إليه إيلان.
— هل انتهيت؟
— ليس بعد.
اقترب نادر.
— ماذا حدث لك ليلة الحريق؟
ظل إيلان صامتًا.
دخل ريان في تلك اللحظة.
— وجدنا شيئًا.
نظر الاثنان إليه.
كان يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
وضعه على الطاولة.
— كان مخبأً خلف الجدار.
فتح الصندوق.
في داخله صور قديمة.
أخذ إيلان إحدى الصور.
تغير وجهه.
قال ريان:
— تعرفهم؟
لم يجب.
كانت الصورة لطفلتين.
ميرالا ولينا.
وخلفهما ثلاثة أشخاص.
رجل وامرأة...
وطفل صغير.
حدق ريان في الطفل.
— هذا...
قال نادر:
— إيلان.
لم يتحرك إيلان.
قال ريان:
— كنت تعرف ميرالا قبل أن تتذكرك؟
ظل إيلان صامتًا.
ثم قال:
— نعم.
---
دخلت ميرالا الغرفة في تلك اللحظة.
نظرت إلى الصورة.
ثم إلى إيلان.
— كنت تعرفني؟
لم يجب.
اقتربت منه.
— إيلان.
رفع عينيه إليها.
كانت نظراته مختلفة.
لأول مرة، لم يكن فيها الغموض.
كان فيها خوف.
قالت:
— جاوبني.
قال بصوت منخفض:
— نعم.
شهقت.
— منذ متى؟
— منذ الطفولة.
نظرت إلى الصورة.
— لماذا لم تخبرني؟
— لأنني وعدت.
— من طلب منك؟
صمت.
— إيلان!
أغمض عينيه للحظة.
ثم قال:
— والدك.
تجمدت.
— أبي؟
— نعم.
— ماذا وعدته؟
— أن أنساك.
نظرت إليه بعدم تصديق.
— وأن تنساني؟
— كان يريد حمايتك.
ضحكت ضحكة قصيرة حزينة.
— حمايتي؟
— ميرالا...
— لا تقل اسمي.
توقف.
قالت:
— أريد الحقيقة كاملة.
قال إيلان:
— الحقيقة ليست بسيطة.
— إذًا اجعلها بسيطة.
صمت طويل.
ثم قال:
— في تلك الليلة، لم يكن الحريق حادثًا.
تراجعت خطوة.
— ماذا؟
— كان الهدف هو إخفاء المشروع.
قال آدم من الخلف:
— والطفلتان.
نظر إيلان إليه.
ثم قال:
— نعم.
---
اقتربت ميرالا من الصورة.
— لماذا كنت هناك؟
أجاب إيلان:
— لأن والدي كان أحد المسؤولين عن المشروع.
رفعت عينيها إليه.
— والدك؟
— نعم.
— وهل كنت تعرف ماذا يفعلون؟
— لا.
— متى عرفت؟
— بعد سنوات.
سألته:
— وماذا حدث للينا؟
تغيرت ملامحه.
— رأيتها.
توقفت ميرالا.
— متى؟
— ليلة الحريق.
— أين؟
— كانت تمسك بيدك.
— ثم؟
أجاب إيلان:
— جاء رجل وأخذها.
— من؟
— لا أعرف.
قال نادر:
— كاذب.
التفت إليه إيلان.
— ماذا قلت؟
— قلت إنك تكذب.
اقترب نادر منه.
— أنت تعرف من أخذها.
لم يجب.
قال نادر:
— لأنك كنت الشخص الذي ساعده.
اتسعت عينا ميرالا.
— ماذا؟
رفع إيلان رأسه بسرعة.
— هذا غير صحيح.
— إذًا قل من كان الرجل.
سكت إيلان.
ثم قال:
— لا أستطيع.
صرخت ميرالا:
— لماذا؟!
لم يجب.
فقال آدم:
— لأنه يعرف.
نظر الجميع إليه.
— يعرف من بدأ المشروع.
قال إيلان:
— آدم...
— انتهى وقت الأسرار.
أخرج آدم الورقة التي وجدها سابقًا.
وأشار إلى الاسم المشطوب.
— هذا الاسم ليس مشطوبًا بالكامل.
نظر ريان إلى الورقة.
— هناك شيء تحته.
أخذ قلمًا وبدأ يمرر بهدوء على الجزء الخلفي من الورقة.
ظهرت حروف باهتة.
اسم.
توقف ريان.
— وجدته.
اقتربت ميرالا.
قرأ الاسم.
ثم تجمدت.
كان الاسم:
د. سامر الراوي
قالت:
— من هذا؟
لم يجب آدم.
أما إيلان...
فقد شحب وجهه.
لاحظت ميرالا ذلك.
— أنت تعرفه.
قال:
— نعم.
— من هو؟
نظر إليها.
— طبيب.
— فقط؟
صمت.
ثم قال:
— كان الطبيب الذي أشرف على المشروع.
شهقت ميرالا.
— وأين هو الآن؟
قال آدم:
— ميت.
لكن نادر هز رأسه.
— لا.
نظر إليه الجميع.
أخرج هاتفه.
— هذا الرجل لم يمت.
فتح صورة قديمة.
كان الرجل نفسه.
وبجانب الصورة معلومات حديثة.
قال نادر:
— ظهر قبل شهرين في مدينة أخرى.
رفعت ميرالا عينيها.
— أين؟
أجاب:
— بالقرب من المحطة القديمة.
---
في تلك اللحظة رن هاتف ميرالا مرة أخرى.
هذه المرة لم يكن رقمًا مجهولًا.
كانت رسالة من لينا.
فتحتها.
«لا تأتي وحدك.»
ثم وصلت رسالة ثانية.
«كنت مخطئة.»
وثالثة:
«إيلان لم يكن يريد إيذاءك.»
توقفت ميرالا.
ثم وصلت الرسالة الأخيرة:
«لكنني لم أخبرك بعد بمن كان يحميك طوال هذه السنوات.»
نظرت ميرالا إلى إيلان.
وقبل أن تقول شيئًا...
وصلت صورة.
كانت لينا تقف أمام المحطة القديمة.
وبجانبها رجل.
رجل في منتصف العمر.
عرفه إيلان فورًا.
همس:
— سامر...
ثم ظهرت رسالة جديدة:
«تعالي قبل منتصف الليل.»
«لأنهم عرفوا أنني أرسلت لك الحقيقة.»
ثم اختفت الرسائل.
قال نادر:
— سنذهب جميعًا.
هز إيلان رأسه.
— لا.
نظر إليه.
— لماذا؟
— لأنها طلبت أن تأتي ميرالا وحدها.
قال نادر:
— وهذا بالضبط سبب عدم ذهابها وحدها.
نظر إيلان إلى ميرالا.
كانت واقفة في صمت.
ثم قالت:
— سأذهب.
قال إيلان:
— ميرالا...
— لكن ليس وحدي.
اقتربت من الطاولة وأخذت المفتاح الأزرق المعلق حول رقبتها.
ثم نظرت إلى آدم.
— أين المفتاح الأبيض؟
تغير وجه آدم.
— لماذا تسألين؟
— لأنني تذكرت شيئًا.
— ماذا؟
رفعت ميرالا عينيها.
— لينا لم تكن تحمل المفتاح الأبيض ليلة الحريق.
ساد الصمت.
— كان مع شخص آخر.
سأل نادر:
— من؟
أغمضت ميرالا عينيها.
وعادت الذكرى.
طفلة صغيرة.
رجل يقف أمامها.
مفتاح أبيض في يده.
ثم صوت لينا:
— لا تنسيه يا ميرالا.
فتحت عينيها.
— كان مع إيلان.
نظر الجميع إليه.
لم ينكر.
مد يده ببطء إلى جيبه.
وأخرج سلسلة قديمة.
كان في نهايتها...
مفتاح أبيض.
تراجعت ميرالا خطوة.
قالت:
— كنت تملكه طوال هذه السنوات؟
أجاب إيلان:
— نعم.
— لماذا؟
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— لأن لينا أعطتني إياه.
توقفت أنفاس ميرالا.
— لماذا أعطتك إياه؟
اقترب إيلان.
— لأنها قالت لي شيئًا واحدًا قبل أن يأخذوها.
— ماذا قالت؟
نظر إلى المفتاح الأزرق حول رقبتها.
ثم قال:
— قالت:
— «إذا نسيت ميرالا كل شيء... ذكّرها بالمفتاحين.»
رفعت ميرالا يدها إلى عقدها.
ثم نظرت إلى المفتاح الأبيض.
وفي تلك اللحظة...
سمعوا صوتًا قادمًا من أعلى الدرج.
خطوات بطيئة.
ثم صوت امرأة.
هادئ.
ومألوف.
— لا حاجة لأن تذهبوا إلى المحطة.
تجمد الجميع.
رفع إيلان رأسه.
أما ميرالا...
فقد عرفت الصوت.
قالت بصوت مرتجف:
— لينا؟
ظهرت فتاة عند أعلى الدرج.
كانت تقف في الظلام.
ثم تقدمت نحو الضوء.
كانت تشبه ميرالا بشكل مخيف.
لكن عينيها كانتا ممتلئتين بالخوف.
قالت:
— ميرالا...
ثم نظرت إلى إيلان.
وتغير وجهها.
— لا تثقي به.
رفع إيلان عينيه إليها.
— لينا...
قالت:
— لقد تأخرت كثيرًا.
ثم أضافت بصوت خافت:
— لأن والدك عرف أنك تذكرت كل شيء.
تجمد إيلان.
قال:
— ماذا؟
نظرت لينا إلى ميرالا.
— والد إيلان حي.
ثم قالت:
— وهو الآن في طريقه إلى هنا.
سالي🌼🤎🍁🍂