الفصل الخامس والعشرون
الرجل الذي عاد من الماضي
لم يتحرك أحد.
كانت كلمات لينا لا تزال معلقة في الهواء:
— والد إيلان حي.
نظر إيلان إليها وكأنه لم يسمع جيدًا.
— ماذا قلتِ؟
نزلت لينا درجة أخرى.
— قلت إن والدك حي.
شدّ إيلان قبضته.
— هذا مستحيل.
— كنت أتمنى أن يكون كذلك.
تدخل نادر:
— أين هو؟
نظرت لينا إلى ميرالا.
— قريب.
قال ريان:
— قريب من ماذا؟
— منكم.
ساد الصمت.
ثم أضافت:
— كان يعرف أنكم ستصلون إلى هذا المكان.
اقتربت ميرالا منها.
— لينا...
توقفت أختها أمامها.
كانت المسافة بينهما قصيرة، لكن ميرالا شعرت وكأن سنوات كاملة تفصل بينهما.
مدت يدها ببطء.
— هل أنتِ فعلًا أختي؟
نظرت لينا إلى يدها.
ثم أمسكت بها.
للحظة لم تقل أي منهما شيئًا.
وبدون كلمة، احتضنت ميرالا أختها.
أغمضت لينا عينيها.
همست:
— اشتقت لك.
قالت ميرالا بصوت مكسور:
— وأنا أيضًا... رغم أنني لم أكن أتذكرك.
— كنتِ تتذكرينني.
ابتعدت ميرالا قليلًا.
— ماذا؟
— في أحلامك.
تجمدت.
— الأحلام؟
أومأت لينا.
— كلما رأيتِ طفلتين تحملان مفتاحين... كنتِ ترينني.
وضعت ميرالا يدها على عقدها.
— المفتاح الأزرق...
قالت لينا:
— كان لي.
ثم نظرت إلى المفتاح الأبيض الموجود مع إيلان.
— وهذا كان له.
سأل نادر:
— ولماذا؟
نظرت إليه لينا.
— لأن المفتاحين لم يكونا مجرد ذكرى.
قال آدم:
— بل كانا جزءًا من المشروع.
التفتت إليه لينا.
— لا.
استغرب الجميع.
قالت:
— المشروع لم يبدأ بسبب المفتاحين.
ثم نظرت إلى ميرالا.
— المشروع بدأ بسببكما.
---
جلس الجميع حول الطاولة.
أخرجت لينا ملفًا قديمًا من حقيبتها.
كان غلافه متآكلًا.
وضعت يدها عليه.
— هذا آخر ملف نجوت به من المختبر.
فتحه آدم.
ظهرت صور ميرالا ولينا وهما طفلتان.
ثم صورة ثالثة.
توقف إيلان.
كان في الصورة طفل صغير يقف بجانب الفتاتين.
قال:
— هذه الصورة...
قالت لينا:
— التُقطت قبل الحريق بيوم واحد.
نظر إيلان إلى ميرالا.
— كنتِ تعرفينني.
قالت:
— لا أتذكر.
— لأنهم جعلوك تنسين.
فتحت لينا صفحة أخرى.
كانت هناك ملاحظات مكتوبة بخط اليد.
قرأ ريان:
— "الارتباط بين SUBJECT 04-A وSUBJECT 04-B مستقر."
ثم تابع:
— "وجود الطفل الثالث يؤثر في استعادة الذاكرة."
رفع عينيه.
— الطفل الثالث هو إيلان؟
أجاب آدم:
— نعم.
سألت ميرالا:
— ماذا كان دوره؟
لم يجب أحد.
حتى لينا بقيت صامتة.
قالت ميرالا:
— أريد الحقيقة.
نظرت لينا إلى إيلان.
ثم قالت:
— إيلان لم يكن جزءًا من التجربة.
تنفس إيلان ببطء.
— إذًا لماذا كنت هناك؟
— لأن والدك كان يستخدمك.
تغير وجهه.
— كيف؟
— كان يريد معرفة ما إذا كان وجود شخص من خارج المشروع قادرًا على التأثير في ذاكرة الطفلتين.
قال نادر:
— يعني أن إيلان كان مراقبًا؟
هزت لينا رأسها.
— في البداية.
ثم نظرت إلى إيلان.
— لكنه أصبح حاميًا.
---
تذكر إيلان شيئًا.
ممر طويل.
أضواء بيضاء.
باب زجاجي.
صوت رجل:
— لا تقترب منهما.
كان إيلان طفلًا.
لكنه لم يبتعد.
كانت ميرالا جالسة خلف الزجاج.
تبكي.
ولينا بجانبها.
اقترب إيلان من الزجاج.
وضع يده عليه.
فعلت ميرالا الشيء نفسه.
ثم رفعت لينا المفتاح الأزرق.
وضع إيلان يده على المفتاح الأبيض.
وفي تلك اللحظة...
انطفأت الأنوار.
فتح إيلان عينيه.
عاد إلى الحاضر.
كانت ميرالا تنظر إليه.
— تذكرت.
قالت:
— ماذا؟
أجاب:
— أول مرة رأيتك فيها.
اقتربت منه.
— وأين كانت؟
— في المختبر.
تغير وجه ميرالا.
— أنا أيضًا رأيتك هناك.
نظر إليها بدهشة.
قالت:
— كنت خلف زجاج.
ثم وضعت يدها على رأسها.
— وكنت تبكي.
قال إيلان:
— لم أكن أبكي.
ابتسمت لينا لأول مرة.
— كنتما طفلين.
ثم قالت:
— وكان إيلان يبكي فعلًا.
نظر إليها إيلان بضيق.
— لينا.
ضحكت بهدوء.
ولأول مرة منذ بدأت الحقيقة بالظهور، شعر الجميع بأن شيئًا من الماضي عاد للحياة.
لكن اللحظة لم تستمر طويلًا.
---
سمعوا صوت سيارة في الخارج.
توقفت لينا عن الضحك.
قالت:
— وصلوا.
نهض نادر فورًا.
— من؟
نظرت إليه.
— والد إيلان.
وقف إيلان.
— أين؟
قالت:
— في الخارج.
اتجه نحو النافذة.
كانت هناك سيارة سوداء متوقفة أمام المنزل.
بابها الخلفي انفتح.
نزل رجل طويل يرتدي معطفًا داكنًا.
ظل واقفًا للحظات.
ثم رفع رأسه نحو النافذة.
وكأنه يعرف أنهم يراقبونه.
تراجع إيلان خطوة.
همس:
— أبي...
قال ريان:
— هل أنت متأكد؟
— أعرفه.
قال نادر:
— لا أحد يخرج.
لكن إيلان لم يسمعه.
كان الرجل يقترب من المنزل.
خطوة.
ثم أخرى.
قالت ميرالا:
— إيلان.
نظر إليها.
كانت عيناها تحملان خوفًا واضحًا.
قال:
— لن أتركك.
أجابته:
— أنا لا أخاف منه.
ثم أضافت:
— أخاف مما سيقوله.
---
دُق الباب.
مرة.
ثم مرة ثانية.
قال الرجل من الخارج:
— إيلان.
أغمض إيلان عينيه.
عرف الصوت.
كان الصوت نفسه الذي ظل يطارده في أحلامه.
فتح الباب.
وقف والده أمامه.
لم يتغير كثيرًا.
رجل هادئ، بملامح قاسية، وعينين لا تكشفان شيئًا.
نظر إلى إيلان.
ثم إلى ميرالا.
ثم إلى لينا.
وتوقف.
قال:
— كنت أعرف أنكم ستجتمعون.
قال إيلان:
— لماذا كذبت عليّ؟
— عن ماذا؟
— قلت إنك مت.
ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة.
— لأن موتي كان الطريقة الوحيدة لأحميك.
ضحك إيلان بمرارة.
— تحميني؟
— نعم.
— من ماذا؟
نظر والده إلى ميرالا.
— منهم.
قالت ميرالا:
— من تقصد؟
صمت.
ثم قال:
— من الأشخاص الذين بدأوا المشروع.
تقدم نادر.
— أنت واحد منهم.
رفع الرجل عينيه إليه.
— كنت كذلك.
قال آدم:
— وماذا أصبحت الآن؟
نظر الرجل إلى لينا.
— شخصًا يحاول إنهاء ما بدأه.
قالت لينا:
— بعد كل هذه السنوات؟
— لم يكن لدي خيار.
ردت:
— كان لديك دائمًا خيار.
صمت الرجل.
ثم قال:
— لينا...
قاطعته:
— لا تنادني باسمي وكأنك لم تكن هناك.
تدخل إيلان:
— ماذا فعلت بها؟
أجاب والده:
— أنقذتها.
تجمدت لينا.
قالت:
— أنت؟
— نعم.
— أنت الذي أرسلتني إلى المحطة.
— لأنهم كانوا يبحثون عنك.
— وأنت الذي جعلتني أختفي؟
— لكي تبقي حية.
صرخت ميرالا:
— كفى!
ساد الصمت.
تقدمت نحو الرجل.
— أين أبي؟
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— تريدين الحقيقة؟
— نعم.
— والدك لم يمت.
توقفت.
— أين هو؟
أخرج الرجل صورة من جيبه.
وضعها أمامها.
كان فيها رجل يجلس داخل غرفة مظلمة.
عرفته ميرالا فورًا.
— أبي...
قال إيلان:
— أين هو؟
أجاب الرجل:
— في المكان الذي بدأ منه المشروع.
قال نادر:
— المختبر؟
هز رأسه.
— لا.
ثم نظر إلى ميرالا.
— تحت المستشفى القديم.
شهقت.
كان نفس المستشفى الذي ظهر اسمه في بداية كل شيء.
قال الرجل:
— وهناك ستجدون الحقيقة الأخيرة.
سألته ميرالا:
— وما هي؟
تردد.
ثم قال:
— من خانكم في تلك الليلة.
نظر إلى إيلان.
— والخائن لم يكن والدك.
ثم نظر إلى لينا.
— ولم تكن لينا.
وأخيرًا نظر إلى ميرالا.
— بل شخص وثقتِ به طوال حياتك.
تجمدت ميرالا.
قال إيلان:
— من؟
لكن الرجل لم يجب.
استدار نحو الباب.
قال:
— إذا أردتم الحقيقة، تعالوا إلى المستشفى قبل منتصف الليل.
ثم توقف.
— وخذوا المفتاحين.
نظر إلى المفتاح الأزرق.
ثم إلى الأبيض.
— لأن الباب الذي ستفتحانه هناك...
رفع عينيه.
— لم يُفتح منذ ليلة الحريق.
خرج.
وظل الجميع صامتين.
نظرت ميرالا إلى إيلان.
— هل سنذهب؟
أجاب:
— نعم.
قال نادر:
— هذه المرة لن يذهب أحد وحده.
أمسكت لينا بيد ميرالا.
أما إيلان فأخرج المفتاح الأبيض.
وضمّه إلى المفتاح الأزرق.
للحظة...
صدر صوت خافت.
طَق.
نظر الجميع إلى المفتاحين.
كانا قد التصقا ببعضهما.
وتحوّلا إلى شكل واحد.
مفتاح كامل.
قال آدم بصوت منخفض:
— لم أرَ هذا من قبل.
رفعت ميرالا عينيها.
— إذًا لم تكن المفاتيح منفصلة أصلًا.
قالت لينا:
— كان يجب أن يلتقيا.
نظر إيلان إلى ميرالا.
— مثلنا.
لكن قبل أن تجيب...
وصلت رسالة إلى هاتف لينا.
فتحتها.
تغير وجهها.
سألتها ميرالا:
— ماذا هناك؟
أعطتها الهاتف.
كانت الرسالة من رقم مجهول:
«إذا فتحتم الباب... ستعرف ميرالا من خانها.»
ثم رسالة ثانية:
«لكنها ستعرف أيضًا لماذا اختار إيلان أن يتركها في الماضي.»
رفعت ميرالا رأسها ببطء.
نظرت إلى إيلان.
— ماذا يعني هذا؟
لم يجب.
ولأول مرة...
كان إيلان هو الشخص الذي لا يملك جوابًا.
يتبع...
سالي🌼🤎🍁🍂